
في الوقت الذي تنشغل فيه العواصم المغاربية بمعارك سياسية مفتوحة، جاءت موريتانيا لتفجّر مفاجأة أمنية من العيار الثقيل: تفكيك شبكة تهريب كبرى لحبوب الهلوسة كانت على وشك أن تتحول إلى طوفان مدمر يجتاح المجتمع بصمت. العملية الأمنية، التي أعلن عنها مؤخرًا، لم تكن مجرد خبر عابر، بل مؤشر خطير على وجود بنية إجرامية منظمة تنشط بهدوء في الظل، وربما بدعم يتجاوز حدود البلد.
حبوب الهلوسة، بخلاف المخدرات التقليدية، لا تُستخدم فقط للتخدير أو الإدمان، بل تتحول بسرعة إلى أداة تفتيت للعقل والوعي والانضباط الاجتماعي، خاصة حين تستهدف شبابًا يعيش في الهشاشة والفقر والفراغ. وما يزيد من خطورة الأمر، أن الكمية المصادرة كانت هائلة، ما يعني أن السوق المستهدفة لم تكن عشوائية، بل جرى إعدادها بعناية.
هل نحن أمام مشروع تخريب ممنهج؟ أم مجرد شبكة مافيوية تبحث عن الربح؟ المؤشرات تدفعنا نحو الخيار الأول، خصوصًا حين نعلم أن موريتانيا تقع على تقاطع طرق التهريب بين أفريقيا الغربية وشمالها، وتملك حدودًا رخوة وبنية أمنية محدودة الإمكانيات، ما يجعلها أرضًا مثالية لزرع الفوضى الناعمة.
هنا لا يمكن تجاهل سؤال محوري: من وراء هذه الشبكة؟
المعطيات الأولية تُظهر ضلوع جنسيات متعددة، بعضها قادم من دول مجاورة. لكن من السذاجة الاعتقاد أن عملية بهذا الحجم تقف خلفها فقط عصابة محدودة. فالمؤشرات تفيد بأننا أمام شبكة عابرة للحدود، قد تكون مرتبطة بعصابات إقليمية لها صلات نافذة، بل وربما بأجهزة أو جهات سياسية تسعى إلى زعزعة استقرار البلد من الداخل.
في مثل هذه القضايا، يكون المال وسيلة لا غاية، ويكون الهدف الحقيقي هو تفكيك المجتمعات من الداخل، وإشغال السلطات بمعارك داخلية تستهلك مواردها وتضعف حضورها.
المقلق ليس فقط وجود الشبكة، بل صمت بعض الدوائر السياسية والإعلامية عنها، وكأن الأمر تفصيل عابر. في حين أن الكارثة – لو لم تُكشف – كانت ستحرق جيلًا كاملاً من الشباب، وتُغرق البلاد في موجة من العنف، والانهيار الأخلاقي، والجريمة.
إن المجتمع الموريتاني الذي لا يزال يحتفظ ببعض تماسكه الأخلاقي، لن يصمد طويلًا أمام حرب من نوع جديد: حبوب رخيصة، مفعول مدمر، وانتشار صامت.
الكرة الآن في ملعب الدولة. فالمواجهة لا تنتهي بالمصادرة، بل تبدأ منها. المطلوب ليس فقط تفكيك الشبكة، بل تفكيك البنية الحاضنة لها، ومساءلة من سهّل عبورها، ومن صمت عنها، ومن قد يكون حماها.
أما الشعب، فعليه أن يدرك أن المعركة لم تعد فقط مع الفقر أو البطالة أو السياسة، بل مع جيوش من السموم التي تتسلل إلى عقله وأطفاله من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
ختامًا، إذا لم نسمّ الأمور بأسمائها، ونعترف أن هناك من يسعى لتحويل مجتمعاتنا إلى خرائط مشتتة بالعقاقير، فسنبكي غدًا على شباب لم يُقتلوا بالحروب، بل بحبوب…**

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]