
مع تصاعد الدين الأميركي، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتزايد تحذيرات اقتصاديين عالميين من اهتزاز غير مسبوق في مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية. فالتقاء السياسات المالية التوسعية، وتسييس السياسة النقدية، وتسليح الدولار، والتحولات الجيوسياسية، يطرح سؤالًا لم يعد نظريًا: هل يقترب العالم من عاصفة مالية قد تعيد تشكيل النظام النقدي الدولي؟
أصبحت احتمالية تآكل هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في ظل إدارة ترامب الثانية، مصدر قلق كبير بين الاقتصاديين والخبراء الماليين. وينبع هذا القلق من تلاقي عدة عوامل، من بينها السياسات المالية، واستقلال السياسة النقدية، وتسليح التمويل، والتحولات الجيوسياسية. وفي حين يتمتع الدولار منذ فترة طويلة بما يُعرف بـ«الامتياز الباهظ»، بات يُنظر إلى ركائزه الأساسية على أنها تتعرض لضغوط متزايدة، ما يثير تساؤلات حول استقراره المستقبلي والتداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة.
ولعقود طويلة، كان الدولار الأميركي العملة الاحتياطية الأساسية في العالم، مانحًا الولايات المتحدة مزايا اقتصادية فريدة. وهذا «الامتياز الباهظ»، وهو مصطلح صاغه وزير المالية الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان، يسمح للولايات المتحدة بالاقتراض بتكلفة منخفضة، وتمويل عجزها الكبير، وطباعة النقود دون تأجيج التضخم بشكل فوري.
تحتفظ الحكومات الأجنبية والبنوك المركزية، طوعًا، بسندات الخزانة الأميركية، معتبرة إياها أكثر الأصول أمانًا على مستوى العالم، والتي يقوم عليها النظام المالي العالمي بأكمله. ويؤكد البروفسور كينيث روغوف، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي وأستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، أن هيمنة الدولار تشبه لغة مشتركة في عالم التمويل الدولي.

إن القبول الواسع للدولار، إلى جانب عمق وسيولة الأسواق المالية الأميركية، ولا سيما الأصول المدعومة بالدولار مثل سندات الخزانة، جعلاه الوسيلة المفضلة للمعاملات العالمية وحيازات الاحتياطي. وقد تأسست هذه الثقة في البداية على قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، ثم لاحقًا على الثقة في الإدارة الاقتصادية الأميركية واستقلال الاحتياطي الفيدرالي.
يقدّر روغوف أن تكاليف اقتراض الحكومة الأميركية تنخفض بنسبة تتراوح بين نصف في المائة وواحد في المائة بفضل وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية. ويترجم ذلك إلى وفورات ضخمة، بالنظر إلى حجم الدين الوطني. كما ينعكس هذا الامتياز على انخفاض أسعار الفائدة على الرهون العقارية وقروض السيارات، نتيجة الطلب العالمي المرتفع على الأصول المقومة بالدولار.
اقرأ ايضا..
إلى جانب ذلك، يمنح الدولار الولايات المتحدة وصولًا غير مسبوق إلى معلومات الاقتصاد العالمي، ونفوذًا واسعًا في المفاوضات الدولية وفرض العقوبات.
يحدد دينيس سنوير، الباحث الدولي في كلية إدارة الأعمال بجامعة أكسفورد، ست ركائز أساسية تدعم أي عملة احتياطية عالمية، هي: استقرار الاقتصاد الكلي، والأسواق المالية السائلة، واستقلال البنك المركزي، وحرية حركة رأس المال، وسيادة القانون، والثقة الجيوسياسية.
ويرى سنوير أن إدارة ترامب الثانية أضعفت كل واحدة من هذه الركائز، ما أدى إلى تآكل أعمدة الدولار بوتيرة متسارعة.
يشير سنوير إلى أن التخفيضات الضريبية من دون ضبط الإنفاق دفعت الدين العام الأميركي إلى مستويات قياسية. ويردد روغوف هذا التحذير، مشيرًا إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت بشكل كبير، ما يجعل الولايات المتحدة أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الفائدة.
وفي حال تنفيذ تخفيضات ضريبية إضافية من دون خفض موازٍ في الإنفاق، قد يستمر العجز عند مستويات تتراوح بين 5 و7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يزيد من تفاقم أزمة الديون ويجعل تمويلها أكثر كلفة.
يُعد استقلال الاحتياطي الفيدرالي ركيزة أساسية للحفاظ على الثقة بالدولار. غير أن سنوير يحذر من أن هذا الاستقلال «تآكل بفعل الضغوط السياسية العلنية واختبارات الولاء لمحافظي البنوك المركزية».
ويؤكد روغوف أن التخلي عن معيار الذهب جعل وعد الاحتياطي الفيدرالي بإدارة التضخم عند مستوى 2% الأساس الحقيقي لقيمة الدولار. وأي تدخل سياسي يُنظر إليه على أنه محاولة لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع قد يقود إلى التضخم وفقدان الثقة.
يشير سنوير إلى أن الوصول إلى الدولار بات يُستخدم كسلاح سياسي لمعاقبة الخصوم، بل وحتى الحلفاء. ويشرح روغوف أن الاستخدام المفرط وغير المتوقع للعقوبات قد يدفع الدول الأخرى إلى البحث عن بدائل للنظام المالي القائم على الدولار.
وقد شكّل تجميد أصول البنك المركزي الروسي نقطة تحوّل دفعت دولًا، مثل الصين، إلى تقليص اعتمادها على الدولار، والبدء في تخفيض حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية.
توقع تقرير حديث لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي أن يرتفع الدين الأميركي بنحو تريليون دولار كل مائة يوم. وتشير تقديرات اقتصاديين في جامعة بنسلفانيا إلى أن خطط الضرائب والإنفاق المقترحة من ترامب قد تضيف 4.1 تريليونات دولار إلى الدين خلال عقد واحد.
ويبلغ الدين العام الأميركي حاليًا أكثر من 37 تريليون دولار، في حين تراجعت حيازات الصين من سندات الخزانة إلى 682.6 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ عام 2008.
أدى نهج «أميركا أولًا»، القائم على الانفصال عن المؤسسات الدولية والسياسات غير المتوقعة، إلى تآكل الثقة الجيوسياسية بالولايات المتحدة. وتُعد هذه الثقة عنصرًا حاسمًا في استمرار هيمنة الدولار، إذ لا تقوم على القوة الاقتصادية وحدها، بل على صورة أميركا كشريك عالمي موثوق.
يحذر خبراء من أن أي تراجع حاد في هيمنة الدولار قد يؤدي إلى «تسونامي مالي» عالمي، حيث قد تتدافع البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، ما يرفع عوائد السندات الأميركية ويضغط على العملة.

