
لم تعد الحرب مع إيران بالنسبة إلى واشنطن مجرد مواجهة عسكرية تدور بعيداً عن الأراضي الأميركية. فكلما طال أمدها، انتقلت تداعياتها أكثر إلى الداخل الأميركي، من أسعار الطاقة وكلفة المعيشة إلى النقاش حول جدوى التدخل العسكري وحدود القوة الأميركية.
وهنا يبرز السؤال الأصعب أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب: هل تستطيع واشنطن تحويل الحرب إلى إنجاز سياسي قبل أن تتحول إلى عبء انتخابي؟
هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر مع اقتراب الانتخابات الأميركية المقبلة، إذ لن ينظر الناخب إلى نتائج المعارك وحدها، بل إلى ما إذا كانت الحرب قد حققت أهدافاً واضحة، وما إذا كانت كلفتها الاقتصادية والأمنية والسياسية تستحق ما دفعته الولايات المتحدة من موارد.
في السياسة الأميركية، لا تبقى الحروب الخارجية بعيدة عن صناديق الاقتراع طويلاً عندما تبدأ آثارها بالظهور في الحياة اليومية.
فإذا ارتفعت أسعار النفط والبنزين، أو تصاعدت المخاوف من التضخم، يصبح الملف الإيراني أقل ارتباطاً بالسياسة الخارجية وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الذي يعيشه الناخب في منزله وسيارته.
ومن هنا يمكن أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى نوع من الاستفتاء السياسي على إدارة ترامب للحرب: هل كان قرار المواجهة ضرورياً؟ وهل حققت العمليات العسكرية أهدافها؟ أم أن الولايات المتحدة دخلت حرباً مفتوحة من دون نهاية واضحة؟
والفارق بين السيناريوهين كبير.
فالحرب القصيرة ذات النتائج الواضحة يمكن أن تمنح الرئيس فرصة لتقديم نفسه باعتباره القائد الذي فرض الردع وحمى المصالح الأميركية. أما الحرب الطويلة، التي لا تنتج تسوية أو حسمًا واضحاً، فقد تمنح خصومه مادة سياسية يصعب احتواؤها.
بالنسبة إلى الناخب الأميركي، لا تحتاج تداعيات الحرب إلى تقرير استخباري حتى تصبح ملموسة.
يكفي أن ترتفع أسعار الوقود أو تتزايد كلفة النقل والسلع حتى يشعر المواطن بأن الصراع في الشرق الأوسط أصبح جزءاً من ميزانيته اليومية.
وهنا تكمن حساسية مضيق هرمز وأسواق الطاقة في الحسابات الأميركية. فأي اضطراب طويل في حركة النفط يمكن أن ينعكس على الأسعار، بينما تصبح الإدارة مطالبة بتفسير سبب استمرار الحرب، ومن يتحمل تكلفتها، ومتى يمكن أن تنتهي.
وفي موسم انتخابي، يصعب فصل هذه الأسئلة عن أداء الحزب الحاكم.
فإذا ارتفعت كلفة المعيشة بالتزامن مع استمرار الحرب، يستطيع الديمقراطيون تقديم القضية للناخب باعتبارها دليلاً على أن الإدارة اختارت الإنفاق على صراع خارجي بدلاً من التركيز على الاقتصاد الأميركي.
لكن الجمهوريين يملكون رواية مقابلة: الانسحاب أو التراجع أمام إيران قد يعني السماح لخصم واشنطن بتهديد أمن المنطقة والملاحة ومصالح الولايات المتحدة.
وبين الروايتين سيجد ترامب نفسه أمام اختبار دقيق: كيف يثبت القوة من دون أن يتحمل سياسياً واقتصادياً ثمن حرب طويلة؟
بالنسبة إلى الرئيس ترامب، أفضل سيناريو سياسي هو الوصول إلى نتيجة يستطيع عرضها باعتبارها انتصاراً أميركياً واضحاً.
قد تكون هذه النتيجة اتفاقاً جديداً، أو تراجعاً كبيراً في القدرات الإيرانية، أو ترتيبات تضمن أمن الملاحة وتمنع تكرار التصعيد.
لكن المشكلة أن إعلان النصر لا يكفي وحده.
فالناخب يريد أن يرى النتيجة في الواقع: هل انتهت الحرب؟ هل تراجعت المخاطر؟ هل انخفضت أسعار الطاقة؟ وهل أصبح الأمن الأميركي أكثر قوة أم أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة؟
ولهذا فإن الزمن يصبح عاملاً سياسياً بحد ذاته.
كل أسبوع إضافي من الحرب من دون نتيجة واضحة يتيح للمعارضة مساحة أكبر لطرح السؤال نفسه: لماذا تستمر الحرب؟
يدخل الجمهوريون هذه المعركة السياسية وهم بحاجة إلى الحفاظ على صورة القوة التي ارتبطت بخطاب ترامب، لكن من دون السماح بتحول القوة العسكرية إلى عبء اقتصادي على الناخب.
