
ما يجري اليوم بين الصومال الفيدرالية وصوماليلاند يشبه تمامًا لعبة شطرنج طويلة النفس، حيث لا يُحسم الانتصار بعدد القطع بل بحسن توظيف الفرص والتوقيت.
في الشطرنج، أحيانًا لا يكون أمام اللاعب إلا خيار واحد: التضحية بالوزير في مواجهة وزير الخصم، ليس رغبة في الخسارة، بل لأنها الخطوة الوحيدة للبقاء في اللعبة. وهذا بالضبط ما فعلته صوماليلاند في تحركاتها الأخيرة.
تحركات الحكومة الفيدرالية في مقديشو خلال السنوات الأخيرة لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن استراتيجية واضحة لإبقاء صوماليلاند تحت الضغط السياسي والاقتصادي. من نظام التأشيرة الإلكتروني الذي فرض قيودًا على حركة الأشخاص، إلى إيقاف صفقات الموانئ الحيوية، مرورًا بالسيطرة الحصرية على المجال الجوي، وتقييد صادرات المواشي، وصولًا إلى التحكم في تدفقات المساعدات الدولية، كل خطوة بمثابة إغلاق مربع جديد على الرقعة، تضيق المساحة أمام الخصم وتفرض عليه خيارات محدودة.
على الرغم من قوتها الشكلية، تكشف هذه الإجراءات ضعفًا ضمنيًا في استراتيجية مقديشو: السيطرة القصوى لا تضمن الفوز، فالسياسة لا تُحسم بالأعداد فقط، بل بالتوقيت والقدرة على اقتناص الفرص وتحليل المخاطر بدقة.
في هذا السياق، جاء قرار صوماليلاند فتح قنوات مع إسرائيل ليس ترفًا سياسيًا ولا مغامرة محسوبة بالكامل، بل خطوة استراتيجية لإعادة إدخال قطعة قوية إلى رقعة الشطرنج وكسر حالة الحصار السياسي والدبلوماسي المفروضة من مقديشو.
تشبه هذه الخطوة حركة “وزير بالوزير” في الشطرنج: مخاطرة عالية، لكنها أحيانًا تكون الخيار الوحيد للنجاة والمواصلة في اللعبة. صوماليلاند، رغم محدودية اعترافها الدولي، تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تحويل قيودها إلى نفوذ واستغلال الفراغ السياسي لتعزيز موقفها على الساحة الإقليمية والدولية.
قد يبدو أن الصومال الفيدرالية تمتلك اليد العليا: اعتراف دولي واسع، مقعد أممي، دعم إقليمي، وموارد اقتصادية أكبر. لكن الشطرنج السياسي لا يُقاس بالكثرة، بل بالتوقيت والجرأة والقدرة على اقتناص الفرص.
كم من لاعب خسر المباراة رغم أنه متفوق بعدد القطع؟ وكم من ملك سقط بحركة ذكية واحدة؟ التفوق العددي لا يضمن النصر، والفرص الحاسمة غالبًا ما تُستغل من قبل الأقل عددًا لكن الأكثر ذكاءً.
المجال الاقتصادي كان أحد أهم أدوات الضغط من قبل مقديشو. من تقييد حركة المواشي، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في صوماليلاند، إلى فرض قيود على التجارة والتمويل، حاولت الحكومة الفيدرالية جعل كل خطوة اقتصادية تحدد خيارات صوماليلاند.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة مضاعفة: كل محاولة لإضعاف الخصم اقتصاديًا يمكن أن تتحول إلى فرصة دبلوماسية، كما حدث مع فتح قنوات مع إسرائيل، مما أعاد تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية.
الاعتراف الدولي يبقى محور الخلاف. صوماليلاند، رغم إدارتها الذاتية منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم تحصل على اعتراف واسع، بينما تمتلك الصومال الفيدرالية اعترافًا رسميًا ومقاعد دبلوماسية في المنظمات الدولية.
هذا الاختلاف يجعل أي تحرك استراتيجي صوماليلاندي أكثر حساسية، ويجعل القرارات مثل فتح قنوات دبلوماسية جديدة أو الانفتاح على شراكات دولية محاولة لإعادة توازن القوة بين الطرفين، دون الاعتماد على القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها.
في لعبة الشطرنج السياسية، ليس المهم عدد القطع، بل القدرة على حماية الملك واستغلال الفرص في اللحظة المناسبة. صوماليلاند تسعى للحفاظ على استقلاليتها وقطع أي محاولة لاحتواء قرارها السياسي، بينما تحاول مقديشو تقليص حرية تحركها.
كل حركة سياسية يمكن أن تكون فاصلة، سواء في إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، فرض العقوبات الاقتصادية، أو تحريك قوى دولية لدعم طرف على حساب آخر.
كل تحرك سياسي في هذا الصراع يحمل مخاطر كبيرة. فتح علاقات جديدة، تقييد حركة التجارة، فرض القيود الدبلوماسية، كلها حركات لها ثمن. الصومال الفيدرالية تخاطر بفقدان الشرعية الدولية إذا فشلت في إدارة الأزمة بذكاء، بينما صوماليلاند تواجه خطر العزلة الاقتصادية والسياسية إذا لم تحسن استغلال الفرص الجديدة.
في الشطرنج، لا يموت اللاعب عندما يخسر قطعة، بل حين يُحاصر الملك. في القرن الإفريقي، السؤال الحقيقي ليس من يملك القطع أكثر، بل من يستطيع حماية ملكه واستغلال الفرص بذكاء حتى اللحظة الأخيرة.
المواجهة بين الصومال وصوماليلاند ليست مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل قراءة بين السطور لصراع سيادي معقد، تتداخل فيه السياسة، الاقتصاد، الشرعية، الاعتراف الدولي، الجغرافيا، والقدرة على المناورة في اللحظة الحاسمة.
المرحلة المقبلة ستكشف من سينفذ حركة “كش ملك” أولًا، ومن سيبقى في اللعبة حتى النهاية.
المصدر: المستشار الصومالي إلياس قابيل

قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق "خطة مارشال"، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط. الاتفاق الذي وقعه الرئيس [...]

بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق [...]

رغم ما تتمتع به أذربيجان من موقع جغرافي مميز عند تقاطع طرق التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن صعودها كجسر يربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا وأوروبا لم يكن نتاج الجغرافيا وحدها، بل ثمرة استراتيجية متواصلة انتهجتها باكو منذ مطلع الألفية، وضخت خلالها استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية للموانئ والسكك الحديدية والممرات اللوجستية، وأسهمت تلك [...]

لم تعد سوريا تُقرأ فقط من زاوية الحرب والدمار، بل بدأت تُطرح على طاولة الاقتصاد العالمي كسؤال مختلف تمامًا: هل يمكن لبلد أنهكته سنوات الصراع أن يتحول إلى أحد أهم مفاتيح سلاسل التوريد في المنطقة؟ الإجابة تبدأ من الجغرافيا. فعلى الخارطة، تبدو سوريا أقرب ما تكون إلى ممر ذهبي يختصر المسافات والكلفة. شبكة طرق برية [...]

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]