
لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد.
فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة والاستثمارات الاقتصادية والمساعدات الإنسانية، إلى لاعب إقليمي يمتلك حضورًا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا مباشرًا في ملفات عربية حساسة، من اليمن وليبيا إلى السودان وسوريا والقرن الأفريقي.
هذا التحول لم يكن منفصلًا عن الزلازل السياسية التي ضربت المنطقة منذ عام 2011، حين دخل العالم العربي مرحلة غير مسبوقة من السيولة السياسية والأمنية، مع سقوط أنظمة وصعود قوى جديدة وتراجع سلطة الدولة الوطنية في عدد من البلدان.
ورغم أن الإمارات ليست الدولة العربية الأكبر سكانًا، فإنها استطاعت خلال أقل من عقدين أن تتحول إلى واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في الشرق الأوسط. ويبلغ عدد سكان الدولة أكثر من 11 مليون نسمة، يشكل الوافدون الأجانب نحو 90 في المئة منهم، في واحدة من أكثر التركيبات السكانية خصوصية في المنطقة.
كما تستند أبوظبي إلى قوة اقتصادية ضخمة، إذ يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي نصف تريليون دولار، فيما يُعد متوسط دخل الفرد من الأعلى عالميًا. ورغم استمرار النفط كركيزة أساسية للاقتصاد، نجحت الإمارات في بناء نموذج اقتصادي متنوع يعتمد على التجارة الدولية والطيران والسياحة والخدمات المالية والموانئ والتكنولوجيا.
هذا الثقل الاقتصادي منحها قدرة واسعة على توسيع نفوذها السياسي والاستثماري خارج حدودها، وجعلها لاعبًا حاضرًا في ملفات الموانئ والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية.
ويقول خبير عربي في العلاقات الدولية إن “الإمارات لم تعد تتحرك بوصفها دولة خليجية صغيرة تعتمد فقط على القوة الاقتصادية، بل باعتبارها قوة إقليمية تسعى إلى صياغة بيئة سياسية وأمنية تتوافق مع تصورها الخاص للاستقرار”. ويضيف أن “التحولات التي شهدتها المنطقة بعد 2011 دفعت أبوظبي إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة والتأثير المباشر”.
عُرفت الإمارات منذ تأسيسها عام 1971 على يد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بسياسة خارجية متوازنة قائمة على التهدئة وبناء الجسور. وأسهمت لعقود في الوساطات العربية والعمل الإنساني والتنمية الاقتصادية، كما لعبت دورًا مهمًا في تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981.
لكن رياح “الربيع العربي” غيّرت كثيرًا من الحسابات الإقليمية. فصعود جماعات الإسلام السياسي، خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، إلى السلطة أو إلى مواقع متقدمة في مصر وتونس وليبيا واليمن، دفع أبوظبي إلى تبني مقاربة أكثر صرامة تجاه ما اعتبرته تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة الوطنية.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت السياسة الخارجية الإماراتية تتحول تدريجيًا من الدبلوماسية التقليدية إلى سياسة أكثر حضورًا وتأثيرًا في الملفات الإقليمية، قائمة على إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
ويرى الخبير العربي أن “ما بعد 2011 مثّل لحظة إعادة تعريف شاملة لمفهوم الاستقرار العربي. بعض الدول رأت في التغيير فرصة سياسية، بينما اعتبرت دول أخرى أن بقاء الدولة ومؤسساتها أولوية مطلقة حتى لو تطلب الأمر تدخلًا إقليميًا مباشرًا”.
مثّلت مصر نقطة التحول الكبرى في إعادة رسم التحالفات العربية. فبعد وصول الرئيس الراحل محمد مرسي، المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين، إلى الحكم عام 2012، دخلت العلاقات المصرية الإماراتية مرحلة من التوتر غير المعلن.
ورأت الإمارات، إلى جانب السعودية، أن صعود الإخوان يمثل تحولًا استراتيجيًا قد يهدد توازنات المنطقة بأكملها. لذلك دعمت بقوة التغيير السياسي الذي قاده عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013.
ومنذ ذلك الحين، تشكل محور إقليمي جديد يقوم على مواجهة الإسلام السياسي، وأصبح أحد أهم محددات السياسة الإقليمية الإماراتية.
هذا الاصطفاف خلق أيضًا انقسامًا عربيًا واضحًا، خصوصًا مع قطر وتركيا، اللتين دعمتا قوى الإسلام السياسي في المنطقة.
بلغ هذا الانقسام ذروته عام 2017 عندما أعلنت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر مقاطعة قطر، متهمة الدوحة بدعم جماعات متطرفة والتقارب مع إيران.
ورغم انتهاء الأزمة رسميًا باتفاق العلا عام 2021، فإنها كشفت حجم التحولات داخل البيت الخليجي، وأظهرت أن الخلافات لم تعد مرتبطة فقط بالسياسات الآنية، بل بتصورات متناقضة حول مستقبل المنطقة وطبيعة التحالفات المطلوبة.
فالإمارات كانت ترى أن مواجهة الإسلام السياسي أولوية أمنية، بينما اعتبرت قطر أن دعم بعض الحركات السياسية جزء من سياسة إقليمية أكثر انفتاحًا.
في اليمن، ظهرت التناقضات بصورة أكثر تعقيدًا. فقد انضمت الإمارات عام 2015 إلى التحالف العسكري الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، بهدف دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تظهر اختلافات جوهرية بين أبوظبي والرياض بشأن مستقبل اليمن وأولويات الحرب.
ففي حين ركزت السعودية على دعم الحكومة المركزية، اتجهت الإمارات إلى دعم قوى جنوبية وتشكيلات محلية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز الفاعلين في جنوب اليمن.
كما عززت أبوظبي حضورها في الموانئ والمناطق الساحلية، ضمن رؤية أوسع ترتبط بأمن الملاحة البحرية وخطوط التجارة الدولية.
