
لم تكن قناة السويس يومًا مجرد ممر ملاحي يعبره العالم من الشرق إلى الغرب، بل كانت على الدوام عنوانًا للسيادة المصرية ورمزًا لتحرر الإرادة الوطنية من الهيمنة الأجنبية. غير أن هذا الرمز، الذي شكّل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد المصري، وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة سياسية واقتصادية بعد موافقة البرلمان على إنشاء صندوق مملوك لهيئة قناة السويس، تزامنًا مع طرح مقترحات غير مسبوقة لمقايضتها بجزء من ديون الدولة.
وبينما تحاول الحكومة تقديم الصندوق بوصفه أداة مالية لتعظيم الاستفادة من أصول القناة وتحقيق التنمية المستدامة، انفجرت في الشارع المصري مخاوف قديمة متجددة حول مستقبل الشريان الملاحي الأهم في البلاد، خصوصًا بعدما طُرح لأول مرة بشكل علني سيناريو نقل ملكية القناة أو رهنها مقابل تخفيف عبء الديون المتراكمة.
الشرارة الأولى لهذا الجدل انطلقت مع إقرار مجلس النواب قانون إنشاء صندوق تابع لهيئة قناة السويس، قالت الحكومة إنه يهدف إلى تمكين الهيئة من مواجهة الأزمات وتنفيذ مشروعات كبرى في مجالات مثل الوقود الأخضر وبناء السفن وتطوير الخدمات اللوجستية.
الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة القناة، حاول تبديد المخاوف مؤكدًا أن الصندوق لا يمس أصول القناة السيادية، وأنه سيُموّل من الفوائض، بعدما اعتادت الهيئة تحويل كامل إيراداتها إلى الموازنة العامة. لكن هذا التوضيح لم يكن كافيًا لوقف موجة الشك، خاصة في ظل سوابق تاريخية من الاقتراض والديون التي أرهقت الهيئة نفسها.
وسط هذا المناخ المشحون، جاءت تصريحات رجل الأعمال حسن هيكل لتفتح بابًا أكثر حساسية، عندما اقترح ما وصفه بـ«المقايضة الكبرى»، وهي فكرة تقوم على نقل ملكية هيئة قناة السويس من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري مقابل شطب جزء كبير من الديون المحلية.
هيكل قدّم مقترحه بوصفه حلًا “خارج الصندوق” لأزمة ديون خانقة، مشيرًا إلى أن قيمة هيئة قناة السويس قد تصل إلى 200 مليار دولار إذا جرى تقييمها وفق متوسط إيراداتها التاريخية. ووفق تصوره، فإن نقل هذا الأصل إلى ميزانية البنك المركزي يسمح بشطب تريليونات الجنيهات من الدين المحلي، مع استمرار تدفق الإيرادات التي تغطي التزامات البنوك والدولة.
الفكرة في ظاهرها تقنية، لكنها في جوهرها تمس أخطر خط أحمر في الدولة المصرية: السيادة على قناة السويس. ولذلك لم يلبث أن تحول الطرح إلى قنبلة سياسية واقتصادية فجّرت رفضًا واسعًا في الأوساط المصرفية والأكاديمية.
المنتقدون رأوا في المقترح نقلة خطيرة من إدارة الدين إلى تصفية الدولة، لأن إدخال قناة السويس في معادلة مالية يعني، عمليًا، إخضاعها لقواعد الأسواق والبنوك بدلاً من منطق السيادة الوطنية.
مجدي ماجد، الأكاديمي المصري، وصف الفكرة بأنها تفريغ لمفهوم الدولة ذاته، لأن القناة ليست مجرد أصل مالي بل أداة جيوسياسية تؤثر في ميزان القوى الإقليمي والدولي. أما هشام عز العرب، أحد أبرز المصرفيين في مصر، فحذّر من أن مثل هذا الطرح قد يُفهم دوليًا كإعلان إفلاس مقنّع، بما يضرب ثقة المستثمرين ويقوّض قدرة مصر على الاقتراض مستقبلًا.
حتى داخل النخبة السياسية، اعتُبر المقترح مساسًا مباشرًا بالأمن القومي، لأن تحويل الديون المحلية إلى أصول استراتيجية لا يخفف الأزمة بل ينقلها إلى مستوى أخطر.
في خلفية هذا الجدل تقف حقيقة لا يمكن تجاهلها: قناة السويس، رغم رمزيتها، تواجه ضغوطًا مالية حقيقية. فقد كشفت بيانات البنك المركزي عن تراجع إيرادات القناة بنسبة قياسية خلال العام المالي 2024/2025، في ظل اضطرابات الملاحة العالمية وتراجع حركة التجارة.
ورغم أن القناة ما زالت تمر بها نحو 12% من التجارة العالمية، إلا أن الإيرادات تراجعت من مستويات قاربت 9 مليارات دولار قبل عامين إلى ما دون 4 مليارات، ما جعل قدرتها على دعم الخزانة العامة أضعف في وقت تحتاج فيه الدولة إلى كل دولار.
هذه المفارقة بين الأهمية الاستراتيجية والتراجع المالي هي ما يجعل القناة هدفًا دائمًا لسيناريوهات “التمويل غير التقليدي”، حتى وإن ظلت رسميًا خارج أي خطط للبيع أو الرهن.
ليست هذه المرة الأولى التي تُثار فيها شائعات بيع القناة. ففي 2018 ثم بين 2021 و2023، انتشرت روايات عن صفقات محتملة مع الصين أو الإمارات أو السعودية، سرعان ما نفتها الحكومة ورئاسة الهيئة.
لكن الفرق اليوم أن الحديث لم يعد يدور حول بيع مباشر، بل حول “مقايضة مالية” تبدو على الورق أقل فجاجة، لكنها في الواقع لا تقل خطورة، لأنها تُدخل القناة في لعبة الدين والائتمان والأسواق العالمية.
تفاقم الجدل أكثر بعد تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن نية الحكومة خفض الدين العام إلى مستويات لم تشهدها مصر منذ خمسين عامًا، مع وعود بخفض الدين الخارجي إلى نحو 12 مليار دولار فقط، وهو رقم يثير الدهشة في ظل واقع يتجاوز فيه الدين 160 مليار دولار.
غياب التفاصيل حول كيفية تحقيق هذا الهدف فتح الباب لتكهنات واسعة، وجعل مقترح حسن هيكل يبدو، للبعض، كأنه ترجمة غير معلنة لسيناريو مبادلة الأصول بالديون.
الخبراء يجمعون على أن مصر لا تملك ترف المغامرة بأهم أصولها السيادية. فخفض الدين لا يتحقق عبر التفريط في شرايين الاقتصاد، بل عبر إصلاحات هيكلية تعيد بناء النمو والإنتاجية والقدرة التنافسية.
وقناة السويس، مهما بلغت أزمتها المؤقتة، تظل أصلًا لا يمكن تعويضه. فهي ليست مجرد رقم في ميزانية، بل ورقة قوة في يد دولة تقع في قلب التجارة العالمية.
ولهذا، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق فقط بقانون أو صندوق أو مقترح رجل أعمال، بل بسؤال أعمق: هل يمكن لدولة مثقلة بالديون أن تحافظ على سيادتها الاقتصادية دون أن تبيع جوهرها؟

