
لندن – موسى مهدي
لم يعد الحديث عن استعادة صنعاء مجرد شعار سياسي ترفعه الحكومة اليمنية، بعدما أعلن مساعد وزير الدفاع للتعاون الدولي اللواء الركن سمير الصبري أن قرار تحرير العاصمة اتُّخذ، وأن القوات الحكومية رفعت جاهزيتها للحسم.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار قد اتُّخذ، بل ما إذا كانت القوات التي أظهرت تحسنًا في إدارة المعارك خلال الأشهر الأخيرة قادرة فعلًا على تحويل هذا التحسن إلى حملة طويلة ومعقدة تنتهي عند صنعاء؟
الفارق كبير بين استعادة مواقع على جبهات متفرقة وبين اختراق منظومة عسكرية وأمنية بناها الحوثيون حول العاصمة طوال أكثر من عقد.
وبين المرحلتين توجد سلسلة من الاختبارات: توحيد القيادة، وتأمين الإمدادات، والحفاظ على التفوق الناري، وتدوير القوات، والتعامل مع الجغرافيا الجبلية، وتحمل رد حوثي قد يمتد إلى العمق السعودي.
لهذا، فإن معركة صنعاء، إذا بدأت فعلًا، لن تكون اختبارًا للقوات اليمنية وحدها، بل لاستعداد السعودية لتحمل كلفة حرب جديدة، ولقدرة المعسكر المناهض للحوثيين على العمل كقوة أكثر تماسكًا، ولقدرة الحوثيين على الصمود عندما تنتقل المعركة من خطوط التماس إلى قلب مناطق نفوذهم.
شهد عام 2026 تحولًا مهمًا في مسار القوات الحكومية. فقد بدأت عملية لإعادة تنظيم وتسليح وتوحيد القوى الموجودة في مناطق الحكومة، بالتوازي مع دعم سعودي مالي وعسكري واسع.
وفي فبراير، أفادت رويترز بأن الرياض خصصت نحو 3 مليارات دولار خلال 2026 لرواتب القوات وموظفي الدولة، بينها قرابة مليار دولار لمقاتلين جنوبيين كانت الإمارات تمولهم، في إطار إعادة ترتيب النفوذ والبنية الأمنية والعسكرية في المناطق الخاضعة للحكومة.
لكن هذه الأرقام لا تعني وحدها أن جيشًا موحدًا قد تشكل.
المشكلة اليمنية لم تكن في عدد المقاتلين فقط، بل في تعدد مراكز القوة والقيادة والهياكل العسكرية. ولذلك فإن عمليات التسجيل البيومتري وربط الرواتب بسجلات أكثر انتظامًا تمثل جزءًا من معركة مختلفة: تحويل كتلة بشرية كبيرة إلى قوة يمكن قيادتها وتحريكها وقياس قدرتها الحقيقية.
وتشير دراسات مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن إعادة الهيكلة والدعم السعودي يمثلان جزءًا من محاولة بناء منظومة أمنية وعسكرية أكثر مركزية، فيما تناول المركز أيضًا مشروع الهوية البيومترية باعتباره عنصرًا مرتبطًا بالإدارة العسكرية والأمنية والقدرة على ضبط البيانات.
لكن الصورة الإيجابية تصطدم بتناقض مهم.
ففي بعض الجبهات، ما زالت القدرات متفاوتة، كما أن أرقام القوة البشرية المتداولة تعكس في جزء منها حجم القوائم المسجلة أكثر مما تعكس عدد المقاتلين القادرين على دخول معركة هجومية طويلة.
وهنا تكمن المسافة بين القدرة على الدفاع والهجوم المضاد وبين القدرة على شن حرب حاسمة.
قدمت معارك الأيام الأخيرة مؤشرًا مهمًا على تغير مستوى المواجهة.
فالقوات الحكومية المدعومة سعوديًا شنت هجومًا متعدد المحاور على مواقع حوثية، مع تقدم في الجوف ومواجهات في تعز ومناطق أخرى، في وقت أعلنت فيه الرياض أن التصعيد الحوثي ضد السعودية يمثل تحولًا خطيرًا.
وفي الجوف، تزامنت العمليات البرية مع ضربات جوية، فيما امتدت المواجهات إلى أكثر من جبهة. كما شهدت جبهات غرب تعز والساحل تصعيدًا عسكريًا أدى إلى خسائر كبيرة.
