
أحمد سالم أعمر حداد
يعيش العقل الجمعي العالمي اليوم تحت وطأة تنويم مغناطيسي استراتيجي، حيث تضخ الماكينات الإعلامية والبحثية روايات متكررة عن صراعات أيديولوجية، وحروب دينية، ونزاعات نووية. إلا أن القراءة العميقة لما وراء الستار تكشف أن العالم لا يعيشه عصر “صدام الحضارات”، بل عصر هندسة الابتزاز الكوني. فالأحداث في المثلث الملتهب بين واشنطن وطهران وتل أبيب، وصولاً إلى جليد غرينلاند وسواحل فنزويلا، ليست سوى فصول من كتاب واحد عنوانه: السيطرة المطلقة على موارد الطاقة وممرات القرن الحادي والعشرين.
لفهم هذا اللغز، يجب أولاً تحطيم أسطورة العداء الوجودي بين إيران وإسرائيل. من منظور السياسات الأمريكية الكلية، يمثل هذان الكيانان أجساماً غريبة في المحيط العربي؛ عزلة عرقية ولغوية وأيديولوجية تجعل منهما الأداتين المثاليّتين لممارسة دور “كلاب الحراسة المتشاكسة”.
إسرائيل، بوظيفتها التقليدية، تمنع أي توحد عربي قومي أو نهضة صناعية مستقلة. أما إيران الثورية، فقد أُلبست رداء البعبع الطائفي لتقوم بالمهمة الأهم: إبقاء كتلة الثروة الهائلة في الخليج العربي تحت حالة الخوف الدائم، وهو الخوف الذي يشرعن عقود الحماية المليارية، ويوفر الغطاء القانوني والأخلاقي لبقاء القواعد العسكرية الأمريكية جاثمة فوق صدر المنطقة. إن سقوط النظام الإيراني غداً سيكون كابوساً استراتيجياً لواشنطن؛ إذ سيفكك مبرر وجود أساطيلها، وينهي حقبة الابتزاز المقدس التي تضمن تدفق السلاح والنفط وفق الإيقاع الأمريكي.
في هذا المختبر، يبرز الملف النووي الإيراني كأعظم أداة ضبط إيقاع في التاريخ الحديث. فالولايات المتحدة لا تريد لإيران امتلاك القنبلة فعلياً، لأنها ستخلق ردعاً متبادلاً يخرج عن سيطرتها، ولا تريد تدمير البرنامج النووي تماماً، لأنه سيقتل الوحش الذي تخوف به الآخرين. إن حالة إيران على حافة النووي هي الوضع المثالي لإدارة صراعات الطاقة، فهي تمنح مبرراً لضربات محدودة لتقليم الأظافر عند الحاجة، وفي الوقت ذاته تبقي جيران إيران في حاجة ماسة إلى المظلة النووية الأمريكية.
يتساءل الكثيرون عن ابن الشاه وطموحاته. الحقيقة الصادمة أن واشنطن والقوى الدولية غير مقتنعة بعودة الملكية؛ فالنظام الملكي قد يجلب استقراراً قومياً فارسياً ويطمح لنهضة مستقلة، بينما نظام الملالي الحالي يوفر لواشنطن ورقة العدو المثالي القابل للتسويق دولياً. ابن الشاه ليس إلا بطاقة تفاوض، يُسحب لتحسين شروط “الشراكة الخفية” مع طهران.
وعلى المقلب الآخر، تظهر روسيا والصين وتركيا ليس كحلفاء وجوديين لإيران، بل كشركاء انتهازيين؛ الصين تريد نفطاً رخيصاً، وروسيا تستخدم طهران كأداة لإزعاج أمريكا. لكن عند لحظة المقايضة الكبرى، لن تتجرأ أي من هذه القوى على مواجهة أمريكا مباشرة لحماية النظام الإيراني، الذي يظل في النهاية وكيلًا وظيفيًا يعرف حدوده جيدًا.
لا يمكن فصل أحداث غزة منذ أكتوبر 2023 عن هذا السياق الكلي. غزة ليست مجرد بقعة جغرافية مكتظة، بل مفتاح حقل الغاز الطبيعي “غزة مارين”، العقدة التي يجب تأمينها ليمر “ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا”. إيران لا تدعم القضية الفلسطينية حباً في التحرر، بل تستخدمها درعاً أخلاقياً لتأمين استقرارها الداخلي وتمددها الإقليمي.
إن 7 أكتوبر المفبركة بإتقان كانت الصدمة اللازمة لإعادة رسم خرائط الموارد، ومنح أمريكا السيطرة المباشرة على شرق المتوسط، وتأمين الممرات البديلة لقناة السويس التي باتت تحت رحمة التجاذبات الجيوسياسية.
السياسة الأمريكية الكلية لا تؤمن بالصدف. هناك خيط ناظم يربط بين إسقاط الأنظمة أو محاصرتها في فنزويلا (خزان النفط الأكبر)، والاهتمام المفاجئ بشراء غرينلاند (خزان المعادن النادرة وطريق القطب الشمالي)، وحروب الشرق الأوسط. إنها استراتيجية الحصار الطاقي؛ حيث تسعى واشنطن للسيطرة على كل صمامات الحياة في الكوكب. غزة تؤمن الغاز والممرات، فنزويلا تؤمن الاحتياطي التقليدي، وغرينلاند تؤمن موارد المستقبل. وفي هذا المشهد الكبير، تبقى إيران القفل الذي تمتلك واشنطن مفتاحه، تستخدمه لإغلاق أو فتح أبواب المنطقة حسب مصالح شركاتها الكبرى.
ما نراه اليوم ليس صراعاً بين حق وباطل، بل صراع بين مفترس يمتلك الأدوات التقنية والمالية، ووكلاء يقومون بأدوار مرسومة بدقة. إن سقوط النظام الإيراني هو القرار الذي لم تتخذه واشنطن بعد، ليس حباً في طهران، بل خوفاً من فقدان أداة الابتزاز الأكثر فعالية في تاريخها. على شعوب المنطقة والمفكرين إدراك أن الوعي الفكري العميق هو المخرج الوحيد. كشف هذه المسرحيات الجيوسياسية هو الخطوة الأولى لاستعادة القرار والتحرر من تبعية “الابتزاز المقدس” الذي تفرضه واشنطن عبر إدارة الفوضى وتجارة الخوف.

