
قبل تسعة وسبعين عاماً، وقفت الولايات المتحدة في قلب أوروبا المدمرة لتطلق “خطة مارشال”، المشروع الذي أعاد بناء اقتصادات القارة ورسّخ النفوذ الأمريكي لعقود طويلة. اليوم، يعود الاسم نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس للاحتفاء بانتصار أمريكي، بل للتساؤل عما إذا كانت واشنطن بصدد تمويل خصمها التاريخي في الشرق الأوسط.
الاتفاق الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران في فرساي أثار جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب بنوده الغامضة، بل بسبب الرقم الذي تصدر النقاش: 300 مليار دولار مخصصة لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني وتنميته.
ويرى منتقدو الاتفاق أن ما يجري ليس سوى “خطة مارشال إيرانية”، لكن الفارق الجوهري أن الخطة الأصلية جاءت لتكريس انتصار أمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، بينما تبدو النسخة الجديدة محاولة لإدارة تداعيات حرب انتهت دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها واشنطن.
المذكرة الموقعة بين الجانبين تنص على الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، لكن تفسير هذه العبارة يختلف جذرياً بين الطرفين. الإدارة الأمريكية تؤكد أن المقصود هو وقف دعم طهران لحلفائها الإقليميين، بينما قد ترى إيران أن الاتفاق يمنحها مساحة أوسع لإعادة ترتيب نفوذها السياسي والاقتصادي.
أما الملف النووي، الذي كان في صلب المواجهة، فلم يحصل على الإجابات الحاسمة التي انتظرها كثيرون. فالاتفاق يتحدث عن تخفيف مستويات تخصيب اليورانيوم، لكنه لا يقدم تفاصيل دقيقة بشأن حدود التخصيب أو آليات الرقابة المستقبلية.
في المقابل، يبدو أن المكاسب الاقتصادية أكثر وضوحاً. فرفع بعض العقوبات سيفتح الباب أمام عودة صادرات النفط الإيرانية، التي تقدر قيمتها بنحو 60 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في الخارج.
وتشير تقديرات إلى أن طهران قد تستعيد تدريجياً أصولاً تتجاوز قيمتها عشرات المليارات، في حين يبقى الرقم الأكبر، وهو 300 مليار دولار، رهناً بالتوصل إلى اتفاق نهائي شامل.
لكن المشكلة، وفق هذا الطرح، أن الاتفاقات المؤقتة كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم. ومع مرور الوقت، قد تجد واشنطن نفسها أمام وضع جديد يصعب التراجع عنه دون تكلفة اقتصادية وسياسية باهظة.
فإعادة فرض العقوبات تعني احتمال عودة التوتر إلى مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، وهو سيناريو يدرك ترامب خطورته جيداً، خصوصاً في ظل حساسية الأسواق واقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية.
ويرى أصحاب هذا التقييم أن الولايات المتحدة دخلت المواجهة بهدف تقليص نفوذ إيران وفرض قيود صارمة على برنامجها النووي، لكنها خرجت باتفاق يخفف العقوبات، ويمنح طهران متنفساً اقتصادياً، ويترك ملفات أساسية معلقة.
الأخطر من ذلك، بحسب القراءة ذاتها، أن الاتفاق قد يكون مؤشراً على تحول أعمق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فالإرهاق من الحروب الطويلة، وتراجع الحماس الشعبي للتدخل العسكري، وتزايد كلفة الانخراط في المنطقة، كلها عوامل قد تدفع واشنطن إلى تقليص دورها الأمني تدريجياً.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تتصاعد المنافسات الإقليمية، وتتوسع أدوار قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين.
في النهاية، لا يتعلق السؤال الحقيقي بحجم الأموال التي قد تحصل عليها إيران فحسب، بل بما إذا كان اتفاق فرساي يمثل بداية عهد جديد في الشرق الأوسط؛ عهد تتراجع فيه الولايات المتحدة خطوة إلى الخلف، تاركة فراغاً قد يعيد رسم خرائط النفوذ والصراعات لعقود مقبلة.

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]