
يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج.
الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة أعادت تعريف موقع دول الخليج داخل معادلة الردع الإقليمي. فالدول الخليجية، التي طالما سعت إلى تبنّي سياسة الحياد أو “إدارة التوازنات”، وجدت نفسها مضطرة إلى الانخراط المباشر في عمليات عسكرية ضد إيران أو وكلائها، وهو ما يُعدّ تحوّلًا نوعيًا في عقيدة الأمن التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود.
هذا التحول لا يعني فقط نهاية “الحياد العملي”، بل بداية مرحلة تتآكل فيها الفواصل بين الدفاع والهجوم، وبين الاستضافة العسكرية الأميركية والمشاركة الفعلية في الصراع. وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل ما زال النموذج الأمني القائم على المظلة الأميركية قابلًا للاستمرار، أم أنه دخل مرحلة التآكل البنيوي؟
أحد أكثر الأطروحات المثيرة للجدل في النص هي فكرة أن انسحابًا أميركيًا تدريجيًا قد يشكّل فرصة لدفع إيران إلى قبول صفقة أمنية شاملة تشمل النووي والصواريخ ووكلاء النفوذ. هذه الفرضية تقوم على تصور “تبادل منظم”: انسحاب مقابل ضبط سلوك إيراني.
لكن التحليل يفكك هذا الافتراض من جذوره. فالمشكلة ليست فقط في قابلية إيران للالتزام، بل في طبيعة البيئة الاستراتيجية نفسها. فالقوات الأميركية في الخليج لم تعد مجرد أداة ردع تقليدية، بل أصبحت أيضًا “هدفًا استراتيجيًا” داخل حسابات إيران وحلفائها، ما يعني أن وجودها لم يعد عنصر استقرار خالصًا، بل جزءًا من ديناميات التصعيد.
الأهم من ذلك أن استبعاد دول الخليج من أي مفاوضات كبرى حول مستقبل أمنها يعكس خللًا بنيويًا في هندسة الأمن الإقليمي: الأمن يُصاغ خارج المنطقة، بينما تُترك الدول المعنية للتكيّف مع نتائجه.
يستند التحليل إلى قراءة تاريخية دقيقة تُظهر أن القوى الكبرى لم تكن يومًا ضامنًا مطلقًا لأمن الخليج. من انسحاب بريطانيا التدريجي في القرن العشرين، إلى المواقف الأميركية المترددة في لحظات مفصلية مثل الثورة الإيرانية أو هجمات المنشآت النفطية، يتضح أن “المظلة الخارجية” كانت دائمًا انتقائية ومشروطة.
لكن المفارقة أن هذا القصور التاريخي لم يدفع دول الخليج إلى بناء بديل متكامل، بل إلى تعميق الاعتماد على نفس الضامن الخارجي بوصفه “الخيار الأقل سوءًا”. وهنا يكمن التناقض المركزي في البنية الأمنية الخليجية: إدراك محدودية الضمان الخارجي لم يتحول إلى مشروع مؤسسي بديل، بل إلى إدارة مستمرة للاعتماد عليه.
من أبرز نقاط القوة في التحليل أنه يرفض الفرضية القائلة بأن تقليص الوجود الأميركي سيؤدي تلقائيًا إلى كبح التوسع الإيراني. بالعكس، يستشهد بسابقة الاتفاق النووي عام 2015 باعتبارها دليلًا معاكسًا: فخفض الضغط لم ينتج سلوكًا أكثر اعتدالًا، بل ترافق مع توسع نفوذ إيران في سوريا والعراق واليمن.
هذا الطرح يعيد تعريف العلاقة بين “الضغط الخارجي” و”سلوك إيران الإقليمي”، ويشير إلى أن المشكلة ليست في حجم الوجود الأميركي فقط، بل في غياب بنية ردع متكاملة تمنع فراغ القوة من التحول إلى توسع نفوذ.
بمعنى آخر، الفراغ لا يُنتج توازنًا تلقائيًا، بل يُنتج غالبًا تمددًا من الطرف الأكثر جاهزية واستعدادًا.
