
في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف.
هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات الطاقة العالمية. وبينما تعيش المنطقة على وقع التصعيد العسكري المتواصل، تحولت هاتان المدينتان الساحليتان إلى شريان حياة اقتصادي للإمارات ودول خليجية أخرى وجدت نفسها أمام واقع بحري شديد الهشاشة، بحسب تقرير لرويترز.
في ميناء الفجيرة، كانت الصورة تختصر حجم التحول. سيور ضخمة تنقل الحبوب من سفن الشحن العملاقة، وأنابيب النفط تعمل بأقصى طاقتها لدفع الخام نحو الناقلات الراسية، فيما تصطف مئات الشاحنات المحملة بالبضائع في طوابير طويلة داخل الميناء وخارجه.
أما في عرض البحر، فتقف سفن حاويات عملاقة تحمل أسماء شركات شحن دولية بانتظار دورها للرسو، بينما تتحرك قوارب الخدمة بينها في مشهد يعكس ضغطا غير مسبوق على المرافق اللوجستية في الساحل الشرقي للإمارات.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته الحرب والتوترات التي دفعت الملاحة داخل الخليج إلى حافة الاختناق، بعدما أصبح المرور عبر مضيق هرمز محفوفا بالمخاطر. ومع تعطل أجزاء واسعة من حركة السفن في الموانئ الغربية المطلة على الخليج العربي، وجدت الإمارات نفسها مضطرة للاعتماد بشكل شبه كامل على موانئها الشرقية المطلة مباشرة على بحر العرب.
وخلال أسابيع قليلة فقط، قفزت صادرات النفط الخام عبر الفجيرة بنسبة 38 بالمئة، لتقترب من الحد الأقصى للطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب الذي ينقل نفط أبوظبي بعيدا عن مضيق هرمز.
هذا الخط الاستراتيجي، الممتد من الحقول النفطية الداخلية حتى ساحل الفجيرة، بات يمثل الرئة الأساسية لصادرات الطاقة الإماراتية، إذ يسمح بتجاوز المضيق المهدد باستمرار، والحفاظ على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
لكن التحول الأكبر ظهر في خورفكان.
الميناء الذي كان معروفا تاريخيا كمحطة للشحن العابر، وجد نفسه فجأة يتحول إلى بوابة رئيسية لواردات الإمارات والمنطقة بأكملها. أعداد الحاويات ارتفعت بصورة صادمة، وحركة الشاحنات تضاعفت بشكل غير مسبوق، فيما اضطرت الشركات المشغلة إلى توظيف مئات العمال خلال أيام قليلة فقط لمواكبة الانفجار في الطلب.
شركة “جلفتينر” المشغلة للميناء تحدثت عن قفزة هائلة في عدد الحاويات الأسبوعية، بعدما تحول خورفكان إلى مركز لاستقبال كل شيء، من المواد الغذائية وحتى المستلزمات الطبية.
وتكشف حركة النقل البري حجم الأزمة التي تعيشها المنطقة. قبل الحرب، كانت الشاحنات التي تغادر الميناء يوميا تعد بالعشرات أو المئات، أما اليوم فقد أصبحت بالآلاف، في مؤشر واضح على انتقال جزء ضخم من التجارة الخليجية إلى هذا الممر البحري الجديد.
ورغم هذا الزخم، فإن القلق لا يغيب عن المشهد.
فالضربة الإيرانية الأخيرة التي استهدفت منطقة الفجيرة البترولية أعادت التذكير بحقيقة شديدة الخطورة، وهي أن الموانئ التي أنقذت التجارة الخليجية يمكن أن تتحول بدورها إلى أهداف مباشرة في أي لحظة.
الهجوم الذي أدى إلى اندلاع حريق في منشأة طاقة وإصابة عدد من العمال، لم يكن مجرد حادث عابر، بل رسالة استراتيجية حملت دلالات عميقة بشأن هشاشة البنية التحتية الجديدة التي تعتمد عليها المنطقة.
وقبل ساعات فقط من الضربة، كانت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني تنشر خريطة تظهر توسيع نطاق سيطرتها البحرية باتجاه الساحل الشرقي للإمارات، بما يشمل الفجيرة وخورفكان، في خطوة قرأها مراقبون باعتبارها تحذيرا مباشرا بأن البدائل الخليجية عن مضيق هرمز ليست بعيدة عن مرمى التهديد.
ورغم استمرار العمل في الميناءين دون توقف حتى الآن، فإن شركات الشحن والخدمات اللوجستية تتعامل بحذر شديد مع التطورات المتسارعة.
الازدحام أصبح السمة الأبرز، لكن البدائل تبدو محدودة للغاية.
فالإمارات، بحكم امتلاكها منفذا مباشرا على بحر العرب، تملك ميزة جغرافية لا تتوفر بسهولة لدول خليجية أخرى مثل الكويت وقطر والبحرين، التي ما تزال تعتمد بحريا على المرور عبر مضيق هرمز أو اللجوء إلى النقل البري المكلف عبر السعودية.
حتى السعودية نفسها، التي تمتلك منفذا على البحر الأحمر وخط أنابيب استراتيجيا ينقل النفط إلى ميناء ينبع، لم تكن بمنأى عن المخاطر، بعدما تعرضت منشآت مرتبطة بخطوط الطاقة لهجمات خلال الأشهر الماضية.
كل ذلك جعل من الفجيرة وخورفكان أكثر من مجرد موانئ إماراتية، بل عقدتين محوريتين في شبكة التجارة والطاقة الخليجية بأكملها.
ومع استمرار الأزمة، بدأت الخطط طويلة الأمد تظهر إلى العلن.
هناك مشروع جديد يجري التحضير له بالقرب من خورفكان، يتمثل في إنشاء مركز لوجستي ضخم في منطقة الذيد، يرتبط بالميناء عبر شبكة طرق وسكك حديدية، بهدف تخزين الحاويات والبضائع وإعادة توزيعها داخل الدولة وخارجها.
المشروع، الذي تتجاوز تكلفة مرحلته الأولى 100 مليون دولار، يعكس قناعة متزايدة بأن التحولات الحالية قد لا تكون مؤقتة، وأن خارطة التجارة في الخليج ربما تدخل مرحلة جديدة يعاد فيها رسم طرق الإمداد بعيدا عن النقاط الأكثر خطورة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأصعب بلا إجابة واضحة: هل تستطيع هذه الموانئ الصمود إذا اتسعت دائرة المواجهة في الخليج؟
الإجابة تبدو معلقة بين قدرة المنطقة على حماية شرايينها الاقتصادية، وبين احتمالات التصعيد التي قد تجعل حتى البدائل الآمنة نسبيا أهدافا مباشرة للصراع.
وفي عالم يعتمد على تدفق النفط والبضائع دون توقف، تبدو الفجيرة وخورفكان اليوم وكأنهما يقفان على خط التماس بين التجارة والحرب، بين الازدهار والخطر، وبين الاستقرار الاقتصادي واحتمالات الانفجار الكبير.

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]