
الشارقة – محمد فال معاوية
على مدى أكثر من أربعة عقود، لم تتعامل الشارقة مع الثقافة باعتبارها نشاطًا موسميًا أو واجهة احتفالية، بل بنت حولها مؤسسات وفعاليات ومشروعات امتدت من الكتاب والمسرح إلى المتاحف والفنون والتراث، قبل أن تتوسع إلى فضاء عربي ودولي أوسع.
ومن هنا يمكن قراءة التجربة من زاوية مختلفة: كيف يمكن لمشروع ثقافي طويل الأمد أن يتحول، بصورة تدريجية، إلى أحد أدوات الحضور والتأثير خارج الحدود؟
الفكرة الأساسية في تجربة الشارقة لا تبدأ من الفعاليات نفسها، بل من بناء المؤسسات التي تجعل الفعالية قابلة للاستمرار والتراكم. وهذه النقطة تبدو واضحة منذ تأسيس «الدائرة الثقافية» عام 1981، وصولًا إلى شبكة واسعة من المؤسسات والمهرجانات والمعارض والمشروعات الثقافية التي تشكلت لاحقًا.
وبحسب دائرة الثقافة في الشارقة، أصدر الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، المرسوم الأميري رقم 20 في 30 أبريل 1981 بإنشاء «الدائرة الثقافية»، التي عُرفت لاحقًا باسم «دائرة الثقافة والإعلام»، قبل أن يُعاد تسميتها «دائرة الثقافة» بموجب المرسوم الأميري رقم 13 لعام 2017. وتربط الدائرة هذا المسار برؤية تقوم على الانتقال من الاستثمار في البنية المادية وحدها إلى الاستثمار في الإنسان والثقافة.
هذه البداية تفسر جانبًا مهمًا من التجربة: الثقافة لم تُبنَ باعتبارها مجموعة من المناسبات المنفصلة، وإنما كمنظومة مؤسسية قادرة على إنتاج مناسبات جديدة، واستقطاب كتّاب وفنانين ومثقفين، وتكوين جمهور، ثم إعادة تدوير هذا التفاعل في مؤسسات ومشروعات أخرى.
وقد لخّص الشيخ سلطان القاسمي جانبًا من هذه الرؤية بقوله: «قوة الثقافة دائماً أعلى من ثقافة القوة في التأثير في وجدان الأمم وذاكرتها». وفي السياق نفسه، يؤكد في رؤيته الثقافية أن العلماء والأدباء والفنانين والمؤرخين يمكن أن يكونوا جزءًا من الصورة التي تبقى في ذاكرة الأمم.
عندما تصبح الثقافة مؤسسة، تتحول الفعالية من حدث ينتهي بانتهاء موعده إلى نقطة اتصال يمكن أن تنتج علاقات جديدة.
هذا ما يمكن ملاحظته في نموذج الشارقة؛ فالمعرض، والمهرجان، والمنتدى، والمسرح، والكتاب، ليست كيانات منفصلة بالضرورة، بل أجزاء من منظومة أوسع تتقاطع فيها المعرفة والفن والنشر والتراث.
ويظهر ذلك بوضوح في مسار معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي أصبح أحد أبرز منصات التفاعل بين الناشرين والكتاب والقراء في المنطقة. كما امتدت التجربة إلى المسرح والشعر والفنون والتراث، بما جعل الإمارة تستقبل سنويًا طيفًا واسعًا من الفاعلين في المجال الثقافي.
وهنا تظهر إحدى خصائص القوة الناعمة في معناها التحليلي: التأثير لا يأتي فقط من الرسائل المباشرة، وإنما من القدرة على جعل المكان نقطة التقاء دائمة للآخرين.
فالكاتب الذي يشارك في فعالية، والناشر الذي يدخل سوقًا جديدة، والفنان الذي يعرض تجربته، والباحث الذي يشارك في مؤتمر، جميعهم يصبحون جزءًا من شبكة علاقات تتجاوز لحظة الحدث نفسه.
لكن تحويل هذا التفاعل إلى «تأثير» بالمعنى السياسي أو الاجتماعي المباشر يحتاج إلى قياس مستقل، وهو أمر لا يمكن افتراضه لمجرد ارتفاع عدد الفعاليات أو المشاركين.
الكتاب يحتل موقعًا مركزيًا في المشروع الثقافي للشارقة، ليس باعتباره منتجًا ثقافيًا فقط، وإنما باعتباره وسيلة لعبور الأفكار بين المجتمعات.