وتحولت الحرب تدريجيًا من مواجهة مع الحوثيين فقط إلى ساحة تنافس نفوذ داخل المعسكر الواحد، خصوصًا بعد الاتهامات المتعلقة بدعم الانفصاليين الجنوبيين وإدارة تشكيلات أمنية مستقلة عن الحكومة اليمنية.
في ليبيا، دعمت الإمارات المشير خليفة حفتر في مواجهة حكومة طرابلس السابقة المدعومة من تركيا وقطر.
وبررت أبوظبي هذا الدعم بضرورة مواجهة التنظيمات المتشددة والجماعات الإسلامية المسلحة، لكن خصومها اعتبروا أن التدخل الإماراتي يتجاوز البعد الأمني إلى محاولة إعادة تشكيل السلطة الليبية بما يضمن وجود حليف استراتيجي في شمال أفريقيا.
وأصبحت ليبيا واحدة من أبرز ساحات الصراع الإقليمي، حيث تداخلت الحسابات العربية مع المصالح الدولية والطاقة والنفوذ العسكري.
ورغم الخلافات السياسية والأمنية بين الإمارات وإيران، فإن العلاقة بين البلدين بقيت شديدة التعقيد.
فالإمارات تطالب بالسيادة على الجزر الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، كما تشارك دول الخليج مخاوفها من النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن في المقابل، تُعد الإمارات من أكبر الشركاء التجاريين لإيران، خصوصًا عبر دبي التي تحولت إلى مركز اقتصادي رئيسي للتجارة الإيرانية.
هذه العلاقة كشفت عن براغماتية إماراتية واضحة تقوم على الفصل النسبي بين التنافس السياسي والمصالح الاقتصادية.
ويقول الخبير العربي إن “الاقتصاد أصبح جزءًا أساسيًا من أدوات النفوذ الإقليمي، ولم تعد العلاقات تُدار فقط بمنطق التحالفات السياسية، بل عبر شبكات معقدة من المصالح التجارية والاستثمارية”.
شكّل توقيع الإمارات على “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 نقطة تحول استراتيجية في المنطقة.
فالتطبيع مع إسرائيل لم يكن مجرد اتفاق دبلوماسي، بل عكس رؤية جديدة للتحالفات الإقليمية تقوم على الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن ومواجهة التهديدات المشتركة.
وبررت الإمارات الاتفاق بأنه يهدف إلى وقف ضم الأراضي الفلسطينية والحفاظ على حل الدولتين، لكن الخطوة أثارت انتقادات واسعة في الشارع العربي، خصوصًا مع استمرار الحرب في غزة.
ومع ذلك، واصلت العلاقات الإماراتية الإسرائيلية توسعها اقتصاديًا وتجاريًا، ما عكس تحولًا أعمق في شكل التحالفات داخل الشرق الأوسط.
في الملف السوري، كانت الإمارات من أوائل الدول العربية التي أعادت فتح سفارتها في دمشق عام 2018، ثم لعبت دورًا بارزًا في إعادة سوريا إلى الجامعة العربية.
ورأت أبوظبي أن سياسة العزل لم تعد مجدية، وأن إعادة دمج دمشق عربيًا أفضل من استمرار تركها بالكامل ضمن النفوذ الإيراني.
لكن هذا المسار أثار تباينات مع دول عربية أخرى كانت ترى أن التطبيع مع النظام السوري يجب أن يسبقه حل سياسي شامل.
في السنوات الأخيرة، توسع النفوذ الإماراتي في السودان والقرن الأفريقي بصورة كبيرة، خصوصًا في مجالات الموانئ والبنية التحتية والطاقة.
لكن الحرب السودانية الأخيرة وضعت أبوظبي في قلب اتهامات مباشرة بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما نفته الإمارات رسميًا.
كما دخلت العلاقات مع الصومال مرحلة توتر بعد خلافات حول الموانئ واتفاقيات “أرض الصومال”، وسط اتهامات للحكومة الإماراتية بالسعي إلى توسيع نفوذها البحري في البحر الأحمر وخليج عدن.
ويؤكد الخبير العربي أن “القرن الأفريقي أصبح امتدادًا مباشرًا للأمن القومي الخليجي، لأن السيطرة على الموانئ والممرات البحرية باتت جزءًا من معادلة النفوذ في الشرق الأوسط”.
تُعد الجزائر من أكثر الدول العربية التي شهدت علاقتها بالإمارات توترًا خلال السنوات الأخيرة.
فالجزائر تنظر بقلق إلى التحركات الإماراتية في ليبيا ومنطقة الساحل، كما تتحفظ على التقارب الإماراتي الإسرائيلي ودور أبوظبي في بعض الملفات المغاربية.
وفي المقابل، ترى الإمارات أن التحولات الإقليمية تتطلب مقاربات أكثر براغماتية ومرونة، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية.
هذا التباين يعكس اختلافًا أعمق بين نموذجين في إدارة السياسة الخارجية: نموذج يقوم على الحذر وعدم التدخل، وآخر يقوم على الحضور المباشر وصناعة التوازنات.
في المحصلة، فإن ما يحدث بين الإمارات وبعض الدول العربية ليس مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل انعكاس لتحولات عميقة يعيشها النظام العربي منذ أكثر من عقد.
فالمنطقة لم تعد تعمل وفق الاصطفافات التقليدية، بل وفق شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والتحالفات الأمنية والتنافس على النفوذ.
وفي قلب هذه التحولات، تحاول الإمارات تثبيت نفسها كقوة إقليمية مؤثرة تمتلك مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا متكاملًا، مستفيدة من قوتها المالية وشبكاتها الاستثمارية وتحالفاتها الدولية.
لكن هذا الدور المتصاعد وضعها أيضًا في مواجهة مباشرة مع حساسيات عربية معقدة، وجعلها طرفًا حاضرًا في معظم أزمات المنطقة، سواء باعتبارها وسيطًا أو شريكًا أو خصمًا سياسيًا.
ويخلص الخبير العربي إلى أن “الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل مفتوحة لم تكتمل ملامحها بعد. وفي مثل هذه المراحل تصبح العلاقات أكثر مرونة، لكنها أيضًا أكثر هشاشة، لأنها تُبنى على توازنات متحركة لا على قواعد مستقرة”.
وفي ظل استمرار التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، تبدو العلاقات العربية مرشحة لمزيد من التغير، بينما يبقى السؤال الأهم: هل تنجح المنطقة في إنتاج نظام إقليمي أكثر استقرارًا، أم أن صراعات النفوذ ستظل تحكم المشهد العربي لسنوات طويلة مقبلة؟
لندن – حسام نديم الراوي

