الرئيسية/اقتصاد/هل يدفع الخليج ثمن حرب لم يبدأها؟ صمت الموانئ وناقلات النفط يكشف كابوس مضيق هرمز
اقتصاد

هل يدفع الخليج ثمن حرب لم يبدأها؟ صمت الموانئ وناقلات النفط يكشف كابوس مضيق هرمز

في ميناء رأس الخيمة الصناعي شمال دولة الإمارات العربية المتحدة، يخيم مشهد غير مألوف.

قوارب صيد بين ناقلات النفط في مضيق هرمز
📸قوارب صيد بين ناقلات النفط في مضيق هرمز
اليوم ميديا

في ميناء رأس الخيمة الصناعي شمال دولة الإمارات العربية المتحدة، يخيم مشهد غير مألوف. فالمكان الذي كان حتى وقت قريب مركزاً بحرياً نابضاً بالحركة والتجارة أصبح اليوم أكثر هدوءاً من المعتاد، بينما تقف السفن وناقلات النفط في صفوف طويلة وسط أجواء من القلق والترقب.

فعلى امتداد الأفق الضبابي في مياه الخليج، يمكن رؤية عشرات ناقلات النفط مصطفة في انتظار عبور واحد من أهم الممرات البحرية في العالم: مضيق هرمز. لكن هذا الممر الحيوي، الذي لطالما شكل شريان الطاقة العالمي، أصبح اليوم بؤرة توتر عسكري مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بحسب صحيفة الغارديان.

أخطر ممر ملاحي في العالم

أي سفينة تغادر ميناء رأس الخيمة متجهة نحو بحر العرب يجب أن تمر عبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي يربط الخليج بالمحيط المفتوح وتمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.

لكن هذا الطريق البحري أصبح في الأيام الأخيرة واحداً من أخطر مناطق الملاحة في العالم.

ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، تعرضت ناقلتا نفط كانتا في طريقهما نحو المضيق لهجوم صاروخي إيراني على بعد أكثر من عشرين ميلاً بحرياً من رأس الخيمة، ما أدى إلى اشتعال النيران في إحداهما وإثارة حالة من القلق في قطاع الشحن البحري.

وفي تطور آخر يزيد من حدة التوتر، استُهدف ميناء الفجيرة، وهو الميناء النفطي الرئيسي لدولة الإمارات على ساحلها الشرقي، بهجوم بطائرة مسيّرة، حيث شوهدت أعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد من منشآته النفطية.

الخليج في قلب صراع لم يبدأه

تمثل هذه التطورات جزءاً من تداعيات أوسع للحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهي حرب تجد دول الخليج نفسها اليوم في قلبها رغم أنها لم تكن طرفاً مباشراً في بدايتها.

فعلى مدى سنوات طويلة، سمحت دول الخليج – بما في ذلك البحرين والكويت والسعودية والإمارات وقطر وعُمان – للولايات المتحدة بإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها أو استخدام بنيتها التحتية العسكرية، كما أصبحت من أكبر مشتري الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية.

وفي المقابل، لعبت الولايات المتحدة دور الحليف العسكري الأهم لدول الخليج والضامن الرئيسي لأمن المنطقة.

لكن مع اندلاع الحرب الحالية، بدأت تتزايد التساؤلات في العواصم الخليجية حول طبيعة هذه الشراكة ومستقبلها.

قلق خليجي من قرار الحرب

يرى محللون أن العديد من دول الخليج تشعر بقلق متزايد بعد أن بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختار المضي في المواجهة العسكرية مع إيران رغم الجهود الدبلوماسية التي حاولت بعض دول المنطقة دفعها إلى الأمام.

طائرات متوقفة عن العمل في مطار دبي الدولي مع بداية النزاع، في ظل قيود شديدة على حركة الطيران في المنطقة، ما يتسبب بخسائر بمليارات الدولارات لشركات الطيران ويعكس تأثير التصعيد العسكري على الاقتصاد المدني – نقلا عن الغارديان

ويقول خالد المزيني، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة زايد في أبوظبي، إن التهديد الإيراني للخليج لم يتحول إلى واقع فعلي إلا بعد اندلاع الحرب.

ويضيف: “لم يصبح التهديد الإيراني المتصور للخليج حقيقة إلا بعد إعلان الولايات المتحدة الحرب. إيران لم تبدأ بإطلاق النار”.