وكان اختيار الشارقة العاصمة العالمية للكتاب لعام 2019 من أبرز المحطات التي منحت المشروع اعترافًا دوليًا. ووفق اليونسكو، جاء الاختيار بناءً على توصية لجنة استشارية، بعد تقييم ملف ترشيح الشارقة وطبيعة البرنامج المقترح، الذي وصفته المنظمة بأنه مبتكر وشامل وقائم على المجتمع المحلي.
وكان برنامج عام 2019 قائمًا على محاور شملت القراءة والتراث والنشر وإشراك المجتمع وتمكين الأطفال والشباب، إضافة إلى مبادرات استهدفت توسيع الوصول إلى الكتاب والمعرفة.
وتشير اليونسكو إلى أن البرنامج تضمن مبادرات موجهة إلى فئات مختلفة من المجتمع، بينها ورش لإنتاج الكتب بطريقة برايل، وفعاليات للشعراء الشباب، وبرامج تستهدف المجتمع متعدد الثقافات.
وهنا تكمن دلالة مختلفة للقب: الاعتراف الدولي لم يكن قائمًا على وجود معرض واحد أو مؤسسة واحدة، بل على تقديم برنامج متكامل يمكن قياس عناصره ومتابعة أهدافه.
قبل لقب العاصمة العالمية للكتاب، كانت الشارقة قد حصلت على اعترافات ثقافية أخرى.
ففي عام 1998 اختيرت الشارقة عاصمة للثقافة العربية، كما حظيت بلقب عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2014. وتوضح مصادر اليونسكو أن هذه المحطات سبقت بسنوات اختيار الإمارة عاصمة عالمية للكتاب في 2019.
المسار هنا مهم أكثر من كل لقب منفرد.
فالاعتراف الثقافي لا يصنع المشروع من الصفر، وإنما يأتي غالبًا بعد تراكم مؤسسات وفعاليات وبرامج تستطيع المدينة من خلالها تقديم نفسها باعتبارها مساحة نشطة للثقافة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة التجربة وفق سلسلة متدرجة: المؤسسة → الفعالية → الشبكة → الاعتراف → الأثر.
لكن هذه السلسلة لا تعني أن كل خطوة تؤدي تلقائيًا إلى التالية؛ فالاعتراف الدولي شيء، وتحوله إلى تأثير طويل المدى شيء آخر يحتاج إلى استمرار واستثمار وقياس.
غالبًا ما تُستخدم عبارة «الدبلوماسية الثقافية» لوصف قدرة الثقافة على فتح قنوات تواصل بين المجتمعات.
وفي حالة الشارقة، فإن اتساع المشاركة الدولية في الفعاليات الثقافية يمنح الإمارة مساحة للحوار مع ثقافات مختلفة، من خلال اللغة والأدب والفن والنشر والتراث.
لكن الفرق مهم بين الدبلوماسية الثقافية بوصفها سياسة مقصودة، وبين الأثر الثقافي الذي يمكن أن ينشأ بصورة غير مباشرة من نشاط ثقافي واسع.
لذلك، فإن قراءة تجربة الشارقة باعتبارها نموذجًا للقوة الناعمة يجب أن تظل قراءة تحليلية، لا حكمًا نهائيًا على نتائجها السياسية.
ما يمكن توثيقه هو اتساع البنية الثقافية، واستمرار البرامج، وتزايد الحضور الدولي، وحصول الإمارة على اعترافات ثقافية دولية. أما مقدار تحول ذلك كله إلى نفوذ أو تأثير سياسي مباشر، فهو سؤال يحتاج إلى مؤشرات أخرى تتجاوز عدد المهرجانات والجوائز.
المسرح يمثل جانبًا آخر من التجربة. فوفق دائرة الثقافة في الشارقة، بدأت فعاليات مهرجان الشارقة للشعر الشعبي عام 1983، مع بدايات تأسيس الدائرة الثقافية، قبل أن يستأنف المهرجان نشاطه لاحقًا ويواصل مساره ضمن منظومة الفعاليات الثقافية في الإمارة. كما شكل المسرح أحد المسارات الرئيسية في المشروع الثقافي للشارقة، مع فعاليات ومهرجانات استقطبت مسرحيين عربًا.
