
لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني.
وبحسب مسؤولين أمريكيين وإيرانيين مطلعين على تفاصيل العملية، فإن جهوداً استخباراتية إسرائيلية طويلة الأمد وصلت إلى ذروتها بمحاولة دراماتيكية لنقل أحمدي نجاد إلى مكان آمن خلال الأيام الأولى من الحرب، تمهيداً لاستخدامه في مرحلة سياسية جديدة داخل إيران، إلا أن الخطة انتهت بالفشل.
بدأ أحد أكثر فصول هذه القصة غموضاً في مطلع عام 2024، عندما تلقى رئيس جامعة في العاصمة المجرية بودابست اتصالاً غير اعتيادي من مسؤول حكومي رفيع المستوى.
كان الطلب واضحاً: تنظيم مؤتمر حول تغير المناخ في جامعة لودوفيكا للخدمة العامة، وتوجيه دعوة إلى ضيف غير تقليدي؛ الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الشخصية التي ما زالت تثير جدلاً واسعاً داخل إيران وخارجها.
لكن خلف الدعوة الأكاديمية المعلنة، كانت هناك مهمة أخرى أكثر حساسية.
وفقاً لمسؤولين مطلعين على الملف، أُبلغ رئيس الجامعة البروفيسور غيرغلي ديلي بأن المؤتمر لم يكن سوى غطاء لترتيب لقاءات سرية بين أحمدي نجاد وعناصر من الاستخبارات الإسرائيلية، في خطوة بدت غير مسبوقة بالنظر إلى التاريخ الطويل من العداء بين الرجل وإسرائيل.
وكانت المفارقة أن أحمدي نجاد، الذي اشتهر خلال فترة حكمه بتصريحات عدائية ضد إسرائيل، أصبح محور اهتمام جهاز استخباراتي إسرائيلي يسعى إلى بناء علاقة معه.
ورغم إدراك البروفيسور ديلي أن استضافة شخصية بحجم أحمدي نجاد قد تلحق ضرراً بسمعته الأكاديمية، فإنه رأى أن دوره قد يساهم في فتح نافذة للحوار بين خصمين تاريخيين.
وقال في مقابلة صحفية: “عندما يلوح أفق للحديث بين عدوين، فمن الأفضل بذل كل جهد ممكن لتسهيل هذا الحوار”.
وبحسب مسؤولين أمريكيين وإيرانيين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم بسبب حساسية المعلومات، فإن زيارة أحمدي نجاد إلى الجامعة عام 2024، ثم عودته لاحقاً في العام التالي، كانت جزءاً من مسار إسرائيلي استمر سنوات بهدف استقطابه باعتباره شخصية يمكن الاعتماد عليها في حال حدوث تحول سياسي داخل إيران.
بلغ اهتمام إسرائيل بأحمدي نجاد مستوى غير مسبوق، وفق المصادر ذاتها، إذ قام رئيس جهاز الموساد آنذاك دافيد برنياع بالسفر شخصياً إلى بودابست للقاء الرئيس الإيراني الأسبق عام 2024.
وبعد ذلك اللقاء، أبلغ جهاز الموساد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بوجود قنوات اتصال مباشرة ومستمرة مع أحمدي نجاد، بحسب مسؤولين أمريكيين سابقين.
ويمثل هذا التحول انقلاباً كبيراً في طبيعة العلاقة بين الطرفين؛ فالرجل الذي كان يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره أحد أبرز رموز التشدد الإيراني، أصبح فجأة جزءاً من حسابات استراتيجية مرتبطة بمستقبل النظام في طهران.
فخلال سنوات رئاسته بين عامي 2005 و2013، ارتبط اسم أحمدي نجاد بتسريع برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، وإطلاق تصريحات دعا فيها إلى إزالة إسرائيل، إضافة إلى إنكاره للمحرقة النازية، وهي مواقف جعلته أحد أكثر السياسيين الإيرانيين إثارة للجدل على المستوى الدولي.
لكن إسرائيل، وفق هذه الرواية، لم تعد تنظر إليه من زاوية ماضيه فقط، بل ركزت على التحولات التي طرأت على علاقته بالنظام الإيراني بعد مغادرته السلطة.
وكشف مسؤولون أمريكيون أن إسرائيل قدمت خلال السنوات الماضية دعماً مالياً سرياً لأحمدي نجاد لتغطية تكاليف السكن والتنقل والسفر، بالتزامن مع عقد لقاءات دورية معه خارج إيران.
