
تتحرك مؤشرات الاقتصاد التركي تحت تأثير مباشر لموجة صدمات خارجية متلاحقة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية أعادت تشكيل معادلات الطاقة والتجارة والأسعار في المنطقة. ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير الماضي، لم تعد تداعيات الصراع محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت سريعًا إلى أسواق الطاقة العالمية، لتنعكس بشكل مباشر على اقتصادات تعتمد بدرجات كبيرة على الاستيراد، وفي مقدمتها تركيا.
وقد أدت الضربات التي استهدفت منشآت النفط والغاز في الخليج، وما تبعها من اضطراب في حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة، حيث ارتفع خام برنت من نحو 72 دولارًا للبرميل إلى ما يزيد على 100 دولار خلال أسابيع قليلة، بالتوازي مع صعود أسعار الغاز الطبيعي المسال بشكل ملحوظ، ما أعاد تسعير المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية.
في هذا السياق، تلقى الاقتصاد التركي صدمة مركبة بحكم اعتماده الكبير على استيراد الطاقة، ما انعكس مباشرة على سعر الصرف وتكاليف الإنتاج ومستويات الأسعار. ومع تراجع الليرة واستمرار الضغوط التضخمية، بدأت آثار الأزمة تمتد تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة اليومية، من فواتير الطاقة إلى أسعار الغذاء والنقل والسلع الأساسية.
وتشير معطيات السوق إلى أن تأثير الحرب لم يقتصر على قناة واحدة، بل امتد عبر منظومة مترابطة تشمل كلفة الطاقة، وسعر الصرف، وعجز الحساب الجاري، وصولًا إلى أسعار السلع الأساسية، ما يضع الاقتصاد التركي أمام اختبار معقد يرتبط مساره إلى حد كبير بتطورات المشهد الإقليمي واحتمالات استمرار حالة عدم اليقين.
تكشف المؤشرات أن مركز الضغط في الاقتصاد التركي لا يرتبط بنقص فعلي في الإمدادات بقدر ما يتصل بارتفاع كلفتها. فبحسب تصريحات وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، لم تواجه البلاد اضطرابات مباشرة في تدفق النفط أو الغاز، إذ لا تتجاوز حصة نفط الشرق الأوسط نحو 10% من إجمالي الإمدادات، كما استمر تدفق الغاز الإيراني دون انقطاع. ومع ذلك، يبقى عامل عدم اليقين حاضرًا في ظل بيئة إقليمية متقلبة، خصوصًا مع حقيقة أن كل زيادة بمقدار دولار واحد في سعر برميل النفط ترفع فاتورة الطاقة التركية بنحو 400 مليون دولار سنويًا.
في هذا الإطار تتجلى طبيعة الصدمة في كونها صدمة سعرية بالدرجة الأولى. فتركيا، باعتبارها مستوردًا رئيسيًا للطاقة، تتأثر مباشرة بحركة الأسعار العالمية بغض النظر عن استقرار الكميات. وقد بلغت فاتورة واردات الطاقة نحو 62 مليار دولار في عام 2025، ما يعكس حجم الانكشاف على تقلبات الأسواق الدولية.
وفي المقابل، تبقى التجارة المباشرة مع إيران محدودة نسبيًا، حيث بلغت الصادرات التركية إليها نحو 2.3 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 2.2 مليار دولار خلال الفترة ذاتها، ما يجعل تأثيرها التجاري أقل وزنًا من تأثير الطاقة.
وتبرز تقديرات وزارة الخزانة والمالية مدى حساسية الاقتصاد لهذه المعادلة، إذ بُني البرنامج الاقتصادي لعام 2026 على افتراض متوسط سعر لخام برنت عند 65 دولارًا للبرميل، بينما سجل المتوسط الفعلي منذ بداية العام نحو 77.4 دولارًا، مع مؤشرات في الأسواق الآجلة بلغت 84.1 دولارًا بنهاية مارس الماضي.
ووفق التقديرات التركية، فإن متوسطًا في حدود 85 دولارًا يدفع التضخم للارتفاع بما بين 3.6 و4.4 نقاط مئوية، ويوسع عجز الحساب الجاري بنحو 1.1% إلى 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ويخفض النمو بما يتراوح بين 0.6 و1.5 نقطة مئوية، إضافة إلى زيادة عجز الموازنة بنحو 0.6% من الناتج.
وحتى مع تراجع أسعار النفط لاحقًا إلى حدود 98 دولارًا للبرميل في أبريل/نيسان، فإنها ظلت أعلى بكثير من الفرضيات التي استند إليها البرنامج الاقتصادي، ما يعني أن الاقتصاد التركي ما زال يتعامل مع مستوى مرتفع من الضغط، وإن كان أقل حدة من ذروة الصدمة الأولى، في ظل استمرار ارتباط كلفة الطاقة بمسار التوترات الإقليمية.
