
بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق الأوسط والعالم.
وبحسب مجلة “فورين بوليسي”، فإن نتنياهو يبدو اليوم أقرب من أي زعيم إسرائيلي سابق إلى تحقيق الحلم الذي راود ديفيد بن غوريون منذ تأسيس إسرائيل: ضمان أمريكي دائم لبقاء الدولة العبرية. لكن المفارقة الصادمة أن اللحظة التي تبدو فيها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في أوج قوتها قد تتحول إلى نقطة الانطلاق نحو أفول “التحالف الخاص” الذي صمد لعقود طويلة.
فعلى مدى عقود طويلة، استند ما عرف بـ”التحالف الخاص” إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: توافق سياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقوة هائلة للوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن، وإيمان أمريكي واسع بوجود قيم مشتركة تجمع المجتمعين الأمريكي والإسرائيلي.
لكن هذه الأعمدة بدأت تتصدع بصورة متسارعة.
اللوبي المؤيد لإسرائيل، الذي كان يوصف بأنه قوة لا يمكن تحديها داخل الكونغرس، لم يعد يتمتع بالنفوذ نفسه. فقد واجه أولاً انتقادات متزايدة من الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، قبل أن يجد نفسه في مواجهة تيار انعزالي صاعد داخل معسكر “ماغا” الجمهوري، يرى أن المصالح الأمريكية يجب أن تأتي أولاً حتى لو كان الثمن إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.
وفي الوقت ذاته، شهد الرأي العام الأمريكي تحولاً لافتاً. فبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، تراجع الاعتقاد بأن دعم إسرائيل يخدم المصالح الأمريكية، فيما أظهرت قطاعات واسعة، خصوصاً بين الشباب، تعاطفاً متزايداً مع الفلسطينيين، في تحول غير مسبوق مقارنة بالعقود الماضية.
هذا التغيير لم يكن وليد اللحظة. فقد بدأ قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلا أن الحرب في غزة وما رافقها من دمار واسع النطاق، والحصار والتجويع، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، ساهمت في تسريع وتيرة التحولات داخل المجتمع الأمريكي، خاصة مع الانتشار الهائل للصور ومقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما لم تعد فكرة “القيم المشتركة” تلقى القبول السابق. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة أكثر تنوعاً ثقافياً ودينياً، اتجه المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من المحافظة والانغلاق، ما عمق الفجوة بين قطاعات واسعة من الأمريكيين والإسرائيليين.
تاريخياً، لم تكن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب على هذه الدرجة من الخصوصية. فرغم اعتراف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بإسرائيل فور تأسيسها، فإن رؤساء أمريكيين مثل دوايت أيزنهاور وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب لم يترددوا في معارضة سياسات إسرائيل عندما تعارضت مع المصالح الأمريكية.
غير أن نهاية الحرب الباردة، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، دفعت باتجاه تعزيز التحالف، إذ اعتبر الطرفان أنهما يواجهان تهديدات مشتركة ضمن ما عرف بالحرب على الإرهاب.
لكن نقطة التحول الكبرى جاءت عام 2015، عندما خاض نتنياهو مواجهة مفتوحة مع إدارة الرئيس باراك أوباما بسبب الاتفاق النووي مع إيران. آنذاك، تجاوز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأعراف السياسية الأمريكية، ووجه انتقادات مباشرة للرئيس الأمريكي من داخل الكونغرس، في خطوة رأى كثيرون أنها نسفت ما تبقى من الإجماع الحزبي التقليدي الداعم لإسرائيل.
ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تعمق الانقسام أكثر. فقد اتخذت الإدارة الأمريكية سلسلة قرارات غير مسبوقة لصالح إسرائيل، شملت نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ما عزز ارتباط إسرائيل باليمين الجمهوري على حساب الدعم التقليدي العابر للأحزاب.
في المقابل، نشأ جيل أمريكي جديد لا يعرف سوى إسرائيل نتنياهو. جيل أكثر تنوعاً وانفتاحاً، لا يحمل الارتباط العاطفي نفسه بسردية المحرقة، ويرى القضية الفلسطينية من منظور العدالة وحقوق الإنسان. بل إن عدداً متزايداً من اليهود الأمريكيين أنفسهم باتوا يرفضون اعتبار دعم إسرائيل جزءاً أساسياً من هويتهم السياسية.
وفي الضفة الأخرى، يتنامى داخل التيار المحافظ الأمريكي صوت يطالب بإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، ليس بدافع التضامن مع الفلسطينيين، بل انطلاقاً من رفض الانخراط في نزاعات خارجية وتحميل دافعي الضرائب الأمريكيين أعباء لا تخدم مصالحهم المباشرة.
هذه التحولات مجتمعة دفعت مراقبين إلى الاعتقاد بأن الإجماع الأمريكي المؤيد لإسرائيل يقترب من نهايته، وأن الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأمريكية عام 2028 قد تشكل اختباراً حقيقياً لمستقبل الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.
أما نتنياهو، الذي يتحدث اليوم عن إمكانية تقليص المساعدات الأمريكية باعتبارها خطوة مخططة من جانبه، فيبدو أنه يحاول استباق واقع سياسي جديد بات يصعب تجاهله.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه ربما يكون أكثر من ساهم، بسياساته وتحالفاته وخياراته، في تسريع أفول التحالف الذي اعتبرته إسرائيل لعقود صمام أمان وجودها؟
إذا كانت الحرب والتنسيق العسكري الحاليان يمثلان ذروة “التحالف الخاص”، فإن ما قد يأتي بعدهما ربما يكون بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها مكانة إسرائيل داخل الوعي السياسي الأمريكي، لتجد نفسها أمام عالم مختلف تماماً عما عرفته طوال العقود الماضية.

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]