فإذا نجحت الإدارة في تحقيق تسوية سريعة، يمكن للجمهوريين تقديم الحرب باعتبارها دليلاً على فعالية الردع الأميركي.
أما إذا استمرت المواجهة من دون حسم، فقد يتحول الخطاب نفسه إلى نقطة ضعف.
وهنا لا تكمن المشكلة في رفض الحرب من جانب الديمقراطيين فقط. فكلما طالت المواجهة وارتفعت كلفتها، يمكن أن يظهر داخل القاعدة الجمهورية نفسها تيار أكثر تشككاً في الحروب الخارجية، خصوصاً إذا تعارضت الحرب مع وعود سابقة بالتركيز على المصالح الأميركية الداخلية.
وبذلك يصبح ترامب أمام معادلة مزدوجة: التراجع قد يُفسر ضعفاً، والاستمرار قد يُفسر تهوراً.
من جهتهم، يمتلك الديمقراطيون مدخلاً سياسياً مباشراً إلى القضية: الاقتصاد.
فبدلاً من الدخول في نقاش عسكري معقد حول تفاصيل العمليات، يمكن للمعارضة اختصار الرسالة في سؤال بسيط يصل إلى الناخب بسرعة: كم أصبحت تكلفة الحرب على المواطن الأميركي؟
ومن هذه الزاوية يمكن ربط أسعار الوقود بالتضخم والقدرة الشرائية والإنفاق الحكومي، ثم تحويل الحرب من قضية أمن قومي إلى قضية معيشية.
وهذا النوع من الخطاب قد يكون أكثر تأثيراً انتخابياً من النقاشات الجيوسياسية، لأن الناخب يتعامل معه بصورة مباشرة في حياته اليومية.
في المقابل، تدرك طهران أن استمرار الضغط على الولايات المتحدة لا يحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري شامل.
فكلما تمكنت إيران من إبقاء الحرب مكلفة، وإبقاء أسواق الطاقة والملاحة تحت الضغط، فإن جزءاً من المعركة ينتقل تلقائياً إلى الداخل الأميركي.
وهنا تصبح الانتخابات نقطة ضعف محتملة لواشنطن.
فالرئيس الأميركي يستطيع اتخاذ قرار عسكري سريع، لكنه لا يستطيع التحكم بسهولة في رد فعل الأسواق أو الناخبين أو الكونغرس أو الرأي العام.
ولهذا قد تحاول إيران، وفق هذا المنظور، الحفاظ على مستوى من الضغط لا يؤدي بالضرورة إلى مواجهة شاملة توحد الأميركيين خلف الرئيس، لكنه يبقي تكلفة الحرب حاضرة في الحسابات السياسية.
يمكن اختصار المسار السياسي للحرب في ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
الأول: الحسم السريع.
إذا انتهت الحرب بنتيجة واضحة يمكن للإدارة تقديمها كإنجاز استراتيجي، فقد تنقلب المعادلة. عندها يستطيع ترامب القول إن استخدام القوة حقق أهدافه وفرض على إيران قبول ترتيبات جديدة.
الثاني: الحرب المستنزِفة.
وهو السيناريو الأكثر حساسية انتخابياً. استمرار القتال، مع بقاء تهديد الملاحة والطاقة وغياب تسوية نهائية، قد يحول الحرب إلى عبء مستمر على الإدارة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع الأسعار.
الثالث: الصفقة المتأخرة.
قد يكون الاتفاق مع إيران هو المخرج السياسي الأكثر جاذبية لترامب، لكنه يحمل مخاطرة أخرى. فإذا تضمنت الصفقة تنازلات كبيرة، فقد يعتبرها جزء من المحافظين تراجعاً عن الخطاب المتشدد تجاه طهران.
أي أن الرئيس قد يجد نفسه أمام خيارين صعبين: حرب مكلفة أو اتفاق مثير للجدل.
في النهاية، لا تُحسم الحروب الحديثة في ساحات القتال وحدها.
بالنسبة إلى ترامب، قد يكون التحدي الأكبر هو إقناع الأميركيين بأن الحرب مع إيران لها نهاية وهدف وثمن يمكن تحمله.
فإذا تمكن من إنتاج تسوية واضحة قبل أن تتحول كلفة الحرب إلى قضية انتخابية مركزية، فقد يخرج منها بصورة الرئيس الذي فرض شروطه.
أما إذا استمرت الحرب بلا حسم، وارتفعت أسعار الطاقة، وتزايدت الأسئلة حول كلفتها، فقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام معركة انتخابية لا تدور في طهران أو الخليج، وإنما داخل الولايات المتحدة نفسها.
وهنا يصبح السؤال الذي سيحسم الموقف السياسي أكثر أهمية من السؤال عن عدد الضربات أو الصواريخ:
هل يرى الناخب الأميركي أن الحرب جعلت بلاده أكثر أمناً، أم أنها جعلت حياته أكثر كلفة؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون، في نهاية المطاف، أهم من أي بيان عسكري يصدر من واشنطن أو طهران.

