
أثار استهداف إيران لمنطقة الفجيرة في دولة الإمارات، يوم الاثنين 4 مايو/أيار، وما ترتب عليه من إصابات واندلاع حرائق في منشآت حيوية مخصصة لتزويد السفن بالوقود، موجة واسعة من التساؤلات حول الدلالات الاستراتيجية لاختيار هذا الموقع تحديدًا، خاصة وأنه تزامن مع تحركات عسكرية أمريكية في محيط مضيق هرمز، إضافة إلى محاولات لمنع سفن حربية من دخول المنطقة الحيوية.
وجاءت هذه التطورات في سياق إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نية بلاده التدخل لضمان حرية الملاحة في المضيق، وهو ما قوبل برد إيراني حاد، حيث اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي أن أي تدخل خارجي في إدارة حركة الملاحة يُعد انتهاكًا للتفاهمات القائمة، مؤكدًا أن المضيق والمياه الخليجية لا يمكن إخضاعهما لقرارات أحادية الجانب.
وفي هذا السياق، يثير التركيز المتكرر على الإمارات كعنصر محوري في هذه الأحداث تساؤلات أوسع حول موقعها في الاستراتيجية الإيرانية، وأسباب تصدرها المشهد كهدف رئيسي مقارنة ببقية الدول الخليجية، إلى جانب دوافع طهران في تبني هذا النهج الذي يبدو وكأنه استخدام لدولة محورية في الاقتصاد النفطي كأداة ضغط ورسائل سياسية مباشرة وغير مباشرة موجهة للولايات المتحدة وحلفائها.
قبل التعامل مع الإمارات كساحة عامة للتصعيد، يكتسب استهداف الفجيرة تحديدًا أهمية خاصة بوصفه خطوة محسوبة وليست عشوائية. فالإمارة تقع على الساحل الشرقي لدولة الإمارات وتطل مباشرة على خليج عُمان، ما يمنحها اتصالًا مفتوحًا ببحر العرب ثم المحيط الهندي، بعيدًا عن القيود الجغرافية المرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما يجعلها نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة أمن الطاقة والملاحة الإقليمية.
وتبرز أهمية الفجيرة أيضًا باعتبارها منفذًا بديلًا يتيح تجاوز المضيق، إذ تقع على مسافة تُقدّر بنحو 70 ميلًا بحريًا خارجه، ما يمنح أبوظبي هامش حركة أكبر في إدارة صادراتها ووارداتها بعيدًا عن أي ضغوط محتملة في هرمز. كما يعزز هذا الموقع قدرة الإمارات على الحفاظ على تدفقات التجارة والطاقة، ويقلل نسبيًا من تأثير أي إجراءات تضييق مرتبطة بالمضيق، الأمر الذي يرفع من قيمة هذا الممر في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة استهداف الفجيرة باعتباره رسالة تتجاوز البعد التكتيكي المباشر، لتصل إلى مستوى إعادة تشكيل توازنات الملاحة في الخليج، إذ إن تقويض دور هذا المنفذ البديل من شأنه تقليص خيارات المناورة أمام الإمارات ودول أخرى، وإعادة تركيز الاهتمام على مضيق هرمز بوصفه العقدة الأساسية في معادلة النفوذ البحري، بما يعكس توظيف الجغرافيا كأداة في إدارة الصراع الإقليمي.
يبدو أن إيران سعت إلى الرد على الضغوط الأمريكية المفروضة على موانئها خلال الأسابيع الأخيرة عبر الساحة الإماراتية، باعتبارها جبهة أقل كلفة وأكثر تأثيرًا مقارنة بجبهات أخرى في الخليج. وفي هذا السياق، أدخلت طهران مسارات النفط في الخليج ضمن معادلة تصعيد جديدة، بما يحدّ من فعالية أي محاولات لفتح ممرات آمنة للملاحة، بما في ذلك المبادرات التي طُرحت من جانب ترامب.
وبحسب هذه المقاربة، أعادت إيران صياغة نطاق الضغط حول مضيق هرمز من الجانبين، عبر توسيع دائرة التأثير لتشمل الموانئ الإماراتية، بما في ذلك التحركات المرتبطة ببعض الموانئ الحيوية، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة السفن وناقلات النفط في المنطقة.
ويُفهم من ذلك سعي طهران إلى تضييق البدائل المتاحة أمام طرق الملاحة شرق المضيق، بما يشمل السواحل المقابلة في الإمارات وسلطنة عُمان، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل أو إبطاء مسارات تصدير النفط من منشآت استراتيجية مثل الفجيرة.
ويحمل هذا التحول تداعيات مباشرة على الخطط الإماراتية المرتبطة بزيادة الإنتاج وتوسيع قدرات التصدير، خاصة في ظل اعتمادها على بنية تحتية تتجاوز المضيق مثل خطوط الأنابيب الممتدة نحو الفجيرة. كما يعيد رسم التوازنات الإقليمية عبر توسيع نطاق الضغط البحري، بما يرفع كلفة أي ترتيبات دولية لضمان حرية الملاحة، ويضع ضغوطًا إضافية على الإمارات وحلفائها في سياق سعي طهران لإعادة تشكيل قواعد النفوذ في الخليج.
لم يكن حضور أبوظبي في الخطاب الإيراني أمرًا عابرًا أو وليد الصدفة، بل يعكس مجموعة من الاعتبارات الجيوسياسية التي كرّست هذا التوجه. فالإمارات تقع على الضفة المقابلة مباشرة لإيران عبر الخليج العربي، وعلى مسافة قريبة جدًا من مضيق هرمز، ما يجعلها طرفًا حاضرًا بشكل تلقائي في أي تصعيد يتعلق بالملاحة أو تهديدات إغلاق المضيق.
إلى جانب ذلك، تستند أهمية الإمارات إلى دورها كمركز لوجستي عالمي، مدعوم بشبكة موانئ متطورة، في مقدمتها ميناء جبل علي، ما يجعلها عقدة رئيسية في حركة التجارة وإعادة التصدير. وبالتالي فإن أي تهديد يطال هذه البنية ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، وهو ما يمنح طهران أداة ضغط غير مباشرة ذات تأثير واسع.
كما أن الارتباط الوثيق بين الإمارات والغرب، خصوصًا الولايات المتحدة، إضافة إلى علاقتها القوية بإسرائيل، يضفي بعدًا سياسيًا إضافيًا على هذا الحضور. وبهذا تتحول أبوظبي إلى منصة لنقل الرسائل الاستراتيجية في سياق التوترات الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، تسعى طهران إلى توجيه رسائل ردع غير مباشرة إلى واشنطن وتل أبيب عبر حلفائهما، مفادها أن أي تصعيد ضدها قد ينعكس على شركاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما يؤثر على موازين القوة والصورة الدولية.
وفق المؤشرات الحالية، يبدو أن إيران تتجه نحو ترسيخ معادلة ردع جديدة تتمحور حول مضيق هرمز باعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية. وقد عبّر عن هذا التوجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مشيرًا إلى أن هذه المعادلة دخلت “مرحلة التثبيت”، وأنها لن تكون مريحة لواشنطن، التي اتهمها بانتهاك تفاهمات وقف إطلاق النار عبر سياسات الحصار البحري.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن ما تطرحه واشنطن تحت مسمى “مشروع الحرية” في المضيق لا يعدو كونه “طريقًا مسدودًا”، معتبرًا أن التطورات الحالية تعكس سعي طهران لتكريس معادلة ردع جديدة تُظهر حدود الحلول العسكرية.
في المحصلة، تبدو المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، بين معادلة تسعى طهران إلى فرضها عبر توسيع نطاق تأثيرها على مضيق هرمز وإدماج النفط الخليجي ضمن أدوات الضغط، ومقاربة تقودها إدارة ترامب تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم مع تعزيز الحضور الأمريكي في إدارة الممرات الحيوية.
وبين هاتين الرؤيتين، ومع توظيف الممرات البحرية واقتصاديات الطاقة ومستقبل الاستقرار الإقليمي كأدوات ضغط متبادلة، وفي ظل تصاعد حدة الخطاب السياسي من جميع الأطراف، تبقى الساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، قد تتراوح بين احتواء التوتر أو تصعيده إلى مستويات أعلى، بما قد ينعكس بتكلفة عالية على مختلف الأطراف، لتظل الحقيقة الأهم أن ما بعد هذه المرحلة لن يكون كما قبلها بأي حال من الأحوال.
لندن – ناصر بن سالم الكعبي

