
**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية**
منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات عبر السياسة، وترسيخ قدر من الاستقرار في بيئة إقليمية عُرفت لعقود بالصراعات والهشاشة.
وخلال أكثر من ثلاثة عقود، نجحت هرجيسا في بناء مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية، وأجرت انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية، وأرست منظومة أمنية حافظت على مستوى من الاستقرار الداخلي مقارنة بمحيطها الإقليمي.
ومع ذلك، بقي الهدف الأكبر، وهو الحصول على اعتراف دولي كامل، بعيدًا عن التحقق. وهنا تظهر المفارقة الأساسية في تجربة أرض الصومال: كيف يمكن لكيان نجح في بناء مؤسسات سياسية وإدارية مستقرة نسبيًا أن يبقى خارج دائرة الاعتراف الدولي؟
هذه المعضلة لا ترتبط بحكومة الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله (عِرّو) وحدها، بل تمثل تحديًا بنيويًا رافق جميع الحكومات المتعاقبة في هرجيسا. غير أن وصول عِرّو إلى السلطة عبر انتقال سلمي أعاد فتح النقاش حول ما إذا كانت المرحلة الجديدة قادرة على تحويل رصيد الاستقرار الداخلي إلى مكسب سياسي خارجي.
لكن التجربة الدولية تشير إلى حقيقة أساسية: بناء الدولة لا يؤدي تلقائيًا إلى الاعتراف بها، لأن شرعية الداخل وشرعية النظام الدولي مساران متداخلان، لكنهما لا يسيران بالضرورة في الاتجاه نفسه.
تمكنت أرض الصومال من بناء نموذج سياسي يقوم على مؤسسات محلية فاعلة مقارنة بعدد من دول المنطقة. فالسلطة تنتقل عبر الانتخابات، والأجهزة الأمنية تؤدي وظائفها، والإدارة العامة تعمل بصورة منتظمة، وأصبح الاستقرار النسبي أحد أهم عناصر الرواية السياسية التي تقدمها هرجيسا للعالم.
لكن الاعتراف الدولي لا يُمنح فقط للدول التي تنجح في إدارة شؤونها الداخلية. فالقانون الدولي يضع معايير تقليدية لقيام الدولة، من بينها وجود إقليم وسكان وحكومة قادرة على ممارسة السلطة وإقامة العلاقات الخارجية، وهي معايير ترى أرض الصومال أنها متوافرة لديها.
غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن هذه العناصر لا تكفي وحدها. فهناك كيانات تمتلك مؤسسات قوية وسيطرة فعلية على أراضيها لكنها لا تحظى باعتراف واسع، بينما حصلت كيانات أخرى على اعتراف دولي نتيجة ظروف سياسية واستراتيجية خاصة.
وتكشف حالة أرض الصومال هذا التداخل بين القانون والسياسة. فهي تمتلك مؤسسات مستقرة نسبيًا، لكنها تواجه تحفظات دولية مرتبطة بمبدأ الحفاظ على وحدة الدول، ومخاوف الاتحاد الأفريقي من أن يؤدي الاعتراف بحالات انفصال جديدة إلى فتح الباب أمام مطالب مشابهة في القارة.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية في معادلة الاعتراف: الاعتراف الدولي ليس مكافأة على نجاح بناء الدولة، بل هو قرار سياسي تستخدمه القوى المؤثرة عندما ترى أنه ينسجم مع مصالحها وحساباتها الاستراتيجية.
تُظهر تجارب دول وكيانات أخرى أن الاعتراف الدولي لا يخضع لمعيار واحد ثابت، بل يتأثر بتوازنات القوة والمصالح.
فكوسوفو حصلت على اعتراف واسع من دول غربية بعد حرب البلقان وتدخل حلف شمال الأطلسي، رغم استمرار رفض صربيا وعدد من الدول الاعتراف باستقلالها. أما تايوان، فهي تمتلك اقتصادًا متقدمًا ومؤسسات ديمقراطية وعلاقات تجارية واسعة مع العالم، لكنها لا تحظى إلا باعتراف دبلوماسي محدود بسبب تمسك معظم الدول بسياسة “الصين الواحدة” ورغبتها في تجنب مواجهة بكين.
وفي المقابل، حصلت أبخازيا على اعتراف عدد محدود من الدول بعد الحرب الروسية الجورجية عام 2008، في حين بقي معظم المجتمع الدولي متمسكًا بوحدة الأراضي الجورجية.
ولا تعني هذه المقارنات أن هذه الحالات متطابقة مع أرض الصومال، فلكل منها ظروفها التاريخية والقانونية الخاصة، لكنها تكشف حقيقة مهمة: الاعتراف الدولي ليس إجراءً قانونيًا آليًا، بل قرار سياسي تحكمه المصالح والتحالفات وموازين القوى.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نجحت أرض الصومال في بناء مؤسسات الدولة؟ بل: هل ترى القوى المؤثرة أن الاعتراف بها يخدم مصالحها الإقليمية والدولية؟
فالقرن الأفريقي لم يعد مجرد منطقة تعاني من أزمات داخلية، بل تحول إلى ساحة تنافس دولي بسبب موقعه الجغرافي على البحر الأحمر وخليج عدن، وأهمية الممرات البحرية والتجارة العالمية.
وفي قلب هذه المعادلة يقع ميناء بربرة، الذي تحول من مشروع اقتصادي محلي إلى عنصر استراتيجي في حسابات التجارة والأمن البحري. غير أن الأهمية الجغرافية لا تعني بالضرورة الانتقال إلى الاعتراف السياسي، إذ يمكن للدول أن تتعاون مع كيانات غير معترف بها عندما تخدم مصالحها، دون أن تقدم على تغيير وضعها القانوني.