ومع عدم وجود بديل جاهز قادر على استيعاب التريليونات المقومة بالدولار، قد يشهد العالم سباقًا محمومًا نحو الأمان من دون وجهة واضحة.
من المرجح أن يؤدي تراجع هيمنة الدولار إلى انقسام النظام المالي العالمي إلى كتل متنافسة، تقودها الولايات المتحدة من جهة، والصين ودول «البريكس» من جهة أخرى، مع تصاعد تسليح التمويل عبر العقوبات وضوابط رأس المال.
يحذر روغوف من أن فقدان هذا الامتياز سيؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض، ويقيد قدرة الولايات المتحدة على تمويل إنفاقها الدفاعي والحفاظ على نفوذها العالمي. كما ستتراجع فاعلية العقوبات كأداة سياسية، ما يضعف الأمن القومي الأميركي وقدراته الاستخباراتية.
لأن أي اهتزاز في الدولار لن يبقى شأنًا نخبويًا، بل سينعكس مباشرة على التضخم، وأسعار الطاقة، وقيمة العملات المحلية، والقدرة الشرائية للمواطنين حول العالم.
موسى مهدي – باحث بريطاني في الشؤون الاقتصادية

في وقت تتصاعد فيه التوترات في منطقة الخليج، وتزداد المخاوف من انعكاسات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على الاقتصاد العالمي، خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برسالة مباشرة للمصريين، معترفًا بأن البلاد لن تكون بعيدة عن تداعيات هذه الأزمة. وخلال مشاركته في حفل "إفطار الأسرة المصرية"، تحدث السيسي بصراحة عن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها مصر، [...]

في ميناء رأس الخيمة الصناعي شمال دولة الإمارات العربية المتحدة، يخيم مشهد غير مألوف. فالمكان الذي كان حتى وقت قريب مركزاً بحرياً نابضاً بالحركة والتجارة أصبح اليوم أكثر هدوءاً من المعتاد، بينما تقف السفن وناقلات النفط في صفوف طويلة وسط أجواء من القلق والترقب. فعلى امتداد الأفق الضبابي في مياه الخليج، يمكن رؤية عشرات ناقلات [...]

شهدت أسواق المال العالمية والخليجية اللون الأحمر، وسط مخاوف من استمرار الحرب بين القوى الكبرى وتأثيرها على الاقتصاد العالمي. وفق تقارير، هرب نحو تريليون دولار من السوق الأميركية، ما أثار قلق المستثمرين من استمرار التقلبات لفترة أطول من المتوقع. لكن التاريخ يُظهر أن الأسواق عادةً ما تتعافى بعد الصدمات قصيرة الأجل. فبالنظر إلى الصراعات العسكرية [...]

أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً عاماً جديداً يسمح ببيع النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية المحمّلة على السفن حتى 11 أبريل/نيسان المقبل، وفق ما أظهره الموقع الإلكتروني للوزارة. ويشمل القرار الشحنات النفطية الروسية التي جرى تحميلها على السفن اعتباراً من 12 مارس، ما يمنح الشركات فترة مؤقتة لتسوية عمليات بيع ونقل النفط في الأسواق العالمية، بحسب [...]

اشتعلت النيران في ناقلتي نفط أجنبيتين في المياه الإقليمية للعراق اليوم الخميس، في تصعيد جديد للهجمات الإيرانية التي تعرقل تدفق إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وتشكّل تحديًا لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلن فيها "النصر" قبل أسبوعين تقريبًا على إيران. وأظهرت لقطات مصورة تم التحقق منها من قبل رويترز قرب ميناء البصرة، اندلاع النيران [...]

تزايدت توقعات الأسواق العالمية بانتهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قريبًا، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي طمأنت المستثمرين وأشارت إلى نهاية سريعة للأعمال القتالية، رغم أن القصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران شهد أمس الثلاثاء أعنف الغارات الجوية منذ بداية النزاع. وأشار ترامب خلال كلمة أمام أعضاء الحزب الجمهوري في مؤتمر بميامي بولاية فلوريدا [...]