ويتابع قائلاً إن هناك إدانة واسعة للهجمات الإيرانية، لكن في الوقت نفسه توجد رسالة واضحة موجهة إلى واشنطن وتل أبيب مفادها أن هذه الحرب ليست حرب دول الخليج.

يتصاعد الدخان من مبنى شاهق في مدينة الكويت عقب هجوم بطائرة مسيرة في 8 مارس/آذار، ضمن الرد الإيراني على الغارات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ما يعكس تصاعد التوترات العسكرية في الخليج.
المصدر: الغارديان- وكالة فرانس برس

ضربات وانتقام واسع

قبل بدء الضربات العسكرية، استضافت دول الخليج سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية ودعت إلى تجنب التصعيد، محذرة من العواقب الخطيرة لأي مواجهة عسكرية مع إيران.

لكن بعد اندلاع الحرب، جاءت الردود الإيرانية على نطاق أوسع مما توقعه الكثيرون.

فقد أطلقت طهران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مطارات وقواعد عسكرية ومصافي نفط وموانئ في عدد من دول المنطقة، إضافة إلى منشآت مدنية مثل الفنادق والمباني المكتبية.

خسائر اقتصادية كبيرة

انعكست هذه التطورات بسرعة على اقتصاد المنطقة.

فقطاع الطيران في الشرق الأوسط يواجه قيوداً مشددة على حركة الطيران، ما تسبب في خسائر تقدر بمليارات الدولارات لشركات الطيران.

كما تواجه البحرين ضغوطاً اقتصادية متزايدة، بينما تعرضت سمعة الإمارات كمركز عالمي للسياحة والاستثمار الغربي لضرر ملحوظ بسبب التوترات الأمنية.

ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض معظم الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فإن تشغيل هذه الأنظمة يكلف مبالغ ضخمة، حيث تشير التقديرات إلى أن دولاً مثل الإمارات تنفق أكثر من ملياري دولار على عمليات الدفاع الجوي.

مضيق هرمز في قلب الأزمة

لكن الخطر الأكبر يتمثل في تداعيات الصراع على مضيق هرمز.

فالمضيق هو الممر البحري الوحيد الذي يربط الخليج بالمحيط المفتوح، وأي اضطراب فيه يمكن أن ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.

وقد أدى الحصار الإيراني العنيف للمضيق إلى انخفاض حاد في صادرات النفط والغاز التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل اقتصادات دول الخليج.

ويقدر خبراء أن الخسائر اليومية في صادرات النفط قد تتراوح بين 700 مليون و1.2 مليار دولار يومياً.

انتقادات دبلوماسية للحرب

وفي موقف دبلوماسي لافت، قال وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي إن الهجمات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران “غير قانونية”.

وأضاف أن استمرار هذه العمليات العسكرية يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، خاصة في وقت كانت فيه المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني تحقق تقدماً.

ويرى بعض المحللين أن الحرب الحالية قد تكون جزءاً من محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل.

غضب وإحباط في الخليج

وتقول سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة تشاتام هاوس البحثية، إن دول الخليج تواجه اليوم أحد أصعب التحديات في تاريخها الحديث.

وتضيف: “هذا أسوأ كابوس لدول الخليج. هناك غضب وإحباط عميقان تجاه الولايات المتحدة لأن هذه ليست حربهم، ومع ذلك يتحملون وطأتها”.

وتشير إلى أن دول الخليج سعت لسنوات إلى إقامة شراكة أمنية مع الولايات المتحدة مشابهة لتلك التي تتمتع بها إسرائيل، لكنها بدأت الآن تشكك في مدى موثوقية هذا التحالف.

البحث عن استقلال استراتيجي

رغم ذلك، لا تبدو دول الخليج مستعدة للتخلي سريعاً عن شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، نظراً لعدم وجود بدائل واضحة في الوقت الراهن.

لكن بعض المحللين يرون أن هذه الأزمة قد تدفع دول المنطقة إلى تسريع جهودها نحو تحقيق استقلال استراتيجي أكبر في سياساتها الأمنية والعسكرية.

تأثير الحرب على الحياة اليومية

بعيداً عن التحليلات السياسية، بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح في الحياة اليومية للسكان.

