
لندن – أنس محمد العريقي
لم يعد التصعيد الأخير في اليمن مجرد جولة جديدة بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، بل بدأ يأخذ شكلًا أكثر اتساعًا، بعدما انتقلت العمليات من الضغط على الجبهات الداخلية إلى التقدم على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
فسيطرة الحوثيين على مدينة المخا ووصول عملياتهم إلى جزر حنيش ودفع القوات الحكومية وحلفائها نحو منطقة ذباب، وفق مصادر يمنية نقلت عنها «رويترز»، تعني أن المعركة تقترب جغرافيًا من باب المندب، من دون أن يعني ذلك أن الجماعة باتت تسيطر على المضيق نفسه.
وهنا تكمن أهمية التطور: الجغرافيا التي كانت تمنح السعودية طريقًا بديلًا لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز قد تتحول إلى نقطة ضغط جديدة عليها.
قد لا تكون المخا، من حيث حجمها، أهم مدينة يمنية، لكن موقعها يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية واستراتيجية.
فالمدينة تقع على الساحل الغربي لليمن، وعلى مسافة تقارب 80 كيلومترًا من باب المندب، وفق «أسوشيتد برس». والممر يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ما يجعل التقدم جنوبًا باتجاه ذباب والمناطق والجزر المحيطة بالمضيق أكثر أهمية من السيطرة على مدينة ساحلية بحد ذاتها.
وتقول «رويترز» إن الحوثيين وصلوا إلى جزر حنيش، فيما دفعت العمليات القوات الحكومية وحلفاءها نحو ذباب، الواقعة مباشرة على المضيق مقابل جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون.
وهذا لا يعني أن الحوثيين باتوا يملكون المضيق، لكنه يعني أنهم أصبحوا في وضع جغرافي أفضل لتهديد حركة السفن إذا استمرت العمليات جنوبًا.
تكمن حساسية التطور بالنسبة للسعودية في أن البحر الأحمر ليس مجرد ممر تجاري، بل يمثل أحد المسارات التي يمكن للمملكة استخدامها لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز.
ومع استمرار الاضطرابات في هرمز، ارتفعت أهمية ميناء ينبع بوصفه منفذًا على البحر الأحمر يمكن من خلاله تحميل النفط بعيدًا عن المضيق.
وتشير بيانات تتبع الناقلات التي أوردتها «رويترز» إلى أن تحميلات الخام والمكثفات السعودية من ينبع ارتفعت في سبتمبر مقارنة بأغسطس، مع اختلاف واضح بين تقديرات شركتي Kpler وVortexa. وبلغت تقديرات Vortexa نحو 3.7 مليون برميل يوميًا في سبتمبر مقابل 3.2 مليونًا في أغسطس، بينما قدرت Kpler سبتمبر بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا مقابل 1.5 مليون في أغسطس.
وبالتالي، فإن اتساع قدرة الحوثيين على الضغط على الساحل الغربي لليمن لا يهدد السعودية عسكريًا فقط، بل يمكن أن يضع مسارًا بديلًا للطاقة أمام اختبار أمني جديد.
وهنا تتغير المعادلة: هرمز يضغط على صادرات الخليج، وباب المندب يمكن أن يضغط على أحد المسارات التي تستخدمها السعودية لتجاوز هرمز.
أحد أهم الأخطاء في قراءة التطورات الحالية هو افتراض أن الهدف الحوثي المباشر هو إغلاق باب المندب.
المعطيات الحالية لا تثبت ذلك. بل إن المتحدث باسم الحوثيين محمد عبدالسلام قال إن حرية الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب آمنة، وإن عمليات الجماعة تستهدف جهات محددة، مع استمرار استثناء السفن السعودية من ذلك، بحسب «رويترز».
لكن من الناحية الاستراتيجية، ليس من الضروري السيطرة الكاملة على المضيق حتى تصبح الجماعة قادرة على التأثير في حركة الملاحة.
يكفي أن تصبح المنطقة المحيطة به ساحة عمليات عسكرية غير مستقرة، وأن تضطر السفن وشركات التأمين إلى إعادة حساب المخاطر والمسارات والتكاليف. وهذا هو جوهر المسألة.
ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر يأتي في لحظة شديدة الحساسية لسوق الطاقة. فأسعار النفط ارتفعت اليوم بأكثر من 5%، ووصل خام برنت إلى 107.08 دولار للبرميل، وفق «رويترز»، في ظل تصاعد المخاوف من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة وحركة الناقلات. لكن من الخطأ تحميل التصعيد اليمني وحده مسؤولية الارتفاع؛ فالسوق يتأثر في الوقت نفسه باضطرابات مضيق هرمز والحرب الأوسع في المنطقة.
ومع ذلك، فإن التطورات في اليمن تضيف طبقة جديدة من المخاطر:
إذا أصبح هرمز أكثر صعوبة، ثم أصبح البحر الأحمر أكثر خطورة، فإن هامش المناورة أمام أسواق الطاقة يتقلص.
وهذا ما يجعل اليمن جزءًا من معادلة الطاقة العالمية، وليس مجرد أزمة أمنية محلية.
يصعب اختزال التحرك الحوثي في هدف واحد. فمن ناحية، تبدو الجماعة مهتمة بتوسيع نفوذها العسكري والسياسي داخل اليمن.
ومن ناحية أخرى، يمنحها الساحل الغربي أدوات ضغط مختلفة عن تلك التي تمتلكها في الداخل، خصوصًا مع قربه من طرق الملاحة الدولية.
