
قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما إلى نهايتها.
لكن السياسة في باكستان لا تعترف بالنهايات السريعة، والجيش تحديدًا لا يفرّط برجاله بسهولة.
في نوفمبر 2022، عاد منير من الباب الأوسع. بقرار من رئيس الوزراء شهباز شريف، تولى قيادة الجيش خلفًا للجنرال قمر جاويد باجوا، ليرث مؤسسة عسكرية تُعد من الأكبر عالميًا، بقدرات نووية ونفوذ سياسي يتجاوز حدود الثكنات. لم يكن التحدي عسكريًا فحسب، بل كان سياسيًا واقتصاديًا، في بلد يعيش على حافة أزمات متلاحقة.
وُلد منير عام 1968 في مدينة روالبندي، لكن جذوره تمتد إلى جراح أعمق، تعود إلى تقسيم الهند عام 1947. عائلته، كغيرها من آلاف العائلات المسلمة، هاجرت من جالاندهار وسط موجة عنف دموي. تلك الذاكرة، التي ورثها عبر الحكايات، شكّلت جزءًا من وعيه المبكر، ورسّخت لديه إحساسًا دائمًا بالصراع والهوية.
نشأ في بيئة محافظة، حيث كان والده إمامًا ومربيًا، ما انعكس على شخصيته لاحقًا. لم يكن مجرد ضابط، بل رجل يحمل رؤية دينية وثقافية واضحة، حتى أنه حفظ القرآن الكريم، ليصبح أول قائد للجيش الباكستاني يُعرف بلقب “الحافظ”.
دخل الجيش عام 1986، وتخرج متفوقًا من الأكاديمية العسكرية، حاصدًا “سيف الشرف”، وهو أعلى تكريم للمتفوقين. ومنذ ذلك الحين، لم يكن صعوده عاديًا، بل كان مسارًا متدرجًا عبر أخطر الجبهات، خصوصًا على الحدود مع الهند في كشمير وسياشين.
تميّز منير بأنه الضابط الوحيد الذي قاد أهم جهازين استخباريين في البلاد: الاستخبارات العسكرية (MI) ثم جهاز (ISI). هذه التجربة المزدوجة منحته فهمًا عميقًا للدولة من الداخل، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا وأمنيًا.
ورغم أن فترة رئاسته للاستخبارات لم تدم طويلًا، إلا أنها كانت كافية لتكشف عن شخصيته الحازمة، وربما أيضًا لتثير خلافات مع القيادة السياسية آنذاك، خاصة مع عمران خان.
لكن تلك الإقالة، التي بدت ضربة قاسية، تحولت لاحقًا إلى نقطة انطلاق جديدة.
ظل منير تحت ضغط داخلي كبير حتى اندلاع المواجهة مع الهند في مايو 2025. كانت لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقيادته العسكرية، بل لمكانته داخل الدولة.
قاد عملية “البنيان المرصوص” ردًا على الضربات الهندية، ونجح في تحويل المواجهة إلى نقطة تحول في مسيرته. لم تكن الحرب طويلة، لكنها كانت كافية لصناعة بطل قومي.
فجأة، تغيّرت الصورة. من قائد يواجه انتقادات داخلية، إلى رمز وطني. وبلغت ذروة هذا التحول عندما قرر البرلمان ترقيته إلى رتبة “مشير”، ليصبح ثاني شخصية في تاريخ باكستان تنال هذا اللقب.
هذه الترقية لم تكن رمزية فقط، بل كرّست واقعًا جديدًا: منير أصبح الرجل الأقوى في البلاد.
لكن صعود منير لم يتوقف عند الداخل. خارجيًا، بدأ في رسم شبكة علاقات معقدة، كان أبرزها علاقته مع دونالد ترامب.
في خضم التوترات الدولية، نجح منير في تقديم نفسه كشريك استراتيجي لواشنطن، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا. عرض فرص استثمار ضخمة، من المعادن النادرة إلى الطاقة، وفتح الباب أمام تعاون أوسع.
بلغت هذه العلاقة ذروتها عندما أشاد ترامب به علنًا، واصفًا إياه بـ”المارشال العظيم”، في مشهد عكس حجم التقارب غير المسبوق.
هذه “الكيمياء الشخصية” لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تحولت إلى أداة نفوذ أعادت باكستان إلى قلب التوازنات الدولية.
في الجهة المقابلة، لم يكن التعامل مع إيران سهلًا. العلاقة مع طهران معقدة، تحكمها الجغرافيا والحدود والمصالح الأمنية.
منير اختار نهجًا مزدوجًا: ردع حين يلزم، وتهدئة حين تتطلب الظروف. لم يتردد في الرد عسكريًا على أي تهديد، لكنه في الوقت نفسه حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع قيادات إيرانية، من بينها شخصيات بارزة مثل قاسم سليماني وحسين سلامي.
هذا التوازن الدقيق مكّنه لاحقًا من لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، في واحدة من أعقد الملفات الدولية.
أما مع الهند، فالمعادلة مختلفة. الصراع هناك ليس فقط جغرافيًا، بل أيديولوجيًا أيضًا. منير تبنى خطابًا حادًا، مؤكدًا أن كشمير تمثل “شريان حياة” لباكستان، وأن بلاده مستعدة لكل السيناريوهات.
في الداخل، لم يكتفِ منير بالدور العسكري. أعاد تشكيل العلاقة بين الجيش والدولة، مستفيدًا من تعديلات دستورية مددت فترة قيادته ومنحته صلاحيات أوسع.
كما وضع الاقتصاد في قلب استراتيجيته، عبر إطلاق مبادرات لجذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا من دول الخليج والصين. وأعاد إحياء مشاريع استراتيجية مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC).
هذه التحركات لم تكن مجرد إصلاحات، بل كانت جزءًا من رؤية أوسع لتحويل باكستان إلى قوة إقليمية متماسكة.
بحلول عام 2026، لم تعد باكستان ذلك اللاعب الهامشي في السياسة الدولية. بفضل شبكة علاقات منير، وعلاقته المتوازنة مع واشنطن وبكين، وتحركاته في الخليج، عادت إسلام آباد إلى مركز المشهد.
نجح في تحويل بلاده من دولة تدافع عن موقعها، إلى دولة تصنع التوازنات.
وربما هذا هو سر صعوده: ليس فقط كقائد عسكري، بل كمهندس لمرحلة جديدة في تاريخ باكستان.
في عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، يبدو أن عاصم منير لم يكتفِ بمواكبة التحولات، بل قرر أن يكون أحد صانعيها.