وشملت هذه اللقاءات محطات خارجية من بينها العاصمة المجرية بودابست، حيث تحولت الزيارات الرسمية والأكاديمية إلى فرصة لإجراء اتصالات أكثر حساسية.
لكن التطور الأخطر جاء مع اندلاع الحرب.
ففي أواخر فبراير/شباط من هذا العام، وخلال الأيام الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، دخلت الخطة مرحلتها الأكثر جرأة، عبر محاولة لإجلاء أحمدي نجاد من داخل طهران، حيث كان يخضع لمراقبة أمنية مشددة، ونقله إلى موقع آمن تمهيداً لاستخدامه في مشروع سياسي يستهدف تغيير النظام.
إلا أن العملية لم تحقق أهدافها.
في 28 فبراير تعرض مجمع محمود أحمدي نجاد في طهران لغارة جوية إسرائيلية استهدفت المبنى المخصص لحراسه، إضافة إلى سيارته المدرعة، وفقاً لمسؤولين إيرانيين مطلعين على تفاصيل الحادث.
وبحسب أربعة مسؤولين إيرانيين كبار، فإنه عقب الضربة الجوية، وصلت سيارة سوداء من طراز “بيجو” إلى الموقع وسط حالة من الفوضى والارتباك، قبل أن تقل أحمدي نجاد وتغادر المكان بسرعة.
وتشير المصادر إلى أن السيارة لم تكن جزءاً من أي تحرك أمني إيراني تقليدي، بل كانت ضمن عملية نفذها عناصر تابعون للموساد، حيث تمكنوا من نقل الرئيس الإيراني الأسبق إلى موقع سري وآمن داخل الأراضي الإيرانية.
وأكد مسؤولون أمريكيون وإيرانيون على صلة بالملف أن العملية كانت تهدف إلى حماية أحمدي نجاد تمهيداً لمرحلة لاحقة ضمن خطة أوسع مرتبطة بتغيير النظام في طهران.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن كما خطط له منفذو العملية.
وفقاً لمصادر مطلعة على تفاصيل العملية، فإن أحمدي نجاد لم يكن راضياً عن الطريقة التي جرى بها إخراجه من موقعه، وأبدى استياءه من طبيعة العملية التي وصفها مقربون بأنها اتسمت بالارتباك وعدم وضوح المسار التالي.
كما كشفت المصادر أن الرئيس الإيراني الأسبق أصبح محبطاً من الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل مع مشروع إعادة تقديمه باعتباره شخصية قادرة على لعب دور سياسي داخل إيران.
وبعد فترة قصيرة قضاها في المأوى السري، غادر أحمدي نجاد المكان في ظروف لا تزال غامضة، قبل أن يختفي عن الأنظار بشكل كامل.
ولم يظهر مجدداً إلا يوم الإثنين الماضي، عندما ظهر بشكل مفاجئ وخاطف خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني المغتال آية الله علي خامنئي.
وبحسب أربعة مسؤولين إيرانيين كبار، فإن أحمدي نجاد يخضع حالياً لاحتجاز مقيد وإقامة جبرية فرضها جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني، عقب اكتشاف حجم الاتصالات التي أجراها مع الجانب الإسرائيلي.
وترفض السلطات الإيرانية التعليق رسمياً على هذه المعلومات، بينما لم يصدر أي توضيح من مكتب أحمدي نجاد بشأن طبيعة وضعه الحالي.
كما امتنع مسؤولون إسرائيليون عن التعليق على ما إذا كانت هناك خطة فعلية لتنصيب أحمدي نجاد في حال حدوث تغيير سياسي في إيران.
لكن المصادر تشير إلى أن تحركات إسرائيل لم تكن مقتصرة على أحمدي نجاد وحده، بل جاءت ضمن استراتيجية أوسع هدفت إلى إضعاف النظام الإيراني من الداخل.
إلى جانب الرهان على أحمدي نجاد، تضمنت الخطة الإسرائيلية مساراً آخر يعتمد على دعم وتسليح وتدريب فصائل معارضة كردية إيرانية تتمركز في شمال العراق.
وكان الهدف، وفق مسؤولين مطلعين، هو تمكين هذه الجماعات من التوغل داخل غرب إيران، والسيطرة على مناطق محددة، ثم استخدامها كنقاط انطلاق نحو العاصمة طهران.