هذه التطورات تعني أن القوات الحكومية أصبحت أكثر قدرة على الاستجابة، ونقل التعزيزات، وفتح أكثر من محور، والاستفادة من الإسناد الجوي.
لكنها لا تجيب بعد عن السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما تصبح القوات المهاجمة هي التي تتحمل عبء المبادرة لأسابيع أو أشهر؟
فالحرب الهجومية تستهلك الذخيرة والوقود وقطع الغيار والقوة البشرية بوتيرة أعلى بكثير من عمليات الدفاع أو استعادة المواقع المحدودة.
ولا توجد حتى الآن أرقام علنية موثوقة تسمح بقياس حجم المخزون المتاح أو معدل الاستهلاك اليومي أو الاحتياط القابل للتدوير.
وهذه ليست تفاصيل لوجستية هامشية؛ إنها قد تكون العامل الذي يحدد ما إذا كان الهجوم سيتحول إلى زخم مستدام أم اندفاعة قصيرة تنتهي عند أول خط دفاعي كبير.
المسار الأكثر مباشرة نحو العاصمة يمر من مأرب عبر صرواح ونهم، لكنه ليس بالضرورة المسار الوحيد الذي يمكن أن يحدد نتيجة المعركة.
الجوف يمنح القوات الحكومية إمكانية الضغط من الشرق والشمال الشرقي وإجبار الحوثيين على توزيع احتياطهم. والبيضاء يمكن أن تفتح ضغطًا باتجاه ذمار والعمق الجنوبي للعاصمة، بينما تستطيع جبهات تعز والضالع والساحل الغربي استنزاف جزء من القوة الحوثية ومنع تركيزها على المحاور الأقرب إلى صنعاء.
لكن توسيع الجبهات يحمل مفارقة عسكرية.
كلما زادت محاور الهجوم، زادت الحاجة إلى قوات أكبر لحمايتها وتأمين خطوط إمدادها.
وهذا يعني أن نجاح القوات الحكومية في فتح عدة جبهات لا يتحول تلقائيًا إلى ميزة إذا لم يكن لديها احتياط كافٍ للحفاظ على هذه الجبهات وتدوير وحداتها.
أما مأرب، فتظل نقطة ارتكاز مهمة. وأي تقدم منها باتجاه نهم سيحتاج إلى حماية المعسكرات الخلفية وخطوط الإمداد، لا مجرد تجاوز المواقع الأمامية.
وعند الانتقال إلى المرتفعات المحيطة بصنعاء، تتغير طبيعة الحرب بالكامل.
تضيق مساحات المناورة، وتزداد أهمية الجبال والممرات ونقاط الاختناق، بينما تصبح الألغام والتحصينات والقدرة على إخفاء القوات والأسلحة عوامل أكثر تأثيرًا من سرعة التقدم على الأرض.
المشكلة في الحديث عن استعادة صنعاء أن العاصمة ليست مجرد مدينة كبيرة تنتظر قوة عسكرية للوصول إليها.
إنها مركز منظومة أمنية وعسكرية وسياسية بناها الحوثيون على مدى سنوات.
وتشير دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحوثيين وسعوا منذ سنوات إنشاء منشآت عسكرية تحت الأرض، بما في ذلك إعادة تأهيل منشآت تابعة للجيش اليمني السابق، وبناء منشآت جديدة. ورصدت الدراسة أعمالًا في موقع جبل عطان داخل صنعاء، وهو موقع كان مرتبطًا سابقًا بقاعدة لصواريخ سكود.
هذه البنية تعني أن التفوق الجوي وحده لن يكون كافيًا، وأن تقدم القوات البرية قد لا يؤدي بالضرورة إلى شل القيادة الحوثية.
بل إن خبرة الحوثيين الطويلة في مواجهة الغارات تمنحهم قدرة على توزيع المنشآت والقيادات وإبقاء بعض الوحدات قادرة على العمل حتى في حال تعرض مراكز القيادة المعروفة للضرب.
وهنا تصبح المعركة مختلفة عن معارك الجبهات المفتوحة.
فالقوات الحكومية تحتاج إلى احتلال الأرض، بينما يحتاج الحوثيون إلى منع انهيار منظومتهم.
وهذا يمنح الطرف المدافع أفضلية نسبية كلما طال أمد القتال داخل البيئة الجبلية والعمرانية.
تغري المقارنة بين اليمن وسوريا، خصوصًا بعد الانهيار السريع لقوات النظام السوري في ديسمبر 2024.
