
برحيل رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، تُغلق صفحة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث. الرجل الذي ارتبط اسمه بالقوة العسكرية، والصراعات داخل السلطة، وأحداث حماة الدامية، توفي عن عمر ناهز 88 عاماً في دولة الإمارات، بعيداً عن المشهد السياسي الذي حاول طويلاً أن يعود إليه لاعباً أساسياً.
وفاة رفعت الأسد لا تُقرأ بوصفها حدثاً عائلياً فحسب، بل باعتبارها محطة لإعادة تفكيك دور “الرجل الثاني” في حكم البعث، وصعوده وسقوطه، وما تركه من إرث ثقيل في الذاكرة السورية.
وُلد رفعت الأسد عام 1937 في القرداحة، مهد العائلة الحاكمة، وسار مبكراً في مسار الحزب والجيش. انضم إلى حزب البعث في سن مبكرة، ثم التحق بالمؤسسة العسكرية، حيث صعد سريعاً مستفيداً من شبكة النفوذ التي بناها شقيقه حافظ الأسد داخل “اللجنة العسكرية”.
مع انقلاب عام 1970 الذي أوصل حافظ الأسد إلى الحكم، أصبح رفعت أحد أعمدة النظام الجديد، وتحوّل إلى الذراع الأمنية والعسكرية الأشد قسوة، ما مهّد لتأسيس دوره الأخطر في تاريخ سوريا الحديث.
في مطلع السبعينيات، أُنشئت “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد، لتكون قوة عسكرية خاصة تتبع له مباشرة، وتتمتع بتسليح ثقيل ونفوذ واسع خارج بنية الجيش النظامي. لم تكن هذه القوة مجرد وحدة أمنية، بل تحولت إلى ما يشبه “دولة داخل الدولة”، مهمتها حماية النظام وقمع أي تهديد داخلي محتمل.

في تلك المرحلة، بات رفعت يُعرف بأنه “الرجل الثاني” في سوريا، وصاحب القرار الأمني الأقوى، وبدأ اسمه يرتبط بالخوف والبطش داخل البلاد.
في فبراير 1982، دخل اسم رفعت الأسد التاريخ من أوسع أبوابه، بعد قيادته القوات التي قمعت تمرد جماعة الإخوان المسلمين في مدينة حماة. العملية العسكرية التي استمرت أسابيع، وأسفرت عن مقتل الآلاف من المدنيين وتدمير أجزاء واسعة من المدينة، شكّلت واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ سوريا الحديث.
رغم نفيه المتكرر لمسؤوليته المباشرة، ظل رفعت يُلقّب بـ“جزّار حماة”، وبقي اسمه مرتبطاً بتلك الأحداث في التقارير الحقوقية والذاكرة الشعبية، وصولاً إلى فتح ملفات قضائية بحقه في أوروبا بعد عقود.
مع تدهور صحة حافظ الأسد في أوائل الثمانينيات، اعتقد رفعت أن اللحظة قد حانت للانقضاض على السلطة. في عام 1984، نشر قواته في دمشق، وسيطر على مواقع استراتيجية، وبدت البلاد على شفا حرب داخلية بين جناحين من النظام نفسه.

لكن الحسابات أخطأت. تعافى حافظ الأسد، واستعاد زمام المبادرة، ليُفشل المحاولة ويُجرد رفعت من قوته تدريجياً، قبل أن يُدفع إلى المنفى تحت غطاء سياسي، مقابل إنهاء طموحه العسكري.
غادر رفعت الأسد سوريا محمّلاً بثروة ضخمة، قُدّرت بمئات ملايين الدولارات، وأقام سنوات طويلة بين فرنسا وإسبانيا. هناك، تحوّل من جنرال نافذ إلى رجل أعمال مثير للجدل، قبل أن تلاحقه القضايا القضائية بتهم الفساد وغسيل الأموال.
أصدرت محاكم فرنسية وإسبانية وبريطانية أحكاماً بمصادرة ممتلكاته وتجميد أصوله، معتبرة أن ثروته جُمعت من المال العام السوري، في واحدة من أكبر قضايا “الأموال غير المشروعة” المرتبطة بنظام حكم عربي.
بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، دخل رفعت في صراع صامت مع ابن أخيه بشار. أعلن نفسه الوريث “الشرعي”، ثم عاد لاحقاً ليعارض حكم بشار خلال الثورة السورية، قبل أن يعود ويدعمه بشكل مفاجئ في انتخابات 2021، في مشهد عكس براغماتيته السياسية أكثر من أي قناعة.
سمح له بشار بالعودة إلى سوريا عام 2021، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لإنهاء ملف قضائي أوروبي محرج، لكن رفعت لم يستعد أي نفوذ حقيقي، وبقي وجوده رمزياً حتى مغادرته مجدداً.
قبل وفاته، أعلنت سويسرا نيتها محاكمة رفعت الأسد بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية أحداث حماة. لكن الموت سبَق المحاكمة، ليغلق الباب أمام محاسبة قضائية كان ينتظرها كثير من السوريين، ويترك سؤال العدالة مفتوحاً بلا إجابة.
برحيل رفعت الأسد، يغيب أحد أكثر وجوه النظام السوري تعقيداً وقسوة. رجل جمع بين السلطة المطلقة، والطموح الانقلابي، والثروة المثيرة للجدل، وانتهى منفياً وملاحقاً قضائياً، دون أن ينجح في تبييض صفحته أو تغيير صورته في الوعي العام.

قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق "خطة مارشال"، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط. الاتفاق الذي وقعه الرئيس [...]

بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق [...]

رغم ما تتمتع به أذربيجان من موقع جغرافي مميز عند تقاطع طرق التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن صعودها كجسر يربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا وأوروبا لم يكن نتاج الجغرافيا وحدها، بل ثمرة استراتيجية متواصلة انتهجتها باكو منذ مطلع الألفية، وضخت خلالها استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية للموانئ والسكك الحديدية والممرات اللوجستية، وأسهمت تلك [...]

لم تعد سوريا تُقرأ فقط من زاوية الحرب والدمار، بل بدأت تُطرح على طاولة الاقتصاد العالمي كسؤال مختلف تمامًا: هل يمكن لبلد أنهكته سنوات الصراع أن يتحول إلى أحد أهم مفاتيح سلاسل التوريد في المنطقة؟ الإجابة تبدأ من الجغرافيا. فعلى الخارطة، تبدو سوريا أقرب ما تكون إلى ممر ذهبي يختصر المسافات والكلفة. شبكة طرق برية [...]

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]