
لم تعد أزمة طرق الطاقة في الخليج مرتبطة بمضيق هرمز وحده. فبينما لا تزال حركة النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم تواجه اضطرابات متواصلة، وجدت السعودية نفسها أمام تهديد جديد طال أحد أهم البدائل البرية للمضيق، بالتزامن مع تقدم جماعة الحوثيين نحو باب المندب وسيطرتها على جزيرة ميون الاستراتيجية.
وفي غضون أيام، اجتمعت ثلاثة تطورات في مساحة جغرافية واحدة: هجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى إيقاف خط النفط السعودي الممتد من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، وتقدم حوثي على الساحل الغربي لليمن، وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.
المشهد يطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل الهجمات نفسها: إذا كانت الطرق البديلة عن هرمز معرضة هي الأخرى للتهديد، فهل ما زال ممكناً الحديث عن طريق آمن لتصدير الطاقة؟
أعلنت السعودية إيقاف خط أنابيب النفط «شرق–غرب» بصورة مؤقتة بعد تعرض منشآته لهجمات بطائرات مسيّرة. وقالت الرياض إن الطائرات المسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية، فيما لم تعلن جهة مستقلة حتى الآن مسؤولية محددة عن الهجوم.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز في 12 سبتمبر/أيلول، فإن الخط ينقل في الظروف الحالية نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5% من الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل توقفه تطوراً يتجاوز السوق السعودية إلى سوق الطاقة الدولية.
ويُعرف الخط باسم «بترو لاين» أو خط «شرق–غرب»، ويمتد لمسافة تقارب 1200 كيلومتر من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن التصميم الأصلي للخط يقوم على قدرة تبلغ نحو 5 ملايين برميل يومياً، بينما أعلنت أرامكو في مارس 2025 رفع القدرة إلى 7 ملايين برميل يومياً، مع تأكيد الوكالة أن التدفقات المستدامة عند مستوى 7 ملايين برميل يومياً لم تُختبر بشكل كامل.
وهنا تظهر أهمية التطور الأخير: فالخط لم يكن مجرد منشأة نفطية أخرى، بل أحد أهم الخيارات التي يمكن للسعودية استخدامها لتقليل اعتماد صادراتها على هرمز.
تاريخياً، صُمم خط شرق–غرب لمنح السعودية مرونة أكبر في تصدير النفط من ساحل البحر الأحمر، وبالتالي تقليل تعرض جزء من صادراتها للخطر في حال تعطلت الملاحة عبر هرمز.
لكن هذه الميزة تعتمد على شرط أساسي: أن يبقى المسار الغربي آمناً وقابلاً للتشغيل والتصدير.
وهنا تصبح التطورات في البحر الأحمر وباب المندب أكثر أهمية.
فوفقاً لـوكالة الطاقة الدولية، فإن السعودية والإمارات هما الدولتان الخليجيتان اللتان تملكان خطوط أنابيب نفطية عاملة يمكن أن تساعد في تجاوز مضيق هرمز، مع قدرة بديلة إجمالية تقدر بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً، بحسب ظروف التشغيل والطاقة المتاحة للتصدير.
أي أن قيمة البديل لا تقاس فقط بوجود خط أنابيب يمتد عبر الصحراء، وإنما بقدرته على إيصال النفط فعلياً إلى الأسواق العالمية.
في الجهة المقابلة، كان التطور الأكثر حساسية هو وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون «بريم» الواقعة عند مدخل باب المندب.
وقالت أربعة مصادر في الحكومة اليمنية لـرويترز إن الحوثيين وصلوا إلى الجزيرة الاستراتيجية، في خطوة اعتبرتها الوكالة تطوراً يزيد من قبضتهم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما أفادت مصادر يمنية للوكالة بأن قوات الحوثيين وصلت إلى منطقة ذباب القريبة من المضيق.
ولا تقتصر أهمية ميون على مساحتها الجغرافية الصغيرة. فالجزيرة تقع في موقع حساس داخل باب المندب، وهو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم يفتح الطريق أمام حركة السفن بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس.
وذكرت رويترز في تقرير تفسيري أن توسع الحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر وسيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية يمكن أن يمنحهم نفوذاً أكبر على حركة الملاحة في باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
كما أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن السيطرة على ميون تأتي في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع إيقاف السعودية خطها النفطي بعد الهجوم بالطائرات المسيّرة.
المشكلة الاستراتيجية لا تكمن في كل حادثة منفردة، بل في ترابط نقاط الاختناق.
مضيق هرمز يمثل بوابة النفط الخارج من الخليج إلى الأسواق العالمية. وخط شرق–غرب يوفر للسعودية مساراً برياً يتجاوز المضيق باتجاه البحر الأحمر. أما باب المندب، فيمثل البوابة البحرية التي تسمح للصادرات القادمة من البحر الأحمر بالوصول إلى خليج عدن والمحيط الهندي.