أثار استهداف إيران لمنطقة الفجيرة في دولة الإمارات، يوم الاثنين 4 مايو/أيار، وما ترتب عليه من إصابات واندلاع حرائق في منشآت حيوية مخصصة لتزويد السفن بالوقود، موجة واسعة من التساؤلات حول الدلالات الاستراتيجية لاختيار هذا الموقع تحديدًا، خاصة وأنه تزامن مع تحركات عسكرية أمريكية في محيط مضيق هرمز، إضافة إلى محاولات لمنع سفن حربية من [...]

يُعد الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد أبرز مظاهر التحالفات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل خريطة الأمن في أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية، حيث يعود هذا الوجود إلى عام 1945، عقب استسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما دخلت القوات الأمريكية البلاد ضمن قوات الحلفاء المنتصرة. في ذلك الوقت، بلغ عدد الجنود الأمريكيين في [...]

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، برزت خطوة الإمارات العربية المتحدة بطلب سداد فوري لنحو 3.5 مليارات دولار من باكستان بوصفها حدثًا يتجاوز دلالاته المالية المباشرة، ليكشف عن تحولات أعمق في بنية العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. فبينما بدت الخطوة، في ظاهرها، إجراءً ماليًا سياديًا، فإن توقيتها وسياقها السياسي يشيان بأنها رسالة متعددة الاتجاهات، [...]

في لحظة سياسية مشحونة، حيث تتعثر مسارات التفاوض وتتشابك المصالح الدولية، اتجهت إيران نحو موسكو في محاولة لكسر الجمود الذي يخيّم على علاقتها مع الولايات المتحدة. لم يكن هذا التحرك مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة محسوبة في توقيت بالغ الحساسية، تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية لإعادة تحريك المياه الراكدة. فبعد [...]

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما [...]

في ظل حرب غزة وتداعياتها السياسية والإنسانية المتصاعدة، عاد إلى واجهة النقاش داخل الاتحاد الأوروبي ملف بالغ الحساسية: اتفاقية الشراكة الموقعة مع إسرائيل منذ منتصف التسعينيات، والتي تُعد الإطار الناظم للعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين الطرفين. ورغم أن الاتفاقية ظلت لعقود أحد أعمدة التعاون بين الجانبين، فإن التطورات الأخيرة في المنطقة دفعت بعض الدول الأوروبية [...]