كما أن ربط عمليات الحوثيين بالتصعيد الإقليمي الأوسع يجعل اليمن ساحة يمكن من خلالها الضغط على السعودية والولايات المتحدة في الوقت نفسه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل قرار حوثي يصدر مباشرة من طهران.
تصف تقارير دولية الحوثيين بأنهم جماعة مدعومة أو متحالفة مع إيران، لكن مسألة مستوى السيطرة الإيرانية المباشرة على قراراتهم أكثر تعقيدًا.
فقد نقلت «رويترز» عن مصادر إيرانية روايات متباينة بشأن العلاقة؛ إذ قال مسؤول إيراني إن طهران لا تسيطر على الحوثيين، بينما تحدثت مصادر إيرانية أخرى عن دعم إضافي بالتمويل والأسلحة، بل وعن دور في تنسيق بعض العمليات. وهذه الروايات المتعارضة تجعل من الصعب الجزم بأن كل خطوة عسكرية حوثية هي قرار إيراني مباشر.
ولهذا فإن الوصف الأكثر دقة هو أن إيران تمثل داعمًا استراتيجيًا مهمًا للحوثيين، مع بقاء مساحة من الاستقلالية في القرار الحوثي.
وهذه نقطة مهمة لفهم المرحلة المقبلة؛ لأن مساحة القرار المستقل للحوثيين قد تكون أكبر مما توحي به القراءة المبسطة للصراع باعتباره مواجهة مباشرة بين الرياض وطهران.
السعودية تواجه الآن معادلة صعبة. فالرد العسكري القوي قد يرفع تكلفة التصعيد ويدفع الحوثيين إلى توسيع عملياتهم البحرية والصاروخية، بينما يمكن أن يؤدي ضبط الرد إلى تشجيع الجماعة على استثمار مكاسبها الجغرافية الجديدة.
وفي الوقت نفسه، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل الوضع العسكري في الساحل الغربي لليمن ستكون أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ ضربات جوية.
المطلوب سيكون منع الحوثيين من تحويل المكاسب الميدانية إلى قدرة بحرية مستدامة.
وهذا يفسر أهمية المخا وذباب وجزر حنيش أكثر من أهمية المدن نفسها.
دخلت باكستان أيضًا في الحسابات الجديدة بعدما نقلت «رويترز» أن إسلام آباد وجهت تحذيرًا إلى إيران بشأن هجمات الحوثيين على السعودية.
لكن من المهم عدم المبالغة في هذه الخطوة. فباكستان قالت اليوم إنه لا توجد مناقشات بشأن رد عسكري مباشر في الوقت الراهن، رغم تأكيدها أنها ستتصرف عندما يحين الوقت، وفق التزامات اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية وتركيا. وينص الاتفاق الموقع الشهر الماضي على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا.
وبالتالي، فإن وجود اتفاق دفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا لا يعني تلقائيًا دخول القوات الباكستانية الحرب في اليمن.
الرسالة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة ردع وضغط دبلوماسي قبل الانتقال إلى خيارات أكثر صعوبة.
التطور الأهم ليس أن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا. الأهم أن الجبهة اليمنية بدأت تقترب من نقطة التقاء ثلاثة ملفات كانت تبدو منفصلة: الحرب الإقليمية، وأمن الملاحة، وأمن الطاقة.
وهذه النقطة هي التي تجعل التصعيد الحالي مختلفًا عن جولات سابقة. ففي السابق كان بالإمكان النظر إلى الهجمات الحوثية باعتبارها جزءًا من الصراع اليمني أو الإقليمي.
أما الآن، فإن أي تقدم إضافي جنوبًا أو أي قدرة أكبر على تهديد السفن قد يؤثر في حسابات شركات النقل والتأمين والطاقة، خصوصًا إذا استمر اضطراب هرمز بالتوازي.
بمعنى آخر: التهديد لم يعد أن تصل الحرب إلى البحر؛ بل أن يصبح البحر نفسه جزءًا من الحرب.
الأول: احتواء التصعيد
تتوقف العمليات عند حدود المكاسب الحالية، وتتحرك السعودية والقوى اليمنية وحلفاؤها لمنع تحول الساحل إلى جبهة مفتوحة، مع إبقاء باب المفاوضات قائمًا. وهذا هو السيناريو الأقل تكلفة إقليميًا.
الثاني: حرب ساحلية مفتوحة
تستمر القوات الحوثية في التقدم جنوبًا، بينما تعيد القوات الحكومية وحلفاؤها تنظيم صفوفها لوقف التوسع.
في هذه الحالة قد تتحول المخا وذباب ومحيط باب المندب إلى مركز صراع رئيسي، مع ارتفاع مخاطر الملاحة.
الثالث: تدويل الأزمة
إذا ارتفعت الهجمات على السفن أو اتسعت دائرة الاستهداف، فقد تدخل قوى دولية بشكل مباشر لحماية الملاحة.
وهنا تصبح الأزمة اليمنية جزءًا من أزمة أمن بحري دولية، لا مجرد حرب بين أطراف يمنية.
المخا ليست مجرد مدينة سقطت في خريطة الحرب اليمنية. قيمتها الحقيقية تكمن في موقعها.
فكلما تحرك الحوثيون جنوبًا على الساحل الغربي، اقتربت الحرب من باب المندب، وكلما ارتفعت المخاطر حول باب المندب، تقلصت قدرة السعودية على الاعتماد بأمان على البحر الأحمر كمسار بديل في ظل اضطرابات هرمز.
ولهذا فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: هل يسيطر الحوثيون على باب المندب؟
بل: إلى أي مدى يستطيعون جعل الاقتراب منه ورقة ضغط على السعودية والملاحة والطاقة العالمية؟
وهنا تحديدًا قد تكون معركة اليمن قد دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تقاس فيها المكاسب بعدد المدن التي تسقط، وإنما بالممرات الاستراتيجية التي يمكن تهديدها.