يُعد الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد أبرز مظاهر التحالفات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل خريطة الأمن في أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يعود هذا الوجود إلى عام 1945، عقب استسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما دخلت القوات الأمريكية البلاد ضمن قوات الحلفاء المنتصرة. في ذلك الوقت، بلغ عدد الجنود الأمريكيين في [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، برزت خطوة الإمارات العربية المتحدة بطلب سداد فوري لنحو 3.5 مليارات دولار من باكستان بوصفها حدثًا يتجاوز دلالاته المالية المباشرة، ليكشف عن تحولات أعمق في بنية العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. فبينما بدت الخطوة، في ظاهرها، إجراءً ماليًا سياديًا، فإن توقيتها وسياقها السياسي يشيان بأنها رسالة متعددة الاتجاهات، [...]

في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة. فبعد [...]

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما [...]

في ظل حرب غزة وتداعياتها السياسية والإنسانية المتصاعدة، عاد إلى واجهة النقاش داخل الاتحاد الأوروبي ملف بالغ الحساسية: اتفاقية الشراكة الموقعة مع إسرائيل منذ منتصف التسعينيات، والتي تُعد الإطار الناظم للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين الطرفين. ورغم أن الاتفاقية ظلت لعقود أحد أعمدة التعاون بين الجانبين، فإن التطورات الأخيرة في المنطقة دفعت بعض الدول الأوروبية [...]

في لحظة إقليمية تتداخل فيها الدبلوماسية مع الحسابات الأمنية، يبرز مضيق هرمز مجددًا كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ليس فقط بوصفه ممرًا استراتيجيًا للطاقة العالمية، بل باعتباره أيضًا ورقة ضغط سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى هندسة التوازنات الإقليمية. وتعكس المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وفق تقديرات دبلوماسية ومصادر خليجية، [...]