في حرب دخلت عامها الرابع، لم تعد خطوط المواجهة في السودان ترسم وحدها خريطة الصراع. فخلف الجبهات الممتدة من الخرطوم إلى دارفور، تتحرك شبكات أخرى أقل ظهوراً، تبدأ من المطارات وممرات العبور وتنتهي عند خطوط القتال، حاملة ما تحتاجه الأطراف المتحاربة للاستمرار. ومن بين أكثر الخيوط إثارة للجدل في هذا السياق، وثيقة متداولة تتحدث عن [...]

تقترب بريطانيا من اتخاذ خطوة أكثر صرامة تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت الضغوط في لندن من حدود الإدانة السياسية إلى بحث إجراءات اقتصادية تستهدف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، في تطور قد يفتح فصلًا جديدًا في العلاقات بين البلدين. وجاء التصعيد البريطاني بعد طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء نحو 1200 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة [...]

لم تعد المشكلة الأصعب أمام واشنطن في حرب إيران هي قدرتها على توجيه ضربة جديدة، وإنما قدرتها على معرفة أين يمكن أن تنتهي الحرب. فبعد أشهر من المواجهة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي رسمتها في الأيام الأولى: قوة عسكرية هائلة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، مقابل واقع سياسي وأمني [...]

ليست أصعب لحظة في أي اتفاق دفاعي هي لحظة التوقيع، بل اللحظة التي يختبر فيها الواقع معنى الكلمات التي وُقعت عليها الوثيقة. ولهذا تبدو إسطنبول، أكثر من مكة، نقطة البداية الحقيقية لاتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان. فغداً الاثنين، يجتمع وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان الدول الثلاث في أول اجتماع للجنة المنبثقة عن الاتفاق [...]

كشفت مجلة بوليتيكو أن المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تفرض ضغوطًا متزايدة على القدرات العسكرية الأمريكية، وسط مخاوف من أن يؤدي استنزاف القوات والموارد في الشرق الأوسط إلى إضعاف حضور واشنطن وردعها في مناطق استراتيجية أخرى، ولا سيما في مواجهة الصين وروسيا. وبحسب تقرير المجلة، دفعت التطورات العسكرية الأخيرة وزارة الدفاع الأمريكية إلى إعادة [...]

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]