لكن هذا المسار لم يدخل حيز التنفيذ.
وفي مايو الماضي، تحدث تامير هايمان، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، عن وجود خطة واسعة لتغيير النظام الإيراني، عقب تقارير كشفت للمرة الأولى عن دور أحمدي نجاد في الحسابات الإسرائيلية.
وخلال ظهوره في برنامج الحوار “فايرينغ لاين” على شبكة “بي بي إس”، قال هايمان إن: “خطة تغيير النظام بنيت على سلسلة عمليات خاصة، فريدة للغاية، كان مقدراً لها أن تتوالى… وكان أحمدي نجاد جزءاً من تلك السلسلة”.
ولم يعلق جهاز الموساد على هذه المعلومات، كما رفض علي أكبر جوانفكر، المتحدث باسم أحمدي نجاد، الإدلاء بأي تصريح حول القضية.
خلال فترة رئاسته بين عامي 2005 و2013، كان أحمدي نجاد يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر وجوه النظام الإيراني تشدداً.
فقد ارتبط اسمه بتصعيد الخطاب المناهض لإسرائيل، واستئناف أنشطة تخصيب اليورانيوم، ومواجهة الضغوط الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني.
كما شهدت فترة حكمه احتجاجات واسعة عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، تلتها حملة قمع واسعة ضد المعارضين، إلى جانب تنفيذ أحكام إعدام بحق عدد من المعتقلين السياسيين.
لكن صورته السياسية بدأت تتغير تدريجياً بعد خروجه من السلطة.
فالرجل الذي كان يظهر دائماً بسترته الكاكية الفضفاضة وخطابه الثوري الحاد، بدأ في السنوات اللاحقة بتقديم صورة مختلفة عن نفسه.
خفف من حدة انتقاداته لإسرائيل، وركز على قضايا داخلية، وانتقد أداء الأجهزة الأمنية، ووجه اتهامات للنخبة السياسية بالفساد.
لم يكن التحول مقتصراً على مواقفه السياسية، بل امتد حتى إلى مظهره الشخصي.
فقد استبدل أحمدي نجاد سترته التقليدية ببدلات رسمية أكثر أناقة، واهتم بمظهره الخارجي، وقيل إنه خضع لعلاجات تجميلية، كما بدأ تعلم اللغة الإنجليزية.
وفي مكتبه بطهران، خصص ساعة صباحية يومياً لاستقبال المواطنين والاستماع إلى شكاواهم، محاولاً تقديم نفسه باعتباره قريباً من الناس بعيداً عن النخبة السياسية.
كما واصل القيام بجولات داخل المحافظات الإيرانية، حيث التقى مؤيديه في المناطق الريفية والمدن الصغيرة، مستعيداً جزءاً من قاعدته الشعبية القديمة.
طموح العودة إلى الحكم.. لماذا اعتقد أحمدي نجاد أنه البديل الممكن لخامنئي؟
رغم محاولات النظام الإيراني إبعاد محمود أحمدي نجاد عن المشهد السياسي، فإن علاقته بمؤسسات الحكم ظلت معقدة وغير مستقرة.
فمن جهة، سعى كبار المسؤولين إلى تقليص نفوذه ومنع عودته إلى المنافسة السياسية، خصوصاً بعد تزايد خلافاته مع القيادة العليا، ومن جهة أخرى، حافظ النظام على وجوده ضمن دائرة محدودة من مؤسسات الدولة.
وظل أحمدي نجاد عضواً في مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو أحد أبرز الهيئات الاستشارية التي تقدم المشورة للمرشد الأعلى الإيراني.
وفي فبراير، وقبل اندلاع الحرب بأسابيع قليلة، ظهر أحمدي نجاد خلال أحد اجتماعات المجلس، في مشهد عكس استمرار حضوره الرسمي رغم الخلافات العميقة بينه وبين المؤسسة الحاكمة.
لكن هذا الحضور لم يكن كافياً لإعادة دمجه داخل النظام، إذ كان يدرك أن فرص عودته إلى الرئاسة أصبحت محدودة للغاية.
داخل إيران، قوبل التحول السياسي لأحمدي نجاد بالكثير من الشكوك.