أعادت الحرب خلط مسار التضخم في تركيا في لحظة كان الاقتصاد فيها يحاول استعادة التوازن عبر التشديد النقدي والزيادات الضريبية. فقد سجل التضخم السنوي 31.53% في فبراير، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 30.87% في مارس، غير أن هذا التراجع لم يعكس تحسنًا مريحًا بقدر ما كشف انتقال الضغوط إلى مكونات أكثر حساسية في سلة الأسعار.
فقد سجل تضخم الغذاء والمشروبات غير الكحولية 32.36%، وبلغ تضخم النقل 34.35%، فيما وصل تضخم السكن والطاقة إلى 42.06%. كما جاءت أكبر المساهمات في التضخم من الغذاء بواقع 8.25 نقاط مئوية، ثم السكن والطاقة بواقع 6.04 نقاط، ثم النقل بواقع 5.45 نقاط.
هذا التحول دفع البنك المركزي إلى إعادة النظر في تقديراته، إذ بات يتوقع أن يتراوح التضخم بنهاية عام 2026 بين 15% و21%، بينما ذهب صندوق النقد الدولي إلى تقدير متوسط تضخم سنوي يبلغ 28.6% خلال العام، مع خفض توقعات النمو إلى 3.4% بدلًا من 4.2%.
في سوق العملات، ظهرت آثار الصدمة بشكل أوضح. فقد اقترب الدولار في مطلع أبريل من مستوى 44.5 ليرة، ثم لامس مستوى 45 ليرة تقريبًا، في انعكاس مباشر لتزايد الطلب على العملات الصعبة وخروج جزء من التدفقات الأجنبية.
ولمنع تراجع أكبر في الليرة، لجأ البنك المركزي إلى رفع الفائدة إلى 37%، ورفع تكلفة التمويل الليلي إلى نحو 40%، إلى جانب تدخلات مباشرة في سوق النقد الأجنبي ومبادلات الذهب والعملات. ووفق تقديرات دولية، استنزفت هذه العمليات نحو 55 مليار دولار من الاحتياطيات خلال شهر واحد، إضافة إلى تراجع احتياطي الذهب بنحو 120 طنًا خلال أسبوعين، مع بيع المستثمرين الأجانب ما يقارب 6 مليارات دولار من أدوات الدين التركية خلال أربعة أسابيع.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات فبرايرعجزًا في الحساب الجاري بلغ 7.5 مليارات دولار في شهر واحد، مع تراجع صافٍ في الاحتياطيات الرسمية قدره 10.6 مليارات دولار خلال الشهر نفسه.
يمتد أثر الطاقة إلى سلسلة الإنتاج بأكملها، إذ تمثل نحو 70% من كلفة إنتاج الأسمدة، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط والغاز ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء. ومع ارتفاع كلفة النقل والكهرباء والغاز، تتسع دائرة التأثير لتشمل التخزين والطحن والتوزيع، ما يفسر انتقال الضغوط إلى السلع الأساسية.
وتزامن ذلك مع تراجع إنتاج القمح بنحو 6% نتيجة الجفاف، وانكماش القطاع الزراعي بنسبة 8.8%، ما زاد من حساسية السوق.
وفي محاولة لاحتواء هذه الضغوط، رفعت الحكومة الدعم الزراعي بنسبة 27% في عام 2026، مع تقديم دعم مباشر يصل إلى 310 ليرات للدونم.
وفي سوق الغذاء، ارتفع سعر الخبز بنسبة 17%، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز بنحو 25%، ما يعكس انتقال الصدمة إلى المستهلك النهائي.
تعتمد الحكومة التركية على مزيج من الدعم والرقابة وآلية الضريبة المتحركة لامتصاص الصدمة. فقد غطت آلية الوقود نحو 75% من زيادات الأسعار، فيما تكبدت شركة الغاز خسائر كبيرة نتيجة تثبيت الأسعار.
لكن مع استمرار الضغوط، بدأت الحكومة في رفع الأسعار تدريجيًا، مع فرض رقابة على الأسواق وغرامات على المخالفين، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستقرار المالي والضغط الاجتماعي.
يمتلك الاقتصاد التركي عناصر قوة، مثل قاعدة إنتاجية كبيرة، واستثمارات في الطاقة المتجددة، وبدء إنتاج الغاز من البحر الأسود.
لكن في المقابل، تبقى الهشاشة قائمة مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة فوق الفرضيات الحكومية، ما يجعل التضخم وسعر الصرف مرتبطين مباشرة بمسار الحرب.
وفي النهاية، يتحرك الاقتصاد التركي في مساحة دقيقة بين الصمود والضغط، حيث توفر بنيته الإنتاجية قدرة على التكيف، بينما تفرض عليه الصدمات الجيوسياسية حدودًا واضحة على الاستقرار. وبين هذين الاتجاهين، يبقى مستقبل الاقتصاد مرهونًا بتطورات الحرب وأسواق الطاقة العالمية.
لندن – طارق سامي العلي

