
أبوظبي – محمد فال معاوية
في السياسة الدولية، لا تُقرأ الزيارات الرسمية من خلال جدول اللقاءات المعلن فقط، بل من خلال اللحظة التي تأتي فيها، والمصالح التي تتقاطع حولها، وما يمكن أن تتركه من أثر في العلاقة بين الدول.
زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا في سبتمبر 2026 تأتي في لحظة تعيد فيها أزمات الطاقة والتجارة والممرات البحرية تشكيل حسابات أوروبا والخليج معًا. وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين أبوظبي وبرلين وقد تجاوزت إطار التعاون الاقتصادي التقليدي إلى شراكة أكثر اتساعًا، تجمع الطاقة والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والمرونة الاقتصادية.
وبحسب الإعلان الرسمي الإماراتي، يلتقي الشيخ محمد بن زايد الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرتس لبحث العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون الاقتصادي والتنموي، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية، في إطار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
لكن السؤال الأهم ليس فقط ما الذي سيُبحث في برلين، وإنما: هل تمثل الزيارة انتقالًا بالعلاقة الإماراتية الألمانية من تبادل المصالح إلى بناء مصالح وقدرات مشتركة طويلة الأمد؟
ما يجري في برلين لا يبدأ من الصفر. ففي فبراير 2026، زار المستشار الألماني فريدريش ميرتس الإمارات، وشهد مع الشيخ محمد بن زايد اتفاقات بين «أدنوك» وشركة RWE لاستكشاف إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية، وبين RWE و«مصدر» لبحث الاستثمار في تخزين الطاقة بالبطاريات داخل ألمانيا.
ويشمل إطار التعاون بين «أدنوك» وRWE إمكان توريد ما يصل إلى مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة تصل إلى عشر سنوات، بينما يستهدف التعاون بين RWE و«مصدر» تطوير استثمارات في تخزين الطاقة. وهذه الاتفاقات تكشف أن العلاقة لا تُبنى على صفقة منفردة، بل على منظومة مصالح تمتد من الطاقة التقليدية إلى الطاقة المستقبلية.
من هنا، تبدو زيارة برلين أقرب إلى محطة لترسيخ مسار بدأ بالفعل وتوسيع نطاقه.
ألمانيا تواجه بيئة اقتصادية وطاقة أكثر تعقيدًا من تلك التي اعتادت العمل فيها لعقود. فتداعيات أزمة الطاقة الأوروبية، واضطراب الأسواق العالمية، وتوتر سلاسل الإمداد، والمنافسة الصناعية المتزايدة، كلها دفعت برلين إلى البحث عن مزيد من التنوع والمرونة.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل اضطراب سوق الغاز الأوروبي. كما أن انخفاض مستويات تخزين الغاز في ألمانيا خلال سبتمبر، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار الأوروبية نتيجة التوترات الإقليمية، يجعل مسألة أمن الإمدادات أكثر إلحاحًا.
لكن قيمة الإمارات بالنسبة إلى ألمانيا لا تتوقف عند الطاقة.
فالإمارات تجمع بين موارد الطاقة والقدرة الاستثمارية والبنية التحتية والخبرة في الموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب توسعها في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا. وتقول الخارجية الألمانية إن الإمارات كانت في 2025 من أهم الشركاء الاقتصاديين لألمانيا في المنطقة، فيما يعمل نحو ألفي شركة ألمانية في السوق الإماراتية.
وهذا يجعل الإمارات بالنسبة إلى برلين أكثر من مصدر محتمل للطاقة؛ فهي أيضًا منصة اقتصادية إقليمية وشريك استثماري قادر على فتح أسواق واتصالات تجارية أوسع.
في الاتجاه الآخر، لا تتحرك أبوظبي في أوروبا باعتبارها موردًا للطاقة فقط، بل كمستثمر يبحث عن موقع داخل الاقتصادات التي تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية مؤثرة.
أوضح الأمثلة على ذلك استثمار «XRG»، ذراع الاستثمارات الدولية التابعة لـ«أدنوك»، بقيمة 14.7 مليار يورو للاستحواذ على شركة «كوفيسترو» الألمانية. واكتملت الصفقة في ديسمبر 2025، لتصبح «كوفيسترو» جزءًا من شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع XRG، بما يعزز حضور رأس المال الإماراتي في قطاع الصناعات الكيميائية والبوليمرات المتقدمة في ألمانيا.
وهنا تظهر تحوّل مهم في طبيعة الحضور الإماراتي.
رأس المال الإماراتي في أوروبا لا يبحث عن العائد فقط، بل عن شراكات طويلة الأمد في قطاعات ترتبط بالصناعة والطاقة والتكنولوجيا.
وفي المقابل، تحتاج ألمانيا إلى رأس المال الخارجي، والأسواق، والشراكات الدولية التي تساعد قطاعها الصناعي على المنافسة في مرحلة تتزايد فيها الضغوط.
إذا التقت هذه المصالح، فإن العلاقة يمكن أن تنتقل من علاقة بين مورد ومستهلك إلى علاقة بين شريكين في بناء سلاسل قيمة جديدة.
التوترات في مضيق هرمز تضيف بُعدًا آخر إلى هذا المسار.
فالممر البحري ليس مجرد طريق لعبور النفط والغاز؛ بل يمثل أحد أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية. وأدى تراجع حركة السفن خلال الأزمة الحالية إلى تذكير الأسواق بحجم المخاطر التي تترتب على الاعتماد على ممر واحد.
وفي 7 سبتمبر، قال المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش إن الإمارات تعمل على تطوير طرق بديلة لتصدير الطاقة والتجارة، تشمل توسيع قدرات الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات التجارية، مشددًا على أن الاقتصاد الإماراتي وصادرات الطاقة لن تكون رهينة للتوترات الإقليمية.
هذه السياسة تحمل دلالة تتجاوز الأزمة الحالية.
فالإمارات تسعى إلى تعزيز قدرتها على الاستمرار في تصدير الطاقة وتحريك التجارة حتى في حال تعطل مسار تقليدي، وهو ما يجعل البنية التحتية جزءًا من مفهوم الأمن الاقتصادي.
ومن هذه الزاوية، تتقاطع المصالح الإماراتية مع المصالح الأوروبية.
فألمانيا لا تحتاج فقط إلى طاقة إضافية، وإنما إلى منظومة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، من خلال تنويع المصادر والطرق والمخزونات والشركاء.
ربما تكمن هذه النقطة في قلب الشراكة الجديدة.
ألمانيا تستطيع شراء الغاز من أكثر من جهة، لكن التحدي الحقيقي هو بناء اقتصاد أقل تعرضًا للصدمات المفاجئة.
ولهذا تصبح اتفاقات الغاز الطبيعي المسال، وتخزين الطاقة، والاستثمار الصناعي، والموانئ، والتكنولوجيا، عناصر مترابطة في مفهوم واحد: المرونة الاستراتيجية.
وهنا تبرز أهمية التعاون بين RWE و«مصدر». فقد وقّعت الشركتان في فبراير 2026 مذكرة تفاهم لاستكشاف والاستثمار المشترك في مشروعات أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا، بما يشمل بحث استثمار «مصدر» بحلول 2030 في مشروعات قائمة تابعة لـRWE بقدرة تصل إلى 1 غيغاواط، وتقييم تطوير مشروعات جديدة بقدرة تصل إلى 1 غيغاواط بحلول 2035. ووفق الشركتين، يمكن لهذه الأنظمة أن تدعم توسع الطاقة المتجددة عبر موازنة تقلبات الإنتاج وتعزيز استقرار إمدادات الكهرباء.
وبالتالي، فإن الشراكة لا تتعلق فقط بتأمين طاقة اليوم، بل بالمشاركة في تشكيل منظومة الطاقة الأوروبية في السنوات المقبلة.
قد يكون التحول الأكبر في العلاقة هو اتساعها من الطاقة إلى الصناعة والتكنولوجيا.
فألمانيا تحتاج إلى استثمارات تساعد شركاتها على النمو، والإمارات تسعى إلى الوصول إلى التكنولوجيا والخبرات الصناعية والأسواق الأوروبية.
وهذا يخلق معادلة مختلفة: الإمارات تقدم رأس المال والطاقة والقدرة الاستثمارية، وألمانيا تقدم القاعدة الصناعية والتكنولوجية والسوق الأوروبية.
وعندما تلتقي هذه المزايا، يصبح من الممكن بناء مشروعات مشتركة ذات قيمة تتجاوز حدود التجارة الثنائية.
وهذا ما يجعل الشراكة الإماراتية الألمانية ذات أهمية خاصة في قطاعات مثل التخزين والهيدروجين والصناعات الكيميائية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
لكن اتساع المصالح الاقتصادية لا يعني غياب الملفات السياسية محل النقاش. وقد رافقت زيارة الدولة مواقف وانتقادات في ألمانيا بشأن عدد من القضايا الإقليمية. وتبقى هذه المواقف جزءًا من النقاش السياسي حول العلاقات مع أبوظبي، من دون أن تلغي الإطار الرسمي للشراكة القائم على الحوار والمصالح المشتركة.
وهنا يظهر اختبار مهم للعلاقة: هل يستطيع الطرفان تعظيم المصالح المشتركة وإدارة الملفات التي تختلف فيها المواقف؟
في العلاقات الدولية، لا تعني الشراكة غياب الخلاف، بل القدرة على منع الخلاف من إلغاء المصالح.
وهذا النموذج يبدو أقرب إلى طبيعة العلاقة بين أبوظبي وبرلين، التي تقوم على توسيع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية مع الحفاظ على هامش مستقل في القضايا السياسية التي تختلف فيها المواقف.
يمكن قراءة المصالح الإماراتية من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.
وبهذه المعادلة تصبح ألمانيا بالنسبة إلى الإمارات بوابة اقتصادية وسياسية إلى أوروبا، وليس مجرد سوق إضافية.
في المقابل، تبحث برلين عن أكثر من الغاز.
تحتاج إلى رأس المال والاستثمار والأسواق، وإلى شريك خليجي يمتلك قدرة مالية ولوجستية وطاقة على العمل في منطقة تعتبرها أوروبا ذات أهمية استراتيجية متزايدة.
كما تمثل الإمارات نقطة اتصال مهمة مع أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا.
لذلك فإن قيمة العلاقة بالنسبة إلى ألمانيا تكمن في تنويع الخيارات: تنويع مصادر الطاقة، وتنويع الاستثمار، وتنويع الأسواق، وحتى تنويع الشراكات السياسية والاقتصادية.
الأول: شراكة اقتصادية متسارعة.
تتحول الاتفاقات الحالية إلى مشروعات جديدة في الطاقة والتخزين والهيدروجين والصناعة والتكنولوجيا. وهذا هو الاحتمال الأكثر وضوحًا على المدى القريب، لأن الأساس المؤسسي والاقتصادي موجود بالفعل.
الثاني: شراكة أوسع في الأمن الاقتصادي.
تمتد العلاقة من الاستثمار والطاقة إلى البنية التحتية والممرات التجارية وأمن الإمدادات، بما يجعل الإمارات جزءًا من حسابات أوروبا المتعلقة بالمرونة الاقتصادية.
الثالث: شراكة براغماتية بحدود.
يواصل الطرفان تطوير التجارة والاستثمار، مع إبقاء الملفات السياسية الحساسة خارج إطار الاصطفاف الكامل. وقد يكون هذا المسار الأكثر استدامة، لأن لكل طرف سياسته الأوسع وعلاقاته المتعددة.
زيارة محمد بن زايد إلى برلين تأتي في لحظة تتغير فيها أدوات القوة.
الطاقة لم تعد مجرد سلعة، والاستثمار لم يعد مجرد بحث عن عائد، والموانئ لم تعد مجرد بنية لوجستية، والتكنولوجيا لم تعد قطاعًا منفصلًا عن الأمن الاقتصادي.
كل هذه العناصر أصبحت جزءًا من قدرة الدول على حماية مصالحها والحفاظ على هامش حركتها.
وهنا تتقاطع الإمارات وألمانيا.
أبوظبي تبحث عن اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على الحركة في عالم مضطرب، وبرلين تبحث عن اقتصاد أكثر مرونة في مواجهة صدمات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي خلف زيارة محمد بن زايد إلى برلين ليس فقط: ما الاتفاقيات التي سيوقعها الطرفان؟
بل: هل يمكن للشراكة الإماراتية الألمانية أن تبني شبكة مصالح تجعل كل طرف أكثر قدرة على مواجهة التحولات القادمة؟
المؤشرات الحالية تدفع في هذا الاتجاه، لكن اختبار الشراكة سيكون في قدرتها على تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات، والمشروعات إلى مصالح طويلة الأمد، والمصالح إلى قدرة على الاستمرار رغم اختلاف المواقف السياسية.
وقد تصبح ألمانيا بالنسبة إلى الإمارات أكثر من بوابة إلى أوروبا، كما قد تصبح الإمارات بالنسبة إلى ألمانيا أكثر من شريك خليجي في مجال الطاقة.
إنها محاولة لبناء نموذج جديد للعلاقة بين الخليج وأوروبا، يقوم على تبادل القدرات بدل تبادل السلع فقط: طاقة متنوعة، ورأس مال طويل الأجل، وتكنولوجيا، وصناعة، وبنية تحتية، وممرات تجارية أكثر مرونة.
وفي هذا المعنى، فإن تعزيز الحضور الإماراتي في أوروبا لا يُقاس بعدد الزيارات أو الاتفاقيات، بل بقدرة الإمارات على بناء شراكات تجعلها جزءًا من المعادلات الاقتصادية والاستراتيجية التي ستشكل المرحلة المقبلة.
وهنا ربما تكمن أهمية زيارة محمد بن زايد إلى برلين: ليس في إعلان تحول مفاجئ، وإنما في تثبيت تحول بدأ بالفعل.

لندن – موسى مهدي لم يعد الحديث عن استعادة صنعاء مجرد شعار سياسي ترفعه الحكومة اليمنية، بعدما أعلن مساعد وزير الدفاع للتعاون الدولي اللواء الركن سمير الصبري أن قرار تحرير العاصمة اتُّخذ، وأن القوات الحكومية رفعت جاهزيتها للحسم. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار قد اتُّخذ، بل ما إذا كانت القوات التي أظهرت [...]

لأكثر من أربعة عقود، ارتبط أمن الخليج بصورة وثيقة بالحضور الأميركي. قواعد عسكرية، وقدرات استخباراتية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي وبحري، وشبكات قيادة وسيطرة، جعلت واشنطن الركيزة الأبرز في معادلة الأمن الإقليمي. لكن المنطقة لم تعد كما كانت. فالحروب والتوترات المتلاحقة، من حرب غزة إلى المواجهة الأميركية الإيرانية، أظهرت لدول الخليج أن المخاطر يمكن أن تنتقل [...]

في حرب دخلت عامها الرابع، لم تعد خطوط المواجهة في السودان ترسم وحدها خريطة الصراع. فخلف الجبهات الممتدة من الخرطوم إلى دارفور، تتحرك شبكات أخرى أقل ظهوراً، تبدأ من المطارات وممرات العبور وتنتهي عند خطوط القتال، حاملة ما تحتاجه الأطراف المتحاربة للاستمرار. ومن بين أكثر الخيوط إثارة للجدل في هذا السياق، وثيقة متداولة تتحدث عن [...]

لم تعد الحرب مع إيران بالنسبة إلى واشنطن مجرد مواجهة عسكرية تدور بعيداً عن الأراضي الأميركية. فكلما طال أمدها، انتقلت تداعياتها أكثر إلى الداخل الأميركي، من أسعار الطاقة وكلفة المعيشة إلى النقاش حول جدوى التدخل العسكري وحدود القوة الأميركية. وهنا يبرز السؤال الأصعب أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب: هل تستطيع واشنطن تحويل الحرب إلى إنجاز [...]

تقترب بريطانيا من اتخاذ خطوة أكثر صرامة تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت الضغوط في لندن من حدود الإدانة السياسية إلى بحث إجراءات اقتصادية تستهدف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، في تطور قد يفتح فصلًا جديدًا في العلاقات بين البلدين. وجاء التصعيد البريطاني بعد طرح الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء نحو 1200 وحدة سكنية في منطقة E1 الواقعة [...]

لم تعد المشكلة الأصعب أمام واشنطن في حرب إيران هي قدرتها على توجيه ضربة جديدة، وإنما قدرتها على معرفة أين يمكن أن تنتهي الحرب. فبعد أشهر من المواجهة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا من تلك التي رسمتها في الأيام الأولى: قوة عسكرية هائلة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، مقابل واقع سياسي وأمني [...]