فالبعض رأى أن انتقاداته الجديدة للنظام ليست سوى محاولة لإعادة بناء صورته الشعبية، والابتعاد عن إرث حكمه السابق، واستعادة قاعدة الدعم التي كان يتمتع بها بين قطاعات واسعة من الطبقة العاملة.
لكن مقربين منه أكدوا أن هدفه النهائي كان العودة إلى قمة السلطة.
وقال عبد الرضا داوري، وهو حليف سابق ومستشار بارز لأحمدي نجاد قبل أن تنقطع العلاقة بينهما، في مقابلة هاتفية:
“أحمدي نجاد لا يحركه المال؛ فهو يمتلك الثروة ويدير شبكة اقتصادية واسعة. الدافع الحقيقي هو عطشه للسلطة ورغبته في الإمساك بزمام الحكم”.
وبحسب مصدر من الدائرة المقربة من أحمدي نجاد، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، فإن الرئيس الإيراني الأسبق كان قد تحدث مع عدد محدود من مساعديه المقربين عن رغبته في قيادة إيران مستقبلاً بدعم من قوى خارجية.
وفق المصدر ذاته، تعمقت خيبة أمل أحمدي نجاد تجاه النظام الإيراني بعد استبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات متتالية.
وأصبح مقتنعاً بأن الوصول إلى السلطة من داخل النظام الحالي بات أمراً شبه مستحيل، وأن أي فرصة للعودة تحتاج إلى تغيرات جذرية في بنية الحكم.
وكان أحمدي نجاد، بحسب المقربين منه، يرى أن أي حرب مستقبلية قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني.
كما كان يخشى من أن يؤدي سقوط النظام إلى وصول شخصية معارضة من الخارج تفتقر إلى المعرفة الدقيقة بالواقع الإيراني الداخلي، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة.
ولهذا، قدم نفسه أمام مساعديه باعتباره شخصية قادرة على لعب دور “المصلح” في مرحلة انتقالية، على غرار التجربة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ووصول بوريس يلتسين إلى السلطة.
وفق المصادر المطلعة على أفكار أحمدي نجاد، فإنه كان يرى نفسه قادراً على قيادة تحول كبير في السياسة الخارجية الإيرانية.
وأشار المصدر إلى أن أحمدي نجاد كان يعتقد أنه في حال وصوله إلى السلطة، فإن إيران يمكن أن تعترف بإسرائيل وتطبع العلاقات معها ضمن إطار “اتفاقيات أبراهام” التي رعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وهذه الرؤية شكلت، بحسب المصادر، أحد العناصر التي جعلت إسرائيل تنظر إليه باعتباره شخصية يمكن التعامل معها مستقبلاً رغم تاريخه السابق المعادي لها.
في تل أبيب، كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تتابع عن كثب التوتر المتزايد بين أحمدي نجاد والقيادة الإيرانية.
وقال مسؤولون في الدفاع الإسرائيلي مطلعون على التقييمات الاستخباراتية في تلك الفترة إن اهتمام إسرائيل تركز بشكل خاص على حجم الاستياء الذي بدأ يظهر لدى أحمدي نجاد تجاه المرشد الأعلى علي خامنئي والنخبة السياسية التي منعته من العودة إلى السباق الرئاسي.
وبالنسبة لإسرائيل، لم يكن الأمر مرتبطاً فقط بشخص أحمدي نجاد، بل بوجود شخصية إيرانية من داخل النظام السابق يمكن استخدامها في حال حدوث فراغ سياسي مفاجئ.
لكن تحركات أحمدي نجاد لم تمر دون مراقبة داخل إيران.
فجهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري، المسؤول عن مواجهة الاختراقات الخارجية وحماية النظام، بدأ يراقب نشاطاته بشكل متزايد.
وبحسب عضوين سابقين في الحرس الثوري ومسؤول استخباراتي مطلع على الملف، ازدادت الشكوك حول أحمدي نجاد بعد سلسلة من الخطوات السياسية التي اعتبرتها الأجهزة الأمنية غير معتادة.
وكان من أبرزها الرسائل العلنية التي وجهها عام 2017 إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ثم لاحقاً إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في وقت كان ترامب يبدي إشادة بمواقف الرجلين.
ورأت الأجهزة الإيرانية أن هذه التحركات تحمل إشارات سياسية تتجاوز مجرد الانتقاد الداخلي للنظام.
بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت محيط أحمدي نجاد، والتي أدت إلى إخراجه من دائرة الرقابة الأمنية المشددة لفترة مؤقتة، بدأت الأجهزة الإيرانية تحقيقاً واسعاً.
ووفق المسؤولين الأربعة المطلعين على الملف، ركز التحقيق على تفكيك شبكة الاتصالات التي أقامها أحمدي نجاد مع جهات إسرائيلية، ومحاولة معرفة حجم التعاون أو التفاهمات التي جرت بين الطرفين.
وكان السؤال الأكبر الذي واجه السلطات الإيرانية: هل كان أحمدي نجاد مجرد شخصية سياسية حاولت استغلال التوترات الداخلية، أم أنه أصبح بالفعل جزءاً من خطة خارجية لإعادة تشكيل مستقبل إيران؟
لا يزال التوقيت الدقيق لبداية محاولات إسرائيل استقطاب محمود أحمدي نجاد غير معروف بشكل كامل، لكن مسؤولين إيرانيين أشاروا إلى أن أولى القنوات المحتملة بدأت بالظهور خلال زيارة قام بها الرئيس الإيراني الأسبق إلى غواتيمالا عام 2023 للمشاركة في مؤتمر بيئي.
وجاءت الزيارة بدعوة من الحكومة الغواتيمالية، التي تربطها علاقات دبلوماسية وثيقة مع إسرائيل مقارنة بالعديد من دول أمريكا اللاتينية.
لكن الرحلة كادت ألا تتم، بعدما أوقفته الأجهزة الأمنية الإيرانية في مطار طهران ومنعته من الحصول على بطاقة الصعود إلى الطائرة أو مغادرة البلاد.
ولم يتراجع أحمدي نجاد أمام القرار الأمني، بل نفذ اعتصاماً داخل صالة المطار استمر لساعات، تحول إلى مشهد علني جذب اهتمام المسافرين والعاملين في المطار.
وخلال الاعتصام، حرص أحمدي نجاد على التقاط الصور مع المواطنين وطواقم الطيران، كما نشر تحديثات مباشرة عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة للضغط على السلطات ودفعها إلى السماح له بالسفر.
وفي أحد مقاطع الفيديو التي وثقت الرحلة، قال أحمدي نجاد: “نصحني البعض بعدم السفر إلى غواتيمالا، لكني أخبرتهم أن أخي وزير البيئة هناك هو من دعاني. هذه دولة تحظى بأهمية بالغة في أمريكا اللاتينية”.
وفي النهاية، رضخت السلطات وسمحت له بالمغادرة.
بعد عام واحد، جاءت المحطة التي اعتبرها المسؤولون المطلعون على الملف نقطة تحول رئيسية.
ففي عام 2024، توجه أحمدي نجاد إلى العاصمة المجرية بودابست للمشاركة في مؤتمر نظمته جامعة لودوفيكا للخدمة العامة.
لكن خلف الطابع الأكاديمي للزيارة، كانت هناك اجتماعات أكثر حساسية، إذ التقى أحمدي نجاد خلال وجوده هناك بشخصيات مرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية، من بينها رئيس الموساد آنذاك دافيد برنياع، وفقاً للمصادر المطلعة.
وكان اختيار المجر لاحتضان هذه الاتصالات لافتاً، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي كانت تجمع حكومة رئيس الوزراء فيكتور أوربان آنذاك بإسرائيل.
فقد شهدت السنوات السابقة زيارات متبادلة بين أوربان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما ألقى نتنياهو خطاباً في جامعة لودوفيكا عام 2025، حصل خلاله على جائزة تقديرية من المؤسسة.
بعد شهرين فقط من تلك الزيارة، وقبل أيام قليلة من اندلاع الحرب الإسرائيلية ضد إيران، عاد أحمدي نجاد مجدداً إلى بودابست.
وكانت هذه الرحلة، بحسب المصادر، غطاءً جديداً لعقد لقاءات مع عناصر من الاستخبارات الإسرائيلية.
وأفاد فريق الحماية الإيراني التابع لوحدة “أنصار” في الحرس الثوري، والذي يرافق أحمدي نجاد في جميع رحلاته الخارجية، بأنه تمكن في مناسبتين على الأقل من الإفلات من الرقابة الأمنية خلال زيارة يونيو/حزيران 2025.
