
لم تعد المشكلة الأصعب أمام واشنطن في حرب إيران هي قدرتها على توجيه ضربة جديدة، وإنما قدرتها على معرفة أين يمكن أن تنتهي الحرب. فبعد أشهر من المواجهة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي رسمتها في الأيام الأولى: قوة عسكرية هائلة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، مقابل واقع سياسي وأمني لا يمكن حسمه بالقصف وحده.
عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما الواسع على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، كان الرهان الأميركي واضحًا: تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، ضرب البرنامج النووي، وإجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة. ومع اتساع العمليات، ظهر هدف آخر أكثر حساسية، يتمثل في إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الذي قد يفتح الطريق أمام تغييرات سياسية من الداخل.
لكن الحرب دخلت مرحلة مختلفة. فالضربات ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها لم تنتج النتيجة السياسية التي كانت واشنطن تريدها. لم تختفِ إيران من المعادلة، ولم تتوقف قدرتها على الرد، ولم يتحول التفوق العسكري الأميركي إلى تسوية سياسية تضمن للولايات المتحدة نهاية واضحة للحرب.
وهنا بدأ السؤال يتغير داخل واشنطن. لم يعد الأمر متعلقًا فقط بما تستطيع القوات الأميركية تدميره، وإنما بما تستطيع الإدارة الأميركية تحقيقه بعد انتهاء القصف. وهذه نقطة فارقة في أي حرب؛ إذ إن تدمير القدرات العسكرية شيء، وإنتاج واقع سياسي جديد ومستقر شيء آخر تمامًا.
تزداد صعوبة الموقف مع استمرار أزمة مضيق هرمز. فالممر البحري الذي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية أصبح ورقة ضغط مركزية في الصراع، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز والتأمين والشحن، ولا يبقى محصورًا بين واشنطن وطهران.
وبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإن استمرار الأزمة في هرمز يعني أن الحرب لم تعد مجرد معركة حول المنشآت النووية أو الصواريخ الإيرانية. لقد أصبحت اختبارًا مباشرًا لقدرة الولايات المتحدة على حماية حركة التجارة والطاقة وحلفائها في الخليج، وهي مسؤولية ترفع كلفة استمرار الحرب كلما طال أمدها.
وهنا تكمن المفارقة. فالولايات المتحدة تستطيع زيادة الضغط العسكري، لكنها كلما فعلت ذلك زادت احتمالات الرد الإيراني، سواء بالصواريخ والطائرات المسيّرة أو عبر أدوات غير تقليدية تستهدف الملاحة والمصالح الأميركية وحلفائها. وفي المقابل، فإن تخفيف الضغط من دون الحصول على اتفاق واضح قد يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها وتقديم نهاية الحرب باعتبارها نتيجة للصمود في مواجهة قوة عظمى.
لذلك تبدو واشنطن عالقة بين كلفتين: كلفة الاستمرار وكلفة التراجع.
الاستمرار يعني حربًا أطول، ومخاطر أكبر على القوات الأميركية، وضغوطًا إضافية على الحلفاء وأسواق الطاقة، فضلًا عن احتمال اتساع دائرة المواجهة إلى ساحات أخرى في المنطقة. أما التراجع من دون تسوية سياسية واضحة، فقد يخلق مشكلة مختلفة للرئيس دونالد ترامب، الذي جعل القوة والضغط الأقصى جزءًا أساسيًا من سياسته تجاه إيران.
لهذا السبب تبدو العقوبات والضغط الاقتصادي جزءًا متزايد الأهمية من استراتيجية واشنطن. الفكرة بسيطة في ظاهرها: إذا لم يؤدِ الضغط العسكري وحده إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات، فإن الجمع بين الضربات والعقوبات والضغط على مصادر الدخل قد يجعل كلفة استمرار المواجهة أعلى بالنسبة إلى القيادة الإيرانية.
لكن حتى هذا الرهان ليس مضمونًا. فإيران تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وطورت خلال السنوات الماضية قنوات بديلة للتجارة والتمويل، كما أن لديها علاقات اقتصادية وسياسية مع قوى دولية تستطيع من خلالها تخفيف بعض آثار الضغط الأميركي. ولذلك فإن الرهان على الانهيار الاقتصادي السريع يحمل قدرًا كبيرًا من عدم اليقين.
الأكثر تعقيدًا أن الضغط الشديد لا يؤدي دائمًا إلى الاستسلام. أحيانًا يدفع الطرف المحاصر إلى مزيد من التشدد، خصوصًا عندما يعتقد أن التراجع سيعرض بقاء النظام للخطر. وفي حالة إيران، قد تتحول الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى عامل يدفعها إلى التشبث بأوراق القوة المتبقية لديها بدل التخلي عنها.
ومن هنا يعود الملف النووي إلى قلب المعضلة.
إذا كانت الولايات المتحدة قد دخلت الحرب لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن السؤال الذي سيحدد نجاح الحرب من عدمه هو: ماذا سيحدث للبرنامج النووي بعد توقف العمليات؟ فحتى إذا دمرت الضربات منشآت وقدرات معينة، فإن المعرفة والخبرة البشرية والبنية العلمية لا تختفي بالضرورة بالقصف، وقد تصبح لدى طهران حوافز أكبر لإعادة بناء برنامجها بصورة أكثر سرية وتشددًا.
وهذا يعني أن الهدف الأميركي لا يمكن أن يكون مجرد تدمير منشآت، بل يحتاج إلى ترتيبات سياسية ورقابية طويلة الأمد. وهنا تحديدًا يصبح الاتفاق أكثر أهمية من الضربة العسكرية.
لكن أي اتفاق محتمل لن يكون سهلًا.
واشنطن تريد اتفاقًا يحد من البرنامج النووي، ويضع قيودًا على الصواريخ، ويعالج نفوذ إيران الإقليمي، ويضمن أمن الملاحة في الخليج. أما طهران فستسعى، في المقابل، إلى رفع العقوبات والحصول على ضمانات تمنع تكرار الحرب، مع الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من قدرتها على الردع.
المسافة بين الموقفين واسعة.
ومع ذلك، فإن طول الحرب قد يدفع الطرفين تدريجيًا إلى منطقة وسطى. فواشنطن تحتاج إلى إنجاز سياسي تستطيع تقديمه للرأي العام باعتباره نتيجة للضغط العسكري، وإيران تحتاج إلى صيغة توقف الحرب من دون أن تبدو وكأنها قدمت استسلامًا كاملًا.
وهنا قد يكون مفتاح الخروج موجودًا في اللغة أكثر مما هو موجود في الميدان.
يمكن لكل طرف أن يعلن أنه حقق أهدافه الأساسية، بينما يجري عمليًا التوصل إلى تسوية تقلص مستوى المواجهة وتعيد فتح طرق الملاحة وتفرض ترتيبات بشأن البرنامج النووي. مثل هذه الصيغة ليست انتصارًا كاملًا لأي طرف، لكنها قد تكون الطريقة الوحيدة لإنهاء حرب لم يعد استمرارها مضمون النتائج.
وبالنسبة إلى ترامب، ستكون المسألة أكثر من مجرد اتفاق مع إيران. ستكون اختبارًا لقدرته على تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار. فالقوة تستطيع فتح الطريق أمام المفاوضات، لكنها لا تستطيع وحدها كتابة اتفاق دائم أو ضمان التزام الطرف الآخر به.
كما أن دول الخليج ستراقب شكل النهاية عن كثب. فبالنسبة إليها، السؤال ليس فقط كيف تنتهي الحرب، وإنما ماذا سيبقى بعدها؟ هل ستعود الملاحة إلى طبيعتها؟ هل ستتراجع مخاطر الهجمات؟ وهل ستظل الولايات المتحدة مستعدة لتحمل تكلفة الدفاع عن حلفائها إذا اندلعت مواجهة جديدة؟
هذه الأسئلة قد تكون أهم من نتيجة أي معركة منفردة.
فالحرب أعادت إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول الدور الأميركي في الشرق الأوسط. وإذا انتهت بتسوية تحفظ مصالح واشنطن وتعيد الاستقرار إلى المنطقة، فقد تقدم الإدارة الأميركية نفسها باعتبارها استخدمت القوة للوصول إلى اتفاق أفضل. أما إذا استمرت العمليات من دون نتيجة سياسية واضحة، فقد تتحول الضربات التي بدأت باعتبارها أداة للحسم إلى عبء استراتيجي طويل الأمد.
ولهذا فإن المعضلة الحقيقية أمام واشنطن ليست هل تستطيع مواصلة الحرب، وإنما هل تستطيع مواصلتها من دون أن تصبح الحرب هي السياسة نفسها.
في نهاية المطاف، قد لا يكون المخرج الأميركي من حرب إيران في انتصار عسكري ساحق أو انسحاب مفاجئ، بل في تسوية تسمح لواشنطن بالخروج وهي قادرة على القول إنها حققت أهدافها الأساسية، وتسمح لطهران بالقول إنها منعت خصومها من فرض شروط الاستسلام عليها.
وبين الروايتين، ستتحدد نتيجة الحرب الحقيقية.
فالسؤال الذي يواجه واشنطن الآن لم يعد: من يملك القوة الأكبر؟ فهذا محسوم عسكريًا إلى حد بعيد. السؤال الأصعب هو: من يستطيع تحويل هذه القوة إلى اتفاق يوقف الحرب من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أكبر من ثمن استمرارها؟
وهنا تحديدًا يقف ترامب أمام أصعب اختبار في حرب إيران: أن يعرف متى يتوقف، وماذا يطلب مقابل التوقف، وكيف يعلن النهاية باعتبارها انتصارًا سياسيًا لا انسحابًا من مأزق لم يجد له مخرجًا.