لكن هذه المقارنة، رغم جاذبيتها، قد تكون مضللة.
فانهيار جيش بشار الأسد جاء نتيجة تزامن عدة عوامل: ضعف الرواتب والمعنويات، تراجع القدرة على تنفيذ الأوامر، فرار وحدات، وتراجع الدعم الخارجي في اللحظة الحاسمة، مقابل وجود قوة معارضة طورت لسنوات آليات تنسيق وغرفة عمليات موحدة.
أما الحوثيون، فلا تبدو منظومتهم حتى الآن في الوضع نفسه.
الجماعة ما زالت قادرة على التعبئة والهجوم، وتحتفظ بقدرات صاروخية ومسيّرة، كما أن بنيتها الأمنية والعسكرية أكثر تجذرًا داخل مناطق سيطرتها.
وفي يوليو، أفادت رويترز بأن إيران نقلت، وفق أربعة مصادر بينها مصدران إيرانيان، عناصر من الحرس الثوري ومستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات إلى مناطق يسيطر عليها الحوثيون. ونفى الحوثيون الرواية، وقالوا إن ركاب الرحلة كانوا مدنيين.
وبالتالي، فإن العامل الخارجي الذي ساهم في انهيار النظام السوري لا يبدو متكررًا بصورة مماثلة في اليمن.
لكن هذا لا يعني أن الحوثيين غير قابلين للانكشاف.
فالحروب الطويلة تختبر قدرة أي منظومة على تعويض الخسائر والحفاظ على الإمداد والروح المعنوية، كما تختبر قدرتها على إبقاء التحالفات المحلية متماسكة.
وتشير دراسة لمركز مكافحة الإرهاب في وست بوينت إلى ضغوط متزايدة على بعض التحالفات القبلية الحوثية، لكنها لا تقدم دليلًا على أن هذه الضغوط ستتحول تلقائيًا إلى انهيار عسكري.
ربما تكون الرياض هي الطرف الذي يملك أكبر قدرة على تغيير معادلة الحرب، وفي الوقت نفسه الطرف الأكثر حرصًا على ألا تتحول المعركة إلى حرب مفتوحة بلا سقف.
فإعادة بناء القوات الحكومية خلال 2026 ارتبطت بدرجة كبيرة بالدعم السعودي، من الرواتب إلى التسليح وإعادة تنظيم البنية العسكرية.
لكن دخول القوات اليمنية في حملة واسعة باتجاه صنعاء سيضع السعودية أمام معادلة مختلفة.
كلما اقتربت الحرب من العاصمة، زادت احتمالات استخدام الحوثيين للصواريخ والمسيّرات ضد الأراضي والمنشآت السعودية.
وفي 8 سبتمبر، شنت جماعة الحوثي هجمات على أربع مدن في جنوب السعودية، بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأعلنت السلطات السعودية إصابة 73 شخصًا، مع اندلاع حرائق في منشآت للطاقة وتوقف عمليات في بعض المواقع مؤقتًا.
وهنا يتحول الهجوم البري داخل اليمن إلى معركة أمن قومي سعودي.
فالسؤال لن يكون فقط: هل تستطيع القوات اليمنية التقدم؟
بل أيضًا: إلى أي مدى تستطيع الرياض تحمل التصعيد الذي قد يأتي مع كل كيلومتر تتقدم فيه تلك القوات؟
واللافت أن التصعيد الحالي جاء في وقت تؤكد فيه رويترز أن القوات الحكومية المدعومة سعوديًا تشن هجومًا متعدد المحاور، بينما يتواصل الرد الحوثي داخل السعودية.
وهذا يربط المسارين ببعضهما: كل تقدم ميداني داخل اليمن قد يرفع كلفة الرد الحوثي على السعودية، وكل تصعيد داخل السعودية قد يزيد الضغط على الرياض لتوسيع تدخلها.
المشكلة الأساسية في شعار «حسم المعركة» أنه لا يحدد معيار الحسم.
إذا كان المقصود استعادة مواقع جديدة، فقد بدأت القوات الحكومية بالفعل في تحقيق ذلك.
أما إذا كان المقصود الوصول إلى صنعاء وإسقاط منظومة الحوثيين، فالمعيار مختلف تمامًا.