هذه الاستمرارية مهمة؛ لأن الثقافة لا تبني حضورها من حدث واحد، بل من قدرة المؤسسة على إنتاج دورة جديدة بعد أخرى، وإبقاء الجمهور والمبدعين داخل دائرة التفاعل.
ومن هذه الزاوية، يصبح المسرح أكثر من عرض فني؛ إنه مساحة للقاء بين تجارب مختلفة، وتبادل الأفكار، وإعادة تقديم الثقافة العربية أمام جمهور عربي ودولي.
هنا تظهر المسألة الأكثر تعقيدًا. هل يمكن قياس نجاح المشروع الثقافي بعدد الكتب التي نُشرت؟ أم بعدد الفعاليات؟ أم بحجم الحضور؟ أم بعدد الدول المشاركة؟ أم باستمرار المؤسسات؟
كل هذه المؤشرات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الأثر.
الأثر الثقافي الحقيقي أكثر بطئًا من دورة الأخبار. وقد يظهر في تغير صورة مدينة، أو في بناء علاقة طويلة الأمد مع مؤسسة ثقافية، أو في اكتساب كتاب أو فنانين لجمهور جديد، أو في استمرار مشروع ثقافي بعد انتهاء المناسبة التي أطلقته.
ولهذا، فإن أحد أهم عناصر تجربة الشارقة هو التراكم. فالفعالية لا تقف وحدها، والمؤسسة لا تعمل بمعزل عن غيرها، والاعتراف الدولي يأتي ضمن مسار أطول.
وهذه نقطة تفسر لماذا يمكن لمشروع ثقافي أن يتحول بمرور الزمن إلى جزء من هوية المدينة نفسها.
لكن البيئة التي نجحت فيها النماذج الثقافية التقليدية تتغير بسرعة. فالكتاب لم يعد مرتبطًا بالورق وحده، والمسرح ينافس على اهتمام جمهور يعيش جزءًا كبيرًا من وقته على المنصات الرقمية، بينما أصبحت صناعة المحتوى قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص دون الحاجة إلى المرور بالمؤسسات الثقافية التقليدية.
وهذا يفرض سؤالًا جديدًا على أي مشروع ثقافي طويل الأمد: هل تكفي البنية المؤسسية التقليدية في عصر المنصات؟
الشارقة بدأت بالفعل في توسيع حضورها الرقمي والمعرفي، لكن التحدي الأكبر لن يكون مجرد نقل الفعاليات إلى الإنترنت، بل تحويل الثقافة إلى محتوى رقمي قادر على المنافسة من حيث السرعة والجاذبية والانتشار، دون أن يفقد العمق الذي قامت عليه التجربة.
وهنا تتغير معادلة القوة الناعمة نفسها.
في الماضي، كان امتلاك مؤسسة ثقافية ومهرجان دولي وناشرين كبار يمنح المدينة مساحة واضحة في المشهد الثقافي. أما اليوم، فإن خوارزميات المنصات قادرة على إعادة توزيع الانتباه في ساعات، وربما جعل مشروع صغير أكثر انتشارًا من مؤسسة كبيرة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة المؤسسات الثقافية على الجمع بين المكان والحدث والكتاب والمنصة الرقمية في منظومة واحدة.
الإجابة لا تبدو في كثرة الفعاليات وحدها. الاستمرارية تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، ومؤسسات، وتمويل، وتراكم معرفي، وقدرة على إنتاج أجيال جديدة من الكتاب والفنانين والباحثين والجمهور.
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في تجربة الشارقة: أنها لم تبنِ حضورها الثقافي باعتباره حملة مؤقتة، بل جعلت الثقافة جزءًا من مشروع طويل المدى.
وتقول دائرة الثقافة في الشارقة إن البنية الثقافية في الإمارة تطورت على مدى أربعة عقود لتشمل الجامعات والمتاحف وصالات العرض ومراكز إعداد الأطفال والشباب ومؤسسات ثقافية وفنية، إلى جانب فعاليات محلية وعربية على مدار العام.
وبذلك يصبح السؤال أقل ارتباطًا بعدد الفعاليات وأكثر ارتباطًا بقدرة المنظومة على إنتاج نفسها باستمرار.
من الشارقة إلى العالم، تبدو التجربة أقرب إلى بناء جسر ثقافي طويل لا إلى إطلاق حملة واحدة.