تقترب بريطانيا من اتخاذ خطوة أكثر صرامة تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت الضغوط في لندن من حدود الإدانة السياسية إلى بحث إجراءات اقتصادية تستهدف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، في تطور قد يفتح فصلًا جديدًا في العلاقات بين البلدين. وجاء التصعيد البريطاني بعد طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء نحو 1200 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة [...]

ليست أصعب لحظة في أي اتفاق دفاعي هي لحظة التوقيع، بل اللحظة التي يختبر فيها الواقع معنى الكلمات التي وُقعت عليها الوثيقة. ولهذا تبدو إسطنبول، أكثر من مكة، نقطة البداية الحقيقية لاتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان. فغداً الاثنين، يجتمع وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان الدول الثلاث في أول اجتماع للجنة المنبثقة عن الاتفاق [...]

كشفت مجلة بوليتيكو أن المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تفرض ضغوطًا متزايدة على القدرات العسكرية الأمريكية، وسط مخاوف من أن يؤدي استنزاف القوات والموارد في الشرق الأوسط إلى إضعاف حضور واشنطن وردعها في مناطق استراتيجية أخرى، ولا سيما في مواجهة الصين وروسيا. وبحسب تقرير المجلة، دفعت التطورات العسكرية الأخيرة وزارة الدفاع الأمريكية إلى إعادة [...]

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]