وبالتالي، فإن الضغط على هرمز لا يصبح أقل خطورة إذا تعرض المسار البديل نفسه للخطر.
وهذا ما يجعل التطورات الحالية مختلفة عن أزمات سابقة؛ إذ لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع السعودية تجاوز هرمز؟ بل أصبح: هل تستطيع تجاوز هرمز والوصول بالنفط إلى الأسواق من دون أن تواجه نقطة اختناق أخرى في الطريق؟
انعكس التصعيد سريعاً على أسواق الطاقة. فقد تجاوزت أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، في ظل المخاوف من اتساع نطاق الاضطرابات التي تطال الإنتاج والنقل والتأمين.
وقالت رويترز إن توقف خط شرق–غرب، بالتزامن مع تشديد الحوثيين قبضتهم على محيط باب المندب، يزيد الضغط على إمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً أن السعودية اضطرت في الوقت نفسه إلى التعامل مع انخفاض إمداداتها النفطية إلى مستويات هي الأدنى منذ أكثر من ثلاثة عقود، وفق ما نقلته الوكالة عن بيانات مرتبطة بالسوق.
وكانت وكالة الطاقة الدولية قد أوضحت أن السعودية رفعت تدفقات النفط عبر خط شرق–غرب إلى ميناء ينبع بشكل كبير خلال أزمة هرمز، إذ ارتفعت صادرات ينبع من نحو مليوني برميل يومياً قبل اندلاع الحرب إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً في أوائل يونيو/حزيران.
وهذا الرقم يكشف المفارقة الأساسية: كلما ازدادت الحاجة إلى الطرق البديلة، ازدادت قيمتها الاستراتيجية، وبالتالي ازدادت أيضاً دوافع استهدافها.
بالنسبة إلى الرياض، لم تعد القضية مجرد حماية منشأة نفطية داخل الأراضي السعودية.
فإذا تعرض خط شرق–غرب للتعطيل، تتراجع قدرة المملكة على استخدام مسارها البري لتجاوز هرمز. وإذا أصبح باب المندب أكثر اضطراباً، فإن النفط الذي يصل إلى الساحل الغربي يواجه بدوره تحديات عند الخروج إلى الأسواق الدولية.
وفي تطور يعكس حساسية الموقف، أفادت رويترز بأن السعودية طلبت دعماً عسكرياً من الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات المرتبطة بالحوثيين، بينما اقتصر الدعم الأميركي في الوقت الحالي على تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
وفي المقابل، قالت السعودية إنها لم ترد عسكرياً على الهجمات المنطلقة من العراق في الوقت الراهن، بناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة.
أما بغداد، فقد بدأت إجراءات أمنية للتحقيق في مصدر الهجمات، وأعلنت إغلاق معبر الشلامجة الحدودي مع إيران بصورة احترازية، في وقت أفادت فيه تقارير دولية بأن الطائرات المسيّرة انطلقت من محافظة ميسان العراقية.
التطورات الأخيرة تكشف مشكلة أعمق في مفهوم أمن الطاقة. فوجود خط أنابيب بديل لا يعني بالضرورة أن منظومة التصدير أصبحت محصنة. فالخط يحتاج إلى منشآت ضخ، وموانئ، وسفن، وممرات بحرية آمنة، وشركات تأمين قادرة على تغطية المخاطر، إضافة إلى بيئة سياسية وعسكرية تسمح باستمرار تدفق التجارة.
وهذا ما تؤكده تجربة الأشهر الماضية. فقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن تدفقات النفط عبر البدائل عن هرمز ارتفعت خلال الأزمة، لكن القدرة على إعادة توجيه كميات كبيرة عبر هذه المسارات تظل محدودة، كما أن سلاسل الإمداد واللوجستيات اللازمة لإعادة توجيه كميات ضخمة من النفط لم تُختبر بشكل كامل في ظروف تعطيل واسعة النطاق.
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على وجود «طريق بديل» واحد، بل على بناء شبكة من المسارات المتعددة التي يمكن أن تعمل في الوقت نفسه أو تحل محل بعضها بعضاً عند الطوارئ.
إذا استمرت الضغوط على هرمز وباب المندب معاً، فقد تدخل أسواق الطاقة مرحلة يصبح فيها أمن المسار مساوياً تقريباً لأهمية حجم الإنتاج نفسه.
السعودية تمتلك احتياطيات وقدرات إنتاجية وبنية تحتية ضخمة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ممرات آمنة لإيصال النفط إلى المشترين. وأي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة يمكن أن يرفع تكلفة التصدير، ويضغط على الإمدادات، ويزيد علاوة المخاطر في أسعار النفط.
ومن هنا، فإن التطورات الأخيرة لا تعني بالضرورة أن جميع طرق تصدير النفط السعودية أصبحت مغلقة، لكنها تكشف هشاشة فكرة أن تجاوز هرمز وحده كافٍ لضمان أمن الإمدادات.
فإذا أصبح الخليج تحت الضغط من جهة، وخطوط الأنابيب تحت التهديد من جهة ثانية، وباب المندب أمام خطر التصعيد من جهة ثالثة، فإن مفهوم «الطريق الآمن» نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف. امتلاك طريق بديل لا يعني بالضرورة امتلاك طريق آمن.

لم يعد التقدم العسكري للحوثيين في اليمن مجرد تطور جديد في مسار الحرب اليمنية، بل بدأ يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على حماية أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إدارة حربها مع إيران من دون فتح جبهة عسكرية جديدة. ووصول الحوثيين إلى جزيرة [...]

صنعاء – ماهر عبد الرحمن لم تعد المسألة بالنسبة إلى السعودية مجرد تقدم عسكري للحوثيين في اليمن، ولا مجرد انتكاسة للقوات المدعومة منها على الساحل الغربي. ما يحدث عند باب المندب يفتح سؤالاً أكبر بكثير: ماذا يحدث عندما تصل الحرب إلى الجغرافيا التي تعتمد عليها المملكة لحماية تجارتها وتدفقات الطاقة ودعم مشروعها الاقتصادي الجديد؟ فالتطورات [...]

اليمن – أنس محمد العريقي لم تعد اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط محصورة في مضيق واحد. ففي وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، تصاعدت المخاطر على الساحل الغربي لليمن بعد سيطرة جماعة الحوثيين على مدينة وميناء المخا، قرب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن. وتضع [...]

الجزائر – أنس بن عيسى لم تأتِ القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في 10 سبتمبر 2026 من فراغ، كما أنها، وفق ما أعلنته الجزائر، لم تأتِ ردًا على حادثة واحدة جرى تحديدها علنًا باعتبارها السبب المباشر. فقد جاءت في نهاية مسار طويل من التباعد السياسي، اتسعت خلاله مساحة الاختلاف حول عدد من الملفات الإقليمية، قبل [...]

لندن – ماهر محمد علي لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق جيوسياسية في قلب الخليج، بل تحول إلى عامل اقتصادي عالمي يضغط على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والأسواق، مع استمرار اضطراب حركة الملاحة وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. وبحلول الخميس، واصل خام برنت التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، مرتفعًا إلى نحو 102.15 [...]

لندن – موسى مهدي لم يعد الحديث عن استعادة صنعاء مجرد شعار سياسي ترفعه الحكومة اليمنية، بعدما أعلن مساعد وزير الدفاع للتعاون الدولي اللواء الركن سمير الصبري أن قرار تحرير العاصمة اتُّخذ، وأن القوات الحكومية رفعت جاهزيتها للحسم. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار قد اتُّخذ، بل ما إذا كانت القوات التي أظهرت [...]