ووفقاً لتقرير أعده أفراد الحماية، فإن أحمدي نجاد اختفى لفترات طويلة خلال الرحلة، وعندما واجهه عناصر الأمن بشأن الأمر، قال إنه كان في اجتماعات مع أساتذة جامعيين.
لكن أعضاء في الحرس الثوري ومسؤولاً استخباراتياً مطلعاً على الملف قالوا إن هذه التفسيرات لم تقنع الأجهزة الأمنية، وزادت من مستوى الشكوك حول تحركاته.
خلال المؤتمر الأكاديمي في بودابست، قدم أحمدي نجاد صورة مختلفة تماماً عن الشخصية التي عرفها العالم خلال سنوات رئاسته.
فقد ألقى كلمته باللغة الإنجليزية، وهي خطوة لافتة بالنسبة لشخصية سياسية إيرانية كانت تعتمد غالباً على الخطاب الثوري التقليدي.
كما امتنع للمرة الأولى عن بدء حديثه بالآية القرآنية التي اعتاد تلاوتها في افتتاح خطاباته وتصريحاته.
وظهر مرتدياً بدلة كحلية أنيقة، متحدثاً عن مفاهيم مثل “الإنسانية المشتركة” و”النظام العالمي المتغير”، مقدماً رؤية مختلفة للعالم ومستقبل العلاقات الدولية.
وخلال الزيارة، قدم أحمدي نجاد لرئيس الجامعة البروفيسور غيرغلي ديلي نسخة من ملحمة “الشاهنامه” (كتاب الملوك) للشاعر الإيراني القديم الفردوسي، فيما قدم له ديلي درع الجامعة.
وفي مقابلة لاحقة، أقر رئيس الجامعة بأنه لم يكن سوى واجهة لتنظيم اللقاء، وأن الدعوة لم تكن مجرد حدث أكاديمي عادي.
ظل أحمدي نجاد بعيداً عن الأنظار منذ أواخر فبراير، بعد عملية نقله بسيارة بيجو سوداء من محيط منزله في طهران.
لكن ظهوره المفاجئ خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أعاد اسمه إلى الواجهة مجدداً.
وأظهرت مقاطع مصورة من الجنازة أحمدي نجاد مرتدياً سترة ثقيلة رغم ارتفاع درجات الحرارة التي بلغت نحو ثلاثين درجة مئوية، مع إنزال كمامته الطبية إلى أسفل ذقنه.
وكان ظهوره مختلفاً عن أي حضور سياسي سابق له؛ إذ بدا صامتاً، واجماً، مطأطئ الرأس، ومحاطاً برجال أمن من جميع الجهات.
كما لفت غياب الرئيسين الإيرانيين الأسبقين الآخرين، حسن روحاني ومحمد خاتمي، عن مراسم التشييع، بعدما لم توجه لهما دعوات حضور، في حين ظهر أحمدي نجاد في المشهد الرسمي.
تكشف قصة محمود أحمدي نجاد، وفق هذه الرواية، عن واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة في تاريخ إيران الحديث.
فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من مسيرته على خطاب المواجهة مع إسرائيل، أصبح لاحقاً هدفاً لمحاولات إسرائيلية لاستغلال خلافاته مع النظام الإيراني.
وبينما تبقى تفاصيل كثيرة غير معلنة حول طبيعة الاتصالات التي جرت بين الطرفين، وحجم الدور الذي كان يمكن أن يلعبه أحمدي نجاد في أي مرحلة انتقالية، فإن المؤكد أن اسمه عاد ليصبح جزءاً من الصراع الأكبر حول مستقبل إيران.
فهل كان أحمدي نجاد مشروع بديل للنظام؟ أم أنه كان مجرد ورقة استخباراتية في لعبة أكبر من قدرته على التحكم؟
الإجابة لا تزال معلقة بين طهران وتل أبيب، وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]

بينما تنشغل المنطقة بتحولات سياسية وأمنية متسارعة، تتصاعد على الأرض تحركات جماعات استيطانية إسرائيلية تسعى إلى نقل نموذج الاستيطان من الضفة الغربية إلى الأراضي السورية المحتلة. وفي مقدمة هذه الجماعات تبرز حركة "حلوتسي هباشان"، التي بات اسمها يتردد بصورة متزايدة مع كل محاولة توغل جديدة داخل الجنوب السوري. وتعود بداية هذه التحركات إلى ما بعد [...]