دخلت التطورات العسكرية على الساحل الغربي لليمن مرحلة أكثر حساسية، بعدما سيطر الحوثيون على مدينة المخا وتقدموا جنوبًا على ساحل البحر الأحمر، وصولًا إلى منطقة ذُباب المطلة مباشرة على مضيق باب المندب، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر عسكرية في الحكومة اليمنية. ويأتي هذا التقدم في وقت يشهد فيه البحر الأحمر اضطرابًا متزايدًا، بينما [...]

اليمن – أنس محمد العريقي لم تعد اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط محصورة في مضيق واحد. ففي وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، تصاعدت المخاطر على الساحل الغربي لليمن بعد سيطرة جماعة الحوثيين على مدينة وميناء المخا، قرب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن. وتضع [...]

الجزائر – أنس بن عيسى لم تأتِ القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في 10 سبتمبر 2026 من فراغ، كما أنها، وفق ما أعلنته الجزائر، لم تأتِ ردًا على حادثة واحدة جرى تحديدها علنًا باعتبارها السبب المباشر. فقد جاءت في نهاية مسار طويل من التباعد السياسي، اتسعت خلاله مساحة الاختلاف حول عدد من الملفات الإقليمية، قبل [...]

لندن – ماهر محمد علي لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق جيوسياسية في قلب الخليج، بل تحول إلى عامل اقتصادي عالمي يضغط على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والأسواق، مع استمرار اضطراب حركة الملاحة وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. وبحلول الخميس، واصل خام برنت التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، مرتفعًا إلى نحو 102.15 [...]

لندن – موسى مهدي لم يعد الحديث عن استعادة صنعاء مجرد شعار سياسي ترفعه الحكومة اليمنية، بعدما أعلن مساعد وزير الدفاع للتعاون الدولي اللواء الركن سمير الصبري أن قرار تحرير العاصمة اتُّخذ، وأن القوات الحكومية رفعت جاهزيتها للحسم. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار قد اتُّخذ، بل ما إذا كانت القوات التي أظهرت [...]

أبوظبي – محمد فال معاوية في السياسة الدولية، لا تُقرأ الزيارات الرسمية من خلال جدول اللقاءات المعلن فقط، بل من خلال اللحظة التي تأتي فيها، والمصالح التي تتقاطع حولها، وما يمكن أن تتركه من أثر في العلاقة بين الدول. زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا في سبتمبر 2026 تأتي [...]