عثمان ميرغني يخطئ من يظن أن إشعال أو تأجيج الحروب في بيوت الجيران يمكن أن يتمّ بلا تكلفة. فالنار، حين تُؤجَّج، لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بين من أشعلها ومن جاورها. وما يجري في السودان اليوم يقدّم مثالاً صارخاً على خطورة التدخلات الخارجية، وترجمة عملية للتحذيرات التي انطلقت منذ بدايات الحرب بأنها لن تقف عند [...]

سمير عطا الله ليس من السهل إعادة ترميم سوريا. فالضرر الذي لحق بنسيجها الأساسي لم يبدأ بحرب البراميل التي امتدت أكثر من عقد، بل منذ بدء الصراع العابث على هويتها منذ قيام الوحدة مع مصر ثم الانفصال الصبياني، ثم مسلسل الانقلابات الرديء، ثم احتكار «البعث» للسلطة على الطريقة السوفياتية التي كانت نموذج المرحلة آنذاك. خلخلت [...]

مشاري الذايدي من يتذكّر المشهد الخالد للفنان المصري محمود عبد العزيز في فيلم «الكيت كات» وهو يجسّد دور الرجل الضرير (الشيخ حسني) الذي يتميّز بالذكاء وسرعة البديهة، وسعة الحيلة، في مشهد عزاء «عم مجاهد» بائع الفول؟ في هذا المشهد، وبعد أن انتهى المقرئ من تلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم، نسي مسؤول الصوت، الميكروفون في [...]

رفيق خوري لا شيء يغطي الذهاب إلى الحد الأقصى في سياسات "عالسكين يا بطيخ". لا الشعارات الكبيرة، ولا الألاعيب الصغيرة. ومن المفارقات أن يتشدد "الثنائي الشيعي" في التمسك بالسلاح بمقدار ما يخسر الحجج والمبررات لدور السلاح. فما بقي في ترسانة "حزب الله" الخطابية دفاعًا عن ترسانته العسكرية هو العودة إلى شعاره في "غزوة" بیروت والجبل [...]

مشاري الذايدي بالنسبة للقوي، فإنّه لا يجدُ اعوجاجاً في منطق الأمور، إنْ هو ترجمَ هذه القوةَ إلى واقع مُجسّد. أمّا بالنسبة لمن هو أقلّ منه قوة – ولا أقول الضعيف – فإنَّ ذلك من دلائل الجنَف وانحرافِ الدنيا وفسادِ الزَّمان وخراب الاجتماع البشري، ولو انعكست الآية، فصار المتضجّرُ، في موقع الأقوى، لاستعمل منطقه نفسَه وتفلسف [...]

من تقلّبات الزمان هل من أمر بديهي أكثر من أن يكون للدولة الواحدة سلطة واحدة، وجيش واحد، واستراتيجية واحدة؟ وهل من دولة في العالم المعاصر، أو في أي عالم، لديها سلطتان وجيشان واستراتيجيتان مختلفتان في آنٍ معاً؟… مع ذلك، هذه المسألة الجليّة هي المسألة الكبرى التي لا حلّ لها يُرجى في «بلاد الأرز». يطالعك ليل [...]