الرئيسية/التحليلات/كسر الجمود مع واشنطن: لماذا تتجه طهران إلى موسكو؟
التحليلات

كسر الجمود مع واشنطن: لماذا تتجه طهران إلى موسكو؟

في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة.

عباس عراقجي يخاطب مؤتمر نزع السلاح في جنيف خلال المحادثات النووية مع أمريكا
📸عباس عراقجي يخاطب مؤتمر نزع السلاح في جنيف خلال المحادثات النووية مع أمريكا
اليوم ميديا

في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة.

فبعد تعثر الجولة الثانية من المفاوضات التي كان من المفترض أن تستضيفها إسلام آباد، وظهور فجوة واضحة في الرؤى بين طهران وواشنطن، بدا أن إيران تبحث عن مخرج مختلف، يتجاوز الوساطات التقليدية إلى شراكة أكثر تأثيرًا. وهنا برزت موسكو كخيار لا يمكن تجاهله، ليس فقط باعتبارها وسيطًا محتملًا، بل كشريك يمتلك أدوات ضغط وقدرة على التأثير في موازين القوى.

التحرك الإيراني جاء أيضًا في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، نتيجة العقوبات الأمريكية التي طالت قطاعات حيوية، إلى جانب التوترات المرتبطة بالممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، والتلويح بورقة باب المندب، وهي عوامل تضيف بعدًا اقتصاديًا عالميًا لأي تصعيد محتمل. في هذا السياق، لم يعد الملف الإيراني شأنًا ثنائيًا، بل قضية تتداخل فيها حسابات الطاقة والتجارة الدولية.

لكن لماذا موسكو تحديدًا؟ الإجابة تكمن في طبيعة العلاقة المتنامية بين البلدين، والتي لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي، بل امتدت إلى مجالات أوسع تشمل الطاقة والتعاون العسكري. هذه الشراكة، التي تعززت في ظل الضغوط الغربية المشتركة، تمنح روسيا موقعًا فريدًا يمكنها من لعب دور يتجاوز “ناقل الرسائل” إلى طرف قادر على التأثير الحقيقي.

ورغم أن موسكو تبنّت خلال الفترة الماضية نهجًا حذرًا في التعاطي مع الأزمة، فإنها لم تُخفِ استعدادها للمساهمة في جهود التهدئة، خاصة في ظل إدراكها لحجم التداعيات الاقتصادية التي قد تنجم عن استمرار التصعيد. فاستقرار أسواق الطاقة، الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الروسي، يبقى عاملًا حاسمًا في حسابات الكرملين.

في المقابل، تظل المقارنة مع باكستان حاضرة. فإسلام آباد، رغم ما تمتلكه من علاقات متوازنة مع الأطراف المختلفة، تفتقر إلى الوزن الدولي الذي تتمتع به موسكو. صحيح أن موقعها الجغرافي وقنواتها المفتوحة يمنحانها دورًا لوجستيًا مهمًا، لكنها تظل محدودة القدرة على تقديم ضمانات سياسية أو فرض مسارات تفاوضية معقدة.

أما روسيا، فتمتلك سجلًا طويلًا في إدارة الأزمات الدولية، ولعبت دورًا محوريًا في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، ما يمنحها فهمًا عميقًا لطبيعة الخلافات القائمة. إلى جانب ذلك، تستند إلى موقعها كقوة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، ما يتيح لها التأثير في مسار أي اتفاق محتمل، سواء عبر دعمه أو تعطيله.

ورغم هذه المقومات، لا يبدو الطريق أمام الوساطة الروسية مفروشًا بالسهولة. فمستوى الثقة بين موسكو وواشنطن تراجع بشكل ملحوظ، خاصة بعد التوترات التي شهدتها العلاقات بينهما في السنوات الأخيرة. هذا التراجع يطرح تساؤلات حول مدى قبول الولايات المتحدة بدور روسي محوري في إدارة هذا الملف.

كما أن العلاقة الوثيقة بين موسكو وطهران قد تُستخدم كحجة للتشكيك في حيادية الوسيط، ما يضع روسيا أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على شراكتها مع إيران دون أن تفقد ثقة واشنطن؟ هذا التوازن الصعب قد يكون التحدي الأكبر أمام أي دور وساطة روسي.

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال المخاوف الأمريكية من تنامي النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وهو عامل قد يدفع بعض دوائر القرار في واشنطن إلى التحفظ على منح موسكو مساحة أوسع في هذا الملف، حتى وإن كانت الحاجة إلى حل دبلوماسي قائمة.

ومع ذلك، لا تزال فرص التحرك قائمة. فقد تنجح روسيا في تحقيق اختراقات جزئية، مثل خفض التصعيد أو إعادة فتح قنوات الحوار، وهي خطوات قد تمهد الطريق لاحقًا لتفاهمات أوسع. لكن الوصول إلى اتفاق شامل سيظل مرهونًا بإرادة سياسية من الطرفين، تتجاوز حسابات الوساطة وحدها.

في النهاية، تبدو خطوة إيران نحو موسكو محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة، في وقت لم تعد فيه الأدوات التقليدية كافية. وبين طموحات التهدئة وتعقيدات الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع روسيا تحويل هذا التحرك إلى فرصة حقيقية، أم أن الجمود سيستمر في فرض كلمته على المشهد؟

"
“في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة. فبعد”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

دخلت الحرب اليمنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اتساع العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، في وقت انتقلت فيه المواجهة من جبهات الساحل الغربي وباب المندب إلى استهداف مواقع في صنعاء وصعدة. وأعلنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر بدء ما وصفته بـ«هجوم استراتيجي» باتجاه

لندن - موسى مهدي
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

لم يكن اجتماع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية، الأحد، لقاءً عابرًا في توقيت عادي. فقد جاء بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات: قتال متجدد في تيغراي، قطيعة دبلوماسية مع إريتريا، توتر متصاعد مع مصر، وخلافات مستمرة حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر. لكن السؤال الأهم

لندن - موسى مهدي
الاثنين، ٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

تتجه العلاقات بين الهند والولايات المتحدة إلى توسيع شراكتها الاستراتيجية، مدفوعة بتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وفي مقدمتها تنامي نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا التقارب لا يعني أن نيودلهي تستعد للانضمام إلى تحالف تقوده واشنطن؛ فالهند تسعى إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها الدولية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها وتجنب الارتهان لأي قوة

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة