
لأكثر من أربعة عقود، ارتبط أمن الخليج بصورة وثيقة بالحضور الأميركي. قواعد عسكرية، وقدرات استخباراتية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي وبحري، وشبكات قيادة وسيطرة، جعلت واشنطن الركيزة الأبرز في معادلة الأمن الإقليمي.
لكن المنطقة لم تعد كما كانت.
فالحروب والتوترات المتلاحقة، من حرب غزة إلى المواجهة الأميركية الإيرانية، أظهرت لدول الخليج أن المخاطر يمكن أن تنتقل سريعاً إلى أجوائها وأراضيها ومياهها، وأن الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة والطاقة تجعل الحدود الجغرافية أقل أهمية في الحسابات الأمنية.
من هنا بدأ يتبلور سؤال جديد في الخليج: هل تبقى واشنطن المظلة الرئيسية للأمن، أم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شبكة أوسع من الشراكات والقدرات والضمانات؟
المؤشرات الأخيرة لا توحي بأن دول الخليج تبحث عن بديل كامل للولايات المتحدة، بقدر ما تشير إلى رغبة متزايدة في تنويع مصادر الردع وتقليل الاعتماد الأحادي على قوة واحدة.
لا تزال الولايات المتحدة الطرف العسكري الأكثر حضوراً في الخليج، ولا تبدو دول المنطقة في وارد التخلي عن الشراكة معها.
فالتكنولوجيا العسكرية الأميركية، وشبكات الدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات، والانتشار العسكري، كلها تجعل واشنطن جزءاً رئيسياً من أي ترتيبات أمنية إقليمية.
لكن الفارق أن هذه العلاقة لم تعد تعني بالضرورة الاعتماد عليها وحدها.
والصيغة الجديدة تبدو أقرب إلى إضافة طبقات أخرى إلى المنظومة الأمنية، بحيث تتوزع الأدوار بين قوى إقليمية ودولية مختلفة.
وهذا التحول لا يعني نهاية المظلة الأميركية، بل إعادة تعريف موقعها داخل منظومة أمن أكثر تعدداً.
كان التطور الأوضح في هذا الاتجاه توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب 2026.
وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز أوجه التعاون الدفاعي والأمني بينها.
لكن أهمية الاتفاق لا تكمن في نصه وحده.
فالسعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً في الخليج، وتركيا تمتلك قوة عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية متقدمة، بينما تضيف باكستان وزناً عسكرياً واستراتيجياً خاصاً بحكم قدراتها الدفاعية وموقعها.
وهذا الخليط يفتح الباب أمام صيغة جديدة من التعاون والردع الإقليمي، وإن كان من المبكر الحكم بأنه أصبح منظومة عسكرية متكاملة.
والأهم أن الاتفاق بدأ ينتقل من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى بناء آليات تنفيذية. ففي 31 أغسطس/آب، عقدت الدول الثلاث أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول، وبحثت تطوير التعاون الدفاعي والقدرات المشتركة والتنسيق بين المؤسسات المعنية. كما أعلنت الأطراف عن إنشاء أمانة للاتفاق في الرياض.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل يتحول الاتفاق إلى قدرة فعلية على الردع والعمل المشترك، أم يبقى إطاراً سياسياً لتعزيز التنسيق؟
من المهم قراءة اتفاق مكة بعيداً عن فكرة أن الخليج يبحث عن بديل جاهز للولايات المتحدة.
فالمواقف الرسمية التركية والباكستانية شددت على الطبيعة الدفاعية للاتفاق، فيما أكدت الأطراف أنه لا يستهدف دولة بعينها، ولا يلغي ترتيباتها وتحالفاتها الدفاعية القائمة.
وهذا يعني أن الاتجاه الأبرز قد لا يكون إنشاء محور جديد بقدر ما هو توسيع شبكة الخيارات الأمنية.
فكلما زادت قنوات التعاون الدفاعي، أصبحت الدول الخليجية أكثر قدرة على توزيع المخاطر، والحصول على مجالات مختلفة من الدعم العسكري والتقني والسياسي، من دون قطع صلاتها بالشركاء التقليديين.
إلى جانب تركيا وباكستان، ترتبط دول الخليج بعلاقات دفاعية وأمنية عميقة مع عدد من الدول الأوروبية.
وتوفر هذه العلاقات مجالات للتعاون في الأمن البحري، والتدريب، والدفاع، وحماية الممرات الاستراتيجية، فضلاً عن الوجود العسكري لبعض الدول الأوروبية في المنطقة.
لكن الدور الأوروبي لا يوازي الدور الأميركي من حيث الحجم والانتشار والقدرات، ولذلك يصعب النظر إليه باعتباره بديلاً عن واشنطن.
الأدق هو أنه طبقة مكملة ضمن شبكة أمنية آخذة في الاتساع.
وهنا تظهر إحدى سمات التحول الخليجي: ليس المطلوب مظلة واحدة جديدة، وإنما توزيع الوظائف الأمنية على أكثر من شريك.
الصين تدخل إلى المعادلة من زاوية مختلفة.
فبكين لا تمتلك الانتشار العسكري الأميركي في الخليج، لكنها تتمتع بعلاقات اقتصادية واسعة مع دول المنطقة، ونفوذ تجاري وتكنولوجي متزايد، وعلاقات مع مختلف القوى الإقليمية.
وهذه المكانة يمكن أن تمنح الصين دوراً في الوساطة وخفض التصعيد وإدارة الأزمات، أكثر من كونها قوة ردع عسكري مباشر.
وفي منطقة تتشابك فيها مصالح الطاقة والتجارة والأمن، يصبح الاستقرار الاقتصادي نفسه جزءاً من معادلة الأمن.
الهند بدورها تدخل إلى المشهد عبر الطاقة والتجارة والموانئ والمحيط الهندي.
فالعلاقات المتنامية بين الهند ودول الخليج لا تقتصر على التجارة، بل تشمل التكنولوجيا والاستثمار واللوجستيات، بما يجعل استقرار الخليج مصلحة استراتيجية لنيودلهي.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تصبح الهند جزءاً من مفهوم أوسع للأمن الإقليمي، لا يعتمد فقط على القوات والسلاح، بل أيضاً على استمرار التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.
الحروب الأخيرة وسعت تعريف الخطر بالنسبة إلى دول الخليج.
فاستهداف منشأة داخل الدولة يمثل تهديداً مباشراً، لكن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن تكون له آثار اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.
والأمر نفسه ينطبق على الموانئ ومنشآت الطاقة والكابلات البحرية وشبكات الإمداد.
ولهذا بات الأمن القومي الخليجي يبدأ خارج الحدود بقدر ما يبدأ داخلها.
الممر البحري، والميناء، وخط الطاقة، والكابل البحري، باتت جميعها أجزاء من منظومة الأمن، لا مجرد بنية اقتصادية.
هذا التحول يقود إلى مفهوم أوسع للأمن الخليجي.
فبدلاً من التركيز فقط على حماية المجال الجوي والحدود، تتجه الدول إلى بناء علاقات وقدرات يمكن أن تتعامل مع مصادر الخطر قبل وصولها إلى أراضيها.
قد يكون ذلك عبر تعاون استخباري مع دولة، أو شراكة دفاعية مع أخرى، أو علاقة اقتصادية مع قوة آسيوية، أو قناة سياسية تسمح بالوساطة واحتواء التصعيد.
وهكذا يتحول الأمن من علاقة رأسية بين دولة وحليف واحد إلى شبكة أفقية من الشراكات المتداخلة.
مع ذلك، لا يعني تنويع الشركاء أن بناء منظومة أكثر تعدداً سيكون أمراً سهلاً.
فكلما زاد عدد الأطراف، زادت الحاجة إلى تنسيق الأولويات، وتبادل المعلومات، وتحديد قواعد العمل، وضمان اتخاذ قرار سريع في لحظات الخطر.
وهذا هو التحدي الذي يواجه اتفاق مكة وغيره من ترتيبات التعاون المقبلة.
فامتلاك قدرات عسكرية كبيرة شيء، والقدرة على دمجها في منظومة واحدة تعمل بكفاءة تحت الضغط شيء آخر.
ولهذا ستتوقف قيمة الاتفاق الثلاثي على مدى نجاحه في الانتقال من البيان السياسي إلى القدرة العملياتية.
المشهد الحالي لا يشير إلى أن دول الخليج تستعد لطي صفحة الشراكة الأميركية.
الأقرب هو أنها تعيد توزيع المخاطر.
فالولايات المتحدة تظل لاعباً رئيسياً في الردع الاستراتيجي، بينما تضيف تركيا وباكستان طبقة جديدة من التعاون الدفاعي، وتوفر أوروبا قدرات مكملة، ويمكن للصين والهند أن تلعبا أدواراً سياسية واقتصادية ولوجستية مختلفة.
وهكذا يصبح الهدف ليس استبدال شريك بآخر، وإنما تقليل هشاشة الاعتماد على مركز واحد.
وقد يكون هذا هو التغيير الأكثر أهمية في بنية الأمن الخليجي: الانتقال من منطق المظلة الواحدة إلى منطق الشبكة الأمنية متعددة الطبقات.
ربما يكون السؤال الأدق ليس ما إذا كانت المظلة الأميركية قد انتهت، بل ما إذا كانت قد فقدت موقعها الحصري.
فالولايات المتحدة ما زالت حاضرة، ودول الخليج ما زالت تعتمد على قدراتها وعلاقاتها الدفاعية.
لكنها في الوقت نفسه تبني مساحات أوسع للحركة، وتنسج علاقات أمنية وسياسية واقتصادية مع قوى إقليمية ودولية متعددة.
وهذا يعني أن الخليج لا يستبدل واشنطن بأنقرة أو إسلام آباد أو بكين، ولا يغلق الباب أمام أوروبا أو الهند.
إنه يفعل شيئاً أكثر تعقيداً: يعيد بناء منظومة أمنه بحيث لا ترتبط قدرتها على الصمود بقرار طرف واحد فقط.
وإذا استمر هذا المسار، فقد يكون العقد المقبل شاهداً على إعادة تعريف عميقة للأمن الخليجي؛ منظومة تظل فيها الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً، لكن داخل شبكة أوسع من الشراكات والقدرات، حيث يصبح تنويع الردع جزءاً من الردع نفسه.

في حرب دخلت عامها الرابع، لم تعد خطوط المواجهة في السودان ترسم وحدها خريطة الصراع. فخلف الجبهات الممتدة من الخرطوم إلى دارفور، تتحرك شبكات أخرى أقل ظهوراً، تبدأ من المطارات وممرات العبور وتنتهي عند خطوط القتال، حاملة ما تحتاجه الأطراف المتحاربة للاستمرار. ومن بين أكثر الخيوط إثارة للجدل في هذا السياق، وثيقة متداولة تتحدث عن [...]

لم تعد الحرب مع إيران بالنسبة إلى واشنطن مجرد مواجهة عسكرية تدور بعيداً عن الأراضي الأميركية. فكلما طال أمدها، انتقلت تداعياتها أكثر إلى الداخل الأميركي، من أسعار الطاقة وكلفة المعيشة إلى النقاش حول جدوى التدخل العسكري وحدود القوة الأميركية. وهنا يبرز السؤال الأصعب أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب: هل تستطيع واشنطن تحويل الحرب إلى إنجاز [...]

تقترب بريطانيا من اتخاذ خطوة أكثر صرامة تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت الضغوط في لندن من حدود الإدانة السياسية إلى بحث إجراءات اقتصادية تستهدف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، في تطور قد يفتح فصلًا جديدًا في العلاقات بين البلدين. وجاء التصعيد البريطاني بعد طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء نحو 1200 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة [...]

لم تعد المشكلة الأصعب أمام واشنطن في حرب إيران هي قدرتها على توجيه ضربة جديدة، وإنما قدرتها على معرفة أين يمكن أن تنتهي الحرب. فبعد أشهر من المواجهة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي رسمتها في الأيام الأولى: قوة عسكرية هائلة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، مقابل واقع سياسي وأمني [...]

ليست أصعب لحظة في أي اتفاق دفاعي هي لحظة التوقيع، بل اللحظة التي يختبر فيها الواقع معنى الكلمات التي وُقعت عليها الوثيقة. ولهذا تبدو إسطنبول، أكثر من مكة، نقطة البداية الحقيقية لاتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان. فغداً الاثنين، يجتمع وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان الدول الثلاث في أول اجتماع للجنة المنبثقة عن الاتفاق [...]

كشفت مجلة بوليتيكو أن المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تفرض ضغوطًا متزايدة على القدرات العسكرية الأمريكية، وسط مخاوف من أن يؤدي استنزاف القوات والموارد في الشرق الأوسط إلى إضعاف حضور واشنطن وردعها في مناطق استراتيجية أخرى، ولا سيما في مواجهة الصين وروسيا. وبحسب تقرير المجلة، دفعت التطورات العسكرية الأخيرة وزارة الدفاع الأمريكية إلى إعادة [...]