في وقت تتصاعد فيه التوترات في منطقة الخليج، وتزداد المخاوف من انعكاسات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على الاقتصاد العالمي، خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برسالة مباشرة للمصريين، معترفًا بأن البلاد لن تكون بعيدة عن تداعيات هذه الأزمة. وخلال مشاركته في حفل "إفطار الأسرة المصرية"، تحدث السيسي بصراحة عن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها مصر، [...]

في ميناء رأس الخيمة الصناعي شمال دولة الإمارات العربية المتحدة، يخيم مشهد غير مألوف. فالمكان الذي كان حتى وقت قريب مركزاً بحرياً نابضاً بالحركة والتجارة أصبح اليوم أكثر هدوءاً من المعتاد، بينما تقف السفن وناقلات النفط في صفوف طويلة وسط أجواء من القلق والترقب. فعلى امتداد الأفق الضبابي في مياه الخليج، يمكن رؤية عشرات ناقلات [...]

شهدت أسواق المال العالمية والخليجية اللون الأحمر، وسط مخاوف من استمرار الحرب بين القوى الكبرى وتأثيرها على الاقتصاد العالمي. وفق تقارير، هرب نحو تريليون دولار من السوق الأميركية، ما أثار قلق المستثمرين من استمرار التقلبات لفترة أطول من المتوقع. لكن التاريخ يُظهر أن الأسواق عادةً ما تتعافى بعد الصدمات قصيرة الأجل. فبالنظر إلى الصراعات العسكرية [...]

أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصاً عاماً جديداً يسمح ببيع النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية المحمّلة على السفن حتى 11 أبريل/نيسان المقبل، وفق ما أظهره الموقع الإلكتروني للوزارة. ويشمل القرار الشحنات النفطية الروسية التي جرى تحميلها على السفن اعتباراً من 12 مارس، ما يمنح الشركات فترة مؤقتة لتسوية عمليات بيع ونقل النفط في الأسواق العالمية، بحسب [...]

اشتعلت النيران في ناقلتي نفط أجنبيتين في المياه الإقليمية للعراق اليوم الخميس، في تصعيد جديد للهجمات الإيرانية التي تعرقل تدفق إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وتشكّل تحديًا لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلن فيها "النصر" قبل أسبوعين تقريبًا على إيران. وأظهرت لقطات مصورة تم التحقق منها من قبل رويترز قرب ميناء البصرة، اندلاع النيران [...]

تزايدت توقعات الأسواق العالمية بانتهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قريبًا، بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي طمأنت المستثمرين وأشارت إلى نهاية سريعة للأعمال القتالية، رغم أن القصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران شهد أمس الثلاثاء أعنف الغارات الجوية منذ بداية النزاع. وأشار ترامب خلال كلمة أمام أعضاء الحزب الجمهوري في مؤتمر بميامي بولاية فلوريدا [...]