في مرسى قريب من ميناء رأس الخيمة، يقف سومون، وهو شاب يبلغ من العمر 27 عاماً يعمل في شركة لتأجير القوارب والدراجات المائية، متحدثاً عن التغير الكبير الذي طرأ على عمله.

يقول سومون إن خفر السواحل منع القوارب من الإبحار في الأيام الأخيرة بسبب التوترات العسكرية في الخليج.

ويضيف: “منذ أيام عديدة لم نتمكن من تشغيل قواربنا. لا يوجد زبائن، ومديري لا يستطيع أن يدفع لي راتبي”.

ثم يشير إلى الميناء القريب حيث تقف القوارب بلا حركة قائلاً: “لا توجد قوارب تتحرك الآن. لا أحد يعلم متى سينتهي هذا الوضع”.

ومع استمرار الحرب وتصاعد التوتر في مضيق هرمز، يبقى السؤال الذي يقلق المنطقة بأكملها: إلى متى سيظل الخليج يتحمل كلفة صراع لم يبدأه؟

"
“في ميناء رأس الخيمة الصناعي شمال دولة الإمارات العربية المتحدة، يخيم مشهد غير مألوف. فالمكان الذي كان حتى وقت قريب مركزاً بحرياً نابضاً بالحركة والتجارة أصبح اليوم أكثر هدوءاً من المعتاد، بينما تقف السفن وناقلات النفط في صفوف طويلة وسط أجواء من القلق والترقب. فعلى امتداد الأفق الضبابي في مياه الخليج، يمكن رؤية عشرات ناقلات”
— اليوم ميديا / اقتصاد

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في اقتصاد ←
100 ألف دولار لعبور هرمز.. من يدفع فاتورة الخطر؟

100 ألف دولار لعبور هرمز.. من يدفع فاتورة الخطر؟

لم تعد تكلفة عبور ناقلات النفط لمضيق هرمز تُقاس فقط بأسعار الوقود والتأمين والشحن؛ فالمخاطر الأمنية وصلت إلى أجور البحارة أنفسهم، مع عرض مبالغ استثنائية لقباطنة وطاقم السفن المستعدين لعبور أحد أخطر الممرات البحرية في العالم. وكشفت Financial Times أن بعض قباطنة ناقلات النفط في الخليج يتقاضون ما يصل إلى 100 ألف دولار شهرياً مقابل

لندن – خالد ياسر أحمد
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أسعار الغذاء العالمية تصعد لأعلى مستوى منذ 2022

أسعار الغذاء العالمية تصعد لأعلى مستوى منذ 2022

تواصل أسعار الغذاء العالمية صعودها، لتصل في سبتمبر إلى أعلى مستوى لها منذ نوفمبر 2022، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القطاع الزراعي بفعل اضطرابات الطقس والتجارة وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج. وأظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» أن مؤشرها لأسعار السلع الغذائية العالمية ارتفع بنسبة 1.5% خلال سبتمبر مقارنة بأغسطس، مدفوعًا بصورة

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
5.8 مليون برميل نفط عبر خط شرق-غرب السعودي

5.8 مليون برميل نفط عبر خط شرق-غرب السعودي

قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، الثلاثاء، إن 5.8 مليون برميل من النفط يجري ضخها عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى ينبع على ساحل البحر الأحمر، وذلك حتى صباح اليوم. وأوضح الوزير، وفق ما نقلته وكالة رويترز، أن الكمية التي تمر عبر الخط، الذي ينقل النفط إلى مركز التصدير في ينبع، بلغت 5.8

لندن - وكالات
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
لماذا تفاجئ السعودية سوق النفط بأكبر خصم لخامها في آسيا منذ 2020؟

لماذا تفاجئ السعودية سوق النفط بأكبر خصم لخامها في آسيا منذ 2020؟

فاجأت السعودية أسواق النفط بخفض كبير لأسعار خامها الموجه إلى آسيا لشحنات نوفمبر، في خطوة تعكس احتدام المنافسة على الحصة السوقية في وقت تواجه فيه تجارة النفط في المنطقة ارتفاعًا حادًا في تكاليف الشحن ومخاطر أمنية متزايدة. وخفضت شركة أرامكو السعودية سعر البيع الرسمي لخام العربي الخفيف إلى آسيا إلى خمسة دولارات للبرميل دون متوسط

لندن - وكالات
الاثنين، ٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة