
لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ورغم أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة حافظت على التزامها بأمن إسرائيل باعتباره أحد ثوابت السياسة الخارجية، فإن الحرب في قطاع غزة، والتصعيد العسكري مع إيران، وما رافقهما من انقسام سياسي داخلي، أعادت طرح أسئلة كانت حتى وقت قريب بعيدة عن دوائر صنع القرار في واشنطن.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تحليلًا للمدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، كينيث روث، رأى فيه أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تشهد تحولًا جيليًا متسارعًا، وأن استمرار الحرب في غزة والتوتر مع إيران أسهما في تعميق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي، وأعادا فتح النقاش بشأن مستقبل الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لإسرائيل.
منذ نهاية الحرب الباردة، احتفظت إسرائيل بمكانة خاصة في السياسة الأمريكية، مستندة إلى توافق واسع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تغير تدريجي في المزاج السياسي، ولا سيما بين الأجيال الشابة، التي باتت تنظر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زاوية تختلف عن المقاربات التقليدية التي سادت لعقود.
وتعكس استطلاعات الرأي تزايد الأصوات المطالبة بإخضاع المساعدات العسكرية الأمريكية لمعايير سياسية وقانونية، في وقت أصبحت فيه قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي جزءًا أساسيًا من النقاش العام، سواء داخل الجامعات، أو مراكز الأبحاث، أو أوساط الحزب الديمقراطي.
ولا يعني ذلك بالضرورة تراجعًا جذريًا في الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل، لكنه يشير إلى تحول في طبيعة النقاش، وانتقاله من مرحلة الإجماع السياسي إلى مساحة أوسع من الجدل والمراجعة.
مثّلت الحرب في غزة واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة. فقد تجاوز الجدل حدود الانقسام الحزبي التقليدي، ليمتد إلى الجامعات ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث، حيث تصاعدت الدعوات إلى إعادة تقييم السياسة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وفي المقابل، واصلت الإدارة الأمريكية تأكيد التزامها بأمن إسرائيل، لكنها وجدت نفسها في مواجهة ضغوط داخلية متزايدة تدعو إلى ربط الدعم العسكري باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين المواقف الرسمية وبعض اتجاهات الرأي العام.
لم تقتصر التحديات على الحرب في غزة، بل امتدت إلى المواجهة مع إيران، التي وضعت واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع في المنطقة، ومن جهة أخرى تحرص على الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل.
وتشير مؤشرات عديدة إلى تباين متزايد في أولويات الطرفين؛ فبينما تركز واشنطن على احتواء التصعيد وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، تميل الحكومة الإسرائيلية إلى تبني مقاربة أكثر تشددًا في التعامل مع إيران وحلفائها في المنطقة.
ويعكس هذا التباين تحولًا في طبيعة العلاقة، من توافق واسع في الأهداف إلى اختلاف في مقاربات إدارة الأزمات، وهو ما قد يفرض على الطرفين إعادة صياغة آليات التنسيق خلال المرحلة المقبلة.
تتداخل السياسة الخارجية الأمريكية بصورة وثيقة مع الحسابات الداخلية، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فقد أصبحت مواقف المرشحين من الحرب في غزة ومن العلاقة مع إسرائيل جزءًا من الخطاب الانتخابي، بعدما كانت هذه الملفات تحظى بإجماع شبه كامل.
وفي الحزب الديمقراطي، برز تيار يدعو إلى مراجعة طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، في حين لا يزال الحزب الجمهوري يتمسك بمواقف أكثر تقليدية، وإن كانت بعض الأصوات داخل تيار “أمريكا أولًا” تدعو إلى تقليص الانخراط الأمريكي في النزاعات الخارجية بصورة عامة.
يصعب الحديث عن قطيعة بين واشنطن وتل أبيب، فالمصالح الأمنية والعسكرية والاستخباراتية التي تجمع البلدين لا تزال عميقة ومتشابكة. غير أن ذلك لا يمنع من الإقرار بأن هذه العلاقة تمر بمرحلة مراجعة تفرضها المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية.
وربما لا يكون السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل، بل كيف سيُعاد تعريف هذا التحالف، وما إذا كان الدعم الأمريكي سيظل مفتوحًا بالشكل الذي عرفته العقود الماضية، أم سيصبح أكثر ارتباطًا بحسابات السياسة الأمريكية ومصالحها الاستراتيجية.
تدخل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية مرحلة تختلف عن كل ما سبقها. فالتحولات الجيلية داخل الولايات المتحدة، وتداعيات الحرب في غزة، والتوتر مع إيران، أعادت فتح نقاش كان يُعد حتى وقت قريب من القضايا شبه المحسومة في السياسة الأمريكية.
وبينما يبقى التحالف بين البلدين قائمًا، فإن شكله وأولوياته وآليات إدارته قد تشهد مراجعات تدريجية خلال السنوات المقبلة، بما يعكس التحولات التي يشهدها الداخل الأمريكي، أكثر مما يعكس تغيرًا جذريًا في طبيعة التحالف نفسه.

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]

بينما تنشغل المنطقة بتحولات سياسية وأمنية متسارعة، تتصاعد على الأرض تحركات جماعات استيطانية إسرائيلية تسعى إلى نقل نموذج الاستيطان من الضفة الغربية إلى الأراضي السورية المحتلة. وفي مقدمة هذه الجماعات تبرز حركة "حلوتسي هباشان"، التي بات اسمها يتردد بصورة متزايدة مع كل محاولة توغل جديدة داخل الجنوب السوري. وتعود بداية هذه التحركات إلى ما بعد [...]