أحد أهم محاور التحليل هو المقارنة غير المباشرة مع تجربة الناتو. ففي أوروبا، خفض الوجود الأميركي لم يؤدِ إلى انهيار المنظومة الأمنية، لأن هناك بنية مؤسسية موحدة، وقيادة مشتركة، والتزامات دفاعية متبادلة.
أما في الخليج، فالصورة مختلفة جذريًا:
هذا الغياب يجعل أي حديث عن “الاعتماد الذاتي” غير مكتمل، لأن الاستقلال الأمني لا يُقاس بامتلاك السلاح فقط، بل بوجود آلية تشغيل مشتركة قادرة على تحويل القدرات إلى ردع فعلي.
وهنا تظهر المفارقة: دول الخليج تمتلك المال والتقنية، لكنها تفتقر إلى “البنية المؤسسية” التي تحوّل هذه الموارد إلى قوة استراتيجية منسقة.
يشير التحليل إلى نقطة بالغة الأهمية في تطور التهديدات: الطائرات المسيّرة. فهي تمثل نقلة نوعية لأنها منخفضة التكلفة، عالية الانتشار، وصعبة الاعتراض ضمن منظومات الدفاع التقليدية.
هذا التحول لا يهدد فقط البنية العسكرية، بل يكشف أيضًا حدود العقيدة الدفاعية القائمة على الصواريخ الباليستية. ومن هنا، فإن المشكلة لم تعد “من يمتلك السلاح”، بل “من يمتلك شبكة الاستجابة الأسرع والأكثر تكاملًا”.
يحتل مضيق هرمز موقعًا مركزيًا في التحليل باعتباره نقطة اختناق استراتيجية لا يمكن تجاوزها بالسياسة وحدها. فحتى في حال التوصل إلى تسويات سياسية، تبقى القدرة الجغرافية على التأثير في الممر البحري قائمة.
وهذا يعني أن أي نظام أمني مستقبلي في الخليج لا يمكن أن يتجاهل البعد البحري، لأن أمن الطاقة العالمي مرتبط مباشرة بهذه النقطة الجغرافية.
يصل التحليل إلى جوهر المعضلة الخليجية: التوتر بين السيادة الوطنية والتكامل الأمني. فكل دولة خليجية تمتلك تعريفًا مختلفًا للتهديد:
هذا التباين يجعل بناء إجماع شامل شبه مستحيل، ويحوّل أي مشروع تكاملي إلى عملية تفاوض دائمة قد تفرغه من مضمونه التنفيذي.
بدلًا من نموذج وحدوي صارم، يشير التحليل ضمنيًا إلى أن المستقبل قد يتجه نحو “تكامل وظيفي مرن” يقوم على:
وهذا النموذج أقرب إلى الواقع السياسي الحالي من أي مشروع وحدوي شامل.
في المحصلة، لا يدور النقاش حول خيارين بسيطين: انسحاب أميركي أو بقاء دائم، بل حول إعادة تعريف من يمتلك القدرة على صياغة قواعد الأمن الإقليمي.
التحليل يخلص إلى أن اللحظة الراهنة ليست لحظة “انسحاب”، بل لحظة إعادة توزيع نفوذ. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تصبح القدرة المؤسسية — لا عدد القواعد أو حجم الترسانة — هي العامل الحاسم في تحديد موقع الخليج داخل أي تسوية مستقبلية مع إيران.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تنسحب الولايات المتحدة؟ بل: من يكتب قواعد ما بعد الانسحاب إن حدث؟

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]

أثار استهداف إيران لمنطقة الفجيرة في دولة الإمارات، يوم الاثنين 4 مايو/أيار، وما ترتب عليه من إصابات واندلاع حرائق في منشآت حيوية مخصصة لتزويد السفن بالوقود، موجة واسعة من التساؤلات حول الدلالات الاستراتيجية لاختيار هذا الموقع تحديدًا، خاصة وأنه تزامن مع تحركات عسكرية أمريكية في محيط مضيق هرمز، إضافة إلى محاولات لمنع سفن حربية من [...]