
في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة.
فبعد تعثر الجولة الثانية من المفاوضات التي كان من المفترض أن تستضيفها إسلام آباد، وظهور فجوة واضحة في الرؤى بين طهران وواشنطن، بدا أن إيران تبحث عن مخرج مختلف، يتجاوز الوساطات التقليدية إلى شراكة أكثر تأثيرًا. وهنا برزت موسكو كخيار لا يمكن تجاهله، ليس فقط باعتبارها وسيطًا محتملًا، بل كشريك يمتلك أدوات ضغط وقدرة على التأثير في موازين القوى.
التحرك الإيراني جاء أيضًا في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، نتيجة العقوبات الأمريكية التي طالت قطاعات حيوية، إلى جانب التوترات المرتبطة بالممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، والتلويح بورقة باب المندب، وهي عوامل تضيف بعدًا اقتصاديًا عالميًا لأي تصعيد محتمل. في هذا السياق، لم يعد الملف الإيراني شأنًا ثنائيًا، بل قضية تتداخل فيها حسابات الطاقة والتجارة الدولية.
لكن لماذا موسكو تحديدًا؟ الإجابة تكمن في طبيعة العلاقة المتنامية بين البلدين، والتي لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي، بل امتدت إلى مجالات أوسع تشمل الطاقة والتعاون العسكري. هذه الشراكة، التي تعززت في ظل الضغوط الغربية المشتركة، تمنح روسيا موقعًا فريدًا يمكنها من لعب دور يتجاوز “ناقل الرسائل” إلى طرف قادر على التأثير الحقيقي.
ورغم أن موسكو تبنّت خلال الفترة الماضية نهجًا حذرًا في التعاطي مع الأزمة، فإنها لم تُخفِ استعدادها للمساهمة في جهود التهدئة، خاصة في ظل إدراكها لحجم التداعيات الاقتصادية التي قد تنجم عن استمرار التصعيد. فاستقرار أسواق الطاقة، الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الروسي، يبقى عاملًا حاسمًا في حسابات الكرملين.
في المقابل، تظل المقارنة مع باكستان حاضرة. فإسلام آباد، رغم ما تمتلكه من علاقات متوازنة مع الأطراف المختلفة، تفتقر إلى الوزن الدولي الذي تتمتع به موسكو. صحيح أن موقعها الجغرافي وقنواتها المفتوحة يمنحانها دورًا لوجستيًا مهمًا، لكنها تظل محدودة القدرة على تقديم ضمانات سياسية أو فرض مسارات تفاوضية معقدة.
أما روسيا، فتمتلك سجلًا طويلًا في إدارة الأزمات الدولية، ولعبت دورًا محوريًا في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، ما يمنحها فهمًا عميقًا لطبيعة الخلافات القائمة. إلى جانب ذلك، تستند إلى موقعها كقوة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، ما يتيح لها التأثير في مسار أي اتفاق محتمل، سواء عبر دعمه أو تعطيله.
ورغم هذه المقومات، لا يبدو الطريق أمام الوساطة الروسية مفروشًا بالسهولة. فمستوى الثقة بين موسكو وواشنطن تراجع بشكل ملحوظ، خاصة بعد التوترات التي شهدتها العلاقات بينهما في السنوات الأخيرة. هذا التراجع يطرح تساؤلات حول مدى قبول الولايات المتحدة بدور روسي محوري في إدارة هذا الملف.
كما أن العلاقة الوثيقة بين موسكو وطهران قد تُستخدم كحجة للتشكيك في حيادية الوسيط، ما يضع روسيا أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على شراكتها مع إيران دون أن تفقد ثقة واشنطن؟ هذا التوازن الصعب قد يكون التحدي الأكبر أمام أي دور وساطة روسي.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال المخاوف الأمريكية من تنامي النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وهو عامل قد يدفع بعض دوائر القرار في واشنطن إلى التحفظ على منح موسكو مساحة أوسع في هذا الملف، حتى وإن كانت الحاجة إلى حل دبلوماسي قائمة.
ومع ذلك، لا تزال فرص التحرك قائمة. فقد تنجح روسيا في تحقيق اختراقات جزئية، مثل خفض التصعيد أو إعادة فتح قنوات الحوار، وهي خطوات قد تمهد الطريق لاحقًا لتفاهمات أوسع. لكن الوصول إلى اتفاق شامل سيظل مرهونًا بإرادة سياسية من الطرفين، تتجاوز حسابات الوساطة وحدها.
في النهاية، تبدو خطوة إيران نحو موسكو محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة، في وقت لم تعد فيه الأدوات التقليدية كافية. وبين طموحات التهدئة وتعقيدات الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع روسيا تحويل هذا التحرك إلى فرصة حقيقية، أم أن الجمود سيستمر في فرض كلمته على المشهد؟

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]