في ظل حرب غزة وتداعياتها السياسية والإنسانية المتصاعدة، عاد إلى واجهة النقاش داخل الاتحاد الأوروبي ملف بالغ الحساسية: اتفاقية الشراكة الموقعة مع إسرائيل منذ منتصف التسعينيات، والتي تُعد الإطار الناظم للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين الطرفين. ورغم أن الاتفاقية ظلت لعقود أحد أعمدة التعاون بين الجانبين، فإن التطورات الأخيرة في المنطقة دفعت بعض الدول الأوروبية [...]

في لحظة إقليمية تتداخل فيها الدبلوماسية مع الحسابات الأمنية، يبرز مضيق هرمز مجددًا كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ليس فقط بوصفه ممرًا استراتيجيًا للطاقة العالمية، بل باعتباره أيضًا ورقة ضغط سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى هندسة التوازنات الإقليمية. وتعكس المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وفق تقديرات دبلوماسية ومصادر خليجية، [...]

في منتصف أبريل 2026، عاد اسم منظمة “شورات هادين” إلى واجهة الجدل الدولي بعد إعلانها التقدم بشكوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، متهمة الحكومة الإسبانية بتسهيل تصدير معدات ذات استخدام مزدوج إلى إيران، قالت إنها قد تُستخدم في تصنيع متفجرات. ورغم أن الشكوى لم تُحدث في حد ذاتها تحولًا قانونيًا [...]

لم يكن إعلان الإمارات عن تفكيك تنظيم سري مرتبط بما يُعرف بـ"ولاية الفقيه" مجرد تطور أمني عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الصراعات تُخاض فقط عبر الجيوش أو القنوات الدبلوماسية، بل عبر شبكات معقدة تعمل داخل المجتمعات، وتستهدف إعادة تشكيل الوعي والولاءات. البيان الرسمي أشار إلى أن الخلية كانت [...]

لم يمر إعلان الجيش الإسرائيلي عن ما سماه “الخط الأصفر” داخل جنوب لبنان كحدث عابر في سياق المواجهات الحدودية، بل بدا وكأنه خطوة إضافية في مسار طويل من إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، في ظل تصاعد التوترات الميدانية وتداخل مسارات الحرب والهدنة في المنطقة. فبعد دخول اتفاق التهدئة حيّز التنفيذ، أعلن [...]

في خضم تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تتسارع المواقف الدولية وتتبلور الاصطفافات السياسية، اختارت الصين أن تسلك طريقًا مختلفًا يقوم على الحذر الشديد والابتعاد عن الأضواء. لم يكن هذا الغياب عن المشهد العلني ناتجًا عن ضعف في التأثير أو محدودية في الأدوات، بل جاء نتيجة حسابات دقيقة تعكس فلسفة بكين في إدارة الأزمات [...]