الحسم يتطلب تفوقًا عسكريًا مستدامًا، وقيادة موحدة، واحتياطًا بشريًا قابلًا للتدوير، وإمدادات مستقرة، وقدرة على التعامل مع حرب صاروخية ومسيّرات، وإدارة المناطق التي يتم الاستيلاء عليها، والأهم منع الحوثيين من تحويل العمق السعودي إلى جبهة ردع مقابلة.
ولهذا فإن التطورات الحالية تشير إلى أن القوات الحكومية أصبحت أقوى مما كانت عليه خلال سنوات الجمود، لكنها لم تثبت بعد أنها أصبحت قوة قادرة على خوض حرب حاسمة حتى النهاية.
الاختبار الحقيقي لن يكون في أول اختراق، بل في اليوم الذي يلي الاختراق.
إذا استطاعت القوات الحفاظ على الإمداد، وتدوير الوحدات، وفتح أكثر من محور دون تفكك القيادة، فقد يصبح الطريق إلى صنعاء احتمالًا عسكريًا جديًا.
أما إذا استنزفت المكاسب الأولى القوة المهاجمة، وظل الحوثيون قادرين على إعادة تشكيل دفاعاتهم وشن هجمات بعيدة المدى، فقد يتحول الحديث عن «الحسم» إلى جولة جديدة من الحرب، لا إلى نهايتها.
لذلك، فإن ما يجري في اليمن الآن لا يمكن قراءته باعتباره معركة عادية على مواقع متفرقة.
إنه اختبار أولي لإمكان انتقال المعسكر المناهض للحوثيين من مرحلة إدارة الحرب إلى محاولة إنهائها.
والفارق بين المرحلتين قد يكون المسافة كلها بين مأرب وصنعاء.

أبوظبي – محمد فال معاوية في السياسة الدولية، لا تُقرأ الزيارات الرسمية من خلال جدول اللقاءات المعلن فقط، بل من خلال اللحظة التي تأتي فيها، والمصالح التي تتقاطع حولها، وما يمكن أن تتركه من أثر في العلاقة بين الدول. زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا في سبتمبر 2026 تأتي [...]

لأكثر من أربعة عقود، ارتبط أمن الخليج بصورة وثيقة بالحضور الأميركي. قواعد عسكرية، وقدرات استخباراتية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي وبحري، وشبكات قيادة وسيطرة، جعلت واشنطن الركيزة الأبرز في معادلة الأمن الإقليمي. لكن المنطقة لم تعد كما كانت. فالحروب والتوترات المتلاحقة، من حرب غزة إلى المواجهة الأميركية الإيرانية، أظهرت لدول الخليج أن المخاطر يمكن أن تنتقل [...]

في حرب دخلت عامها الرابع، لم تعد خطوط المواجهة في السودان ترسم وحدها خريطة الصراع. فخلف الجبهات الممتدة من الخرطوم إلى دارفور، تتحرك شبكات أخرى أقل ظهوراً، تبدأ من المطارات وممرات العبور وتنتهي عند خطوط القتال، حاملة ما تحتاجه الأطراف المتحاربة للاستمرار. ومن بين أكثر الخيوط إثارة للجدل في هذا السياق، وثيقة متداولة تتحدث عن [...]

لم تعد الحرب مع إيران بالنسبة إلى واشنطن مجرد مواجهة عسكرية تدور بعيداً عن الأراضي الأميركية. فكلما طال أمدها، انتقلت تداعياتها أكثر إلى الداخل الأميركي، من أسعار الطاقة وكلفة المعيشة إلى النقاش حول جدوى التدخل العسكري وحدود القوة الأميركية. وهنا يبرز السؤال الأصعب أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب: هل تستطيع واشنطن تحويل الحرب إلى إنجاز [...]

تقترب بريطانيا من اتخاذ خطوة أكثر صرامة تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت الضغوط في لندن من حدود الإدانة السياسية إلى بحث إجراءات اقتصادية تستهدف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، في تطور قد يفتح فصلًا جديدًا في العلاقات بين البلدين. وجاء التصعيد البريطاني بعد طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء نحو 1200 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة [...]

لم تعد المشكلة الأصعب أمام واشنطن في حرب إيران هي قدرتها على توجيه ضربة جديدة، وإنما قدرتها على معرفة أين يمكن أن تنتهي الحرب. فبعد أشهر من المواجهة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي رسمتها في الأيام الأولى: قوة عسكرية هائلة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، مقابل واقع سياسي وأمني [...]