دخلت الأسواق العالمية مرحلة جديدة من القلق مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث انعكست التطورات العسكرية الأخيرة على حركة أسعار النفط والذهب، في وقت يترقب فيه المستثمرون مصير أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم، مضيق هرمز. ففي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط بعد تقييم الأسواق لتداعيات الهجمات الأمريكية الجديدة على [...]

واصلت دولة الإمارات تعزيز مكانتها كإحدى أبرز الوجهات الاستثمارية في العالم، بعدما سجلت إنجازاً جديداً بدخولها قائمة أكبر عشر دول جذباً للاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025، مدعومة بتدفقات مالية قياسية وثقة متزايدة من المستثمرين العالميين في اقتصادها وسياساتها التنموية. وكشف تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، أن الإمارات استقطبت [...]

تراجعت أسعار النفط العالمية في مستهل تعاملات الاثنين، بعدما اتفقت دول تحالف أوبك+ على زيادة أهداف الإنتاج اعتبارًا من أغسطس المقبل، في خطوة عززت توقعات الأسواق بارتفاع المعروض العالمي، بالتزامن مع تعافي صادرات النفط من دول الخليج عبر مضيق هرمز. وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 24 سنتًا، أو 0.33%، لتسجل 71.88 دولارًا للبرميل، بينما [...]

حذّر بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي من أن الاقتصاد العالمي يواجه مرحلة حساسة تتداخل فيها عدة مخاطر كبرى، أبرزها احتمال حدوث اضطراب أو انهيار في قطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تصاعد الضغوط التضخمية وتفاقم مستويات الديون السيادية حول العالم. وأوضح البنك، الذي يتخذ من مدينة بازل السويسرية مقراً له ويُعرف بـ”بنك البنوك المركزية”، أن [...]

تعيش أسواق الذهب واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا خلال السنوات الأخيرة، بعدما استقرت الأسعار اليوم الثلاثاء قرب أدنى مستوياتها في سبعة أشهر، وسط موجة بيع متواصلة دفعت المعدن النفيس نحو تسجيل أسوأ أداء فصلي منذ الربع الثاني من عام 2013، وفق بيانات ومتابعات الأسواق العالمية التي نقلتها وكالة رويترز. وبينما يحاول الذهب التقاط أنفاسه، تتزايد [...]

أظهرت بيانات أولية صادرة عن شركتي تتبع حركة السفن «كبلر» و«فورتيكسا» أن الإمارات سجلت مستوى قياسيًا في صادرات النفط الخام والمكثفات خلال شهر يونيو، في تطور لافت يأتي بعد فترة قصيرة من إعلان انسحابها من منظمة أوبك. وبحسب البيانات، ارتفعت الصادرات إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل تحركات لتعزيز الاستفادة من الموارد النفطية بعيدًا عن [...]