بدأ الجسر من مؤسسة رسمية عام 1981، ثم اتسع عبر الكتاب والمسرح والفنون والتراث والنشر، قبل أن يحصل المشروع على اعترافات عربية ودولية، من بينها اختيار الشارقة عاصمة للثقافة العربية عام 1998، وعاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2014، ثم عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019.
لكن القيمة الأهم ليست في الألقاب نفسها. إنها في القدرة على تحويل الثقافة من فعالية إلى منظومة، ومن منظومة إلى شبكة، ومن الشبكة إلى حضور مستمر.
وهنا يمكن فهم القوة الناعمة لا باعتبارها شعارًا، بل باعتبارها نتيجة محتملة لتراكم طويل من المؤسسات والعلاقات والمعرفة والصورة الثقافية.
وفي عالم تتنافس فيه المدن والدول على جذب المواهب والأفكار والاستثمارات والانتباه، قد تصبح الثقافة إحدى أدوات بناء المكانة، بشرط ألا تُقاس فقط بعدد المناسبات، بل بما تتركه تلك المناسبات من معرفة وعلاقات وذاكرة.
وهذا هو الاختبار الذي ستواجهه الشارقة، كما تواجهه سائر المشاريع الثقافية الكبرى: هل تستطيع تحويل إرثها المؤسسي إلى تأثير رقمي ومعرفي جديد، من دون أن تفقد العمق الذي صنع حضورها خلال العقود الماضية؟
ربما هنا تحديدًا تبدأ المرحلة الثانية من الجسر.

خلف صورة راسل كرو التي رسخها فيلم «غلادياتور» وأدواره السينمائية الكبرى، تختبئ علاقة طويلة بالموسيقى لم تكن بالنسبة إلى النجم النيوزيلندي مجرد هواية جانبية. وفي مهرجان فينيسيا السينمائي هذا العام، عاد كرو إلى هذه العلاقة من خلال فيلمه الوثائقي الجديد «What Love Builds»، الذي يروي جانبًا من حياته الموسيقية الممتدة على مدى عقود. وعُرض الفيلم [...]

كشفت بعثة أثرية مصرية إسبانية مشتركة عن مقبرة تعود إلى أواخر الأسرة الخامسة في منطقة سقارة، في اكتشاف جديد يضيف معلومات إلى تاريخ الدولة المصرية القديمة، ويفتح المجال أمام دراسة جوانب من العمارة الجنائزية والفنون والنظم الإدارية في تلك المرحلة. وأعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية أن المقبرة تقع في جبانة مارييت شمال سقارة، وترجع إلى [...]

فتحت مدينة صلالة في محافظة ظفار العُمانية شاشتها أمام السينما العربية والدولية، مع انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار السينمائي الدولي، بمشاركة 32 فيلمًا من 16 دولة، في حدث يسعى إلى تعزيز حضور عُمان على خارطة صناعة السينما ودعم المواهب والتجارب الجديدة. وانطلقت فعاليات المهرجان الأحد في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة، وتستمر [...]

بعد 11 عاماً على رحيله، عاد الفنان المصري نور الشريف إلى الواجهة من بوابة معرض استعاد محطات بارزة من حياته الفنية، ووضع الجمهور أمام تفاصيل نادرة من عالم نجم ترك بصمته في السينما والتلفزيون والمسرح على مدى عقود. في وسط القاهرة، احتضنت قاعة ملحقة بسينما راديو معرض «حضرة المحترم نور الشريف»، بالتزامن مع الذكرى الحادية [...]

أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن القراءة تمثل الأساس الحقيقي لبناء الحضارات وصناعة المستقبل، مشيداً بالمشاركة القياسية لطلبة دولة الإمارات في الدورة العاشرة من تحدي القراءة العربي، والتي تجاوزت 830 ألف طالب وطالبة. وجاءت تصريحات سموه عقب تتويج الطالبة دانة عادل الزرعوني، من [...]

تتجه أنظار الأوساط التعليمية والثقافية في دولة الإمارات، اليوم الخميس، إلى مركز دبي للمعارض في إكسبو دبي، حيث تُسدل الستارة على منافسات الدورة العاشرة من تحدي القراءة العربي بإعلان بطل الإمارات، بعد موسم استثنائي شهد مشاركة أكثر من 830 ألف طالب وطالبة من مختلف مدارس الدولة. وتُقام الاحتفالية بحضور سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن [...]