وتوضح مواقف القوى الإقليمية والدولية هذه المعادلة المعقدة. فإثيوبيا تنظر إلى أرض الصومال من زاوية الوصول إلى البحر وتعزيز خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية، لكنها تدرك أن الاعتراف الرسمي يحمل تداعيات إقليمية كبيرة مع مقديشو والاتحاد الأفريقي.
أما الإمارات، فقد ركزت على البعد الاقتصادي والاستثماري من خلال تطوير ميناء بربرة وتعزيز موقعه ضمن شبكات التجارة الإقليمية وأمن البحر الأحمر، دون أن يتحول هذا التعاون إلى اعتراف رسمي بأرض الصومال.
وتتعامل الولايات المتحدة مع الملف من منظور يرتبط بأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، واستقرار القرن الأفريقي، وهو ما يدفعها إلى الحفاظ على علاقات عملية مع هرجيسا، مع استمرار دعمها للموقف الدولي القائم على وحدة الصومال.
أما الصين، فتتمسك بمبدأ رفض الحركات الانفصالية، انسجامًا مع موقفها من قضايا مثل تايوان، وترى أن الحفاظ على مبدأ وحدة الأراضي يخدم مصالحها السياسية والدبلوماسية.
ويبقى الاتحاد الأفريقي أحد أهم الأطراف المؤثرة في هذا الملف، إذ يخشى أن يؤدي الاعتراف بأرض الصومال إلى خلق سوابق جديدة في القارة، ولذلك يفضل التعامل مع القضية ضمن إطار الحفاظ على الحدود القائمة.
وهكذا، فإن معادلة الاعتراف لا تتحدد فقط بما أنجزته أرض الصومال داخليًا، بل بمدى توافق هذا الإنجاز مع حسابات القوى التي تملك التأثير في النظام الدولي.
في هذه المعادلة المعقدة، تبدو حكومة الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله (عِرّو) جزءًا من مسار طويل، لا صانعة وحيدة له.
فالحكومة الجديدة ورثت تجربة مؤسساتية تراكمت على مدى عقود، كما ورثت التحدي الأكبر المتمثل في تحويل هذه التجربة إلى قبول دولي.
وقد منح الانتقال السلمي للسلطة أرض الصومال رصيدًا سياسيًا مهمًا، لأنه عزز صورتها ككيان قادر على إدارة التنافس السياسي بصورة سلمية، وهي ميزة مهمة في منطقة تعاني من عدم الاستقرار.
لكن نجاح الحكومة لن يقاس فقط بقدرتها على التحرك الخارجي، بل بقدرتها على تعزيز عناصر القوة الداخلية: توسيع المشاركة السياسية، وتحقيق التنمية المتوازنة، وإدارة الخلافات المحلية، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
فأي انقسامات داخلية أو أزمات في المناطق المتنازع عليها يمكن أن تمنح خصوم مشروع الاعتراف فرصة للتشكيك في قدرة أرض الصومال على الحفاظ على نموذجها السياسي.
كما أصبحت إدارة الخطاب السياسي والإعلامي جزءًا أساسيًا من المعركة الدبلوماسية، فالدول لا تبني صورتها الخارجية عبر الاتفاقيات فقط، بل عبر الطريقة التي تقدم بها نفسها ورسائلها إلى العالم.
في النهاية، تبدو معضلة أرض الصومال أكثر تعقيدًا من مجرد استيفاء مقومات الدولة أو نجاح مؤسساتها. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من بناء هياكل الحكم وترسيخ قدر من الاستقرار، ما تزال العقبة الأساسية تكمن في البيئة السياسية التي يُتخذ فيها قرار الاعتراف، لا في قدرة هرجيسا على إدارة شؤونها الداخلية.
ولعل المفارقة الأبرز أن أرض الصومال نجحت في بناء دولة قبل أن تحصل على اعتراف بها، بينما يعترف العالم بدول تعجز حتى اليوم عن بسط سلطتها على كامل أراضيها. وبين هاتين المفارقتين يبقى الاعتراف قرارًا سياسيًا أكثر منه حكمًا قانونيًا.
ولهذا فإن مستقبل قضية أرض الصومال لن يتوقف فقط على ما تنجزه مؤسساتها، بل على اللحظة التي تلتقي فيها شرعية الداخل مع حسابات الخارج، وعندما ترى القوى المؤثرة أن الاعتراف بها يخدم الاستقرار الإقليمي أكثر مما يهدده.
إعداد: إلياس قابيل – مستشار وباحث في شؤون القرن الأفريقي

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]

بينما تنشغل المنطقة بتحولات سياسية وأمنية متسارعة، تتصاعد على الأرض تحركات جماعات استيطانية إسرائيلية تسعى إلى نقل نموذج الاستيطان من الضفة الغربية إلى الأراضي السورية المحتلة. وفي مقدمة هذه الجماعات تبرز حركة "حلوتسي هباشان"، التي بات اسمها يتردد بصورة متزايدة مع كل محاولة توغل جديدة داخل الجنوب السوري. وتعود بداية هذه التحركات إلى ما بعد [...]

قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق "خطة مارشال"، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط. الاتفاق الذي وقعه الرئيس [...]

بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق [...]