
صنعاء – ماهر عبد الرحمن
لم تعد المسألة بالنسبة إلى السعودية مجرد تقدم عسكري للحوثيين في اليمن، ولا مجرد انتكاسة للقوات المدعومة منها على الساحل الغربي. ما يحدث عند باب المندب يفتح سؤالاً أكبر بكثير: ماذا يحدث عندما تصل الحرب إلى الجغرافيا التي تعتمد عليها المملكة لحماية تجارتها وتدفقات الطاقة ودعم مشروعها الاقتصادي الجديد؟
فالتطورات الأخيرة لم تعد محصورة في خريطة النفوذ داخل اليمن. فبحسب رويترز، وصل الحوثيون إلى جزيرة بريم الاستراتيجية في مضيق باب المندب، بعد انسحاب قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، كما سيطروا على بلدة ذوباب الساحلية المقابلة للجزيرة. وإذا تمكنوا من تثبيت نفوذهم حول المضيق، فإن ذلك قد يمنح إيران ورقة استراتيجية إضافية في الحرب مع الولايات المتحدة، ويزيد المخاطر على أحد أهم ممرات التجارة والطاقة العالمية.
وهنا تحديداً تتغير طبيعة المعادلة أمام محمد بن سلمان. فالسعودية التي حاولت خلال السنوات الأخيرة الانتقال من منطق الحرب إلى الاستثمار والتنمية وتنويع الاقتصاد، تجد نفسها أمام جغرافيا إقليمية لا تزال قادرة على فرض نفسها على حسابات الاقتصاد. ومهما بلغت قوة المشاريع الاستثمارية، فإنها تحتاج إلى بيئة مستقرة، وممرات تجارية آمنة، وتدفقات طاقة يمكن الاعتماد عليها، وثقة استثمارية لا تهتز مع كل تصعيد عسكري في المنطقة.
باب المندب ليس مجرد مضيق بحري. إنه ممر استراتيجي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل جزءاً مهماً من الطريق البحري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتكتسب أهميته بالنسبة إلى السعودية وزناً أكبر في الظروف الحالية، بعدما أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى زيادة الاعتماد على طرق التصدير عبر البحر الأحمر.
ولهذا فإن أي تدهور إضافي في أمن باب المندب لا يعني بالضرورة إغلاق المضيق حتى يصبح مشكلة اقتصادية؛ يكفي أن ترتفع المخاطر إلى مستوى يدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة حساباتها.
وهنا تبدأ الجغرافيا في التحول إلى تكلفة. كلما اتسعت دائرة الخطر، ارتفعت كلفة التأمين والنقل والطاقة، وازدادت الضغوط على الدول والشركات التي تعتمد على هذه الممرات.
وهذا تحديداً ما يجعل التحرك الحوثي أكثر من مجرد ورقة عسكرية في الحرب اليمنية.
فالحوثيون لا يحتاجون إلى الوصول إلى الأراضي السعودية كي يفرضوا كلفة استراتيجية على الرياض. يكفي أن يصبحوا قادرين على تهديد الملاحة أو رفع مستوى المخاطر على السفن أو التأثير في حركة الشحن، حتى تتحول الجغرافيا اليمنية إلى عامل مؤثر في الاقتصاد السعودي والإقليمي.
المؤشر الأكثر وضوحاً على حساسية الوضع هو النفط. فقد قالت وكالة الطاقة الدولية، بحسب ما نقلته رويترز، إن إمدادات الخام السعودية تراجعت في أغسطس بمقدار 2.3 مليون برميل يومياً على أساس شهري إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى للمملكة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وعزت الوكالة جزءاً من الاضطراب إلى الهجمات المرتبطة بالحوثيين على سفن تمر عبر باب المندب، إضافة إلى استهداف منشآت وطرق شحن سعودية، فيما خفضت توقعاتها لإمدادات الخام السعودية خلال عام 2026.
وفي الوقت نفسه، تجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع، وسط مخاوف متزايدة من اضطراب الإمدادات، فيما ارتفعت أسعار الديزل الأميركي إلى مستويات قياسية.
هذه الأرقام تجعل باب المندب جزءاً من معادلة أوسع بكثير من حدود اليمن.
من هذه الزاوية، تبدو المسألة مرتبطة مباشرة بالمشروع الاقتصادي لمحمد بن سلمان.
فالسعودية لا تراهن فقط على إنتاج النفط، بل تسعى إلى تنويع اقتصادها وتطوير قطاعات السياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاستثمار، وتعزيز موقع المملكة في حركة التجارة العالمية.
لكن الجغرافيا لا تتغير بالاستثمارات وحدها. فالموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية والمشاريع السياحية تحتاج إلى طرق بحرية وجوية آمنة، كما تحتاج إلى اتصال مستقر بالأسواق العالمية.
وإذا ارتفعت المخاطر حول الممرات البحرية القريبة من المملكة، فإن كلفة حماية هذا التحول الاقتصادي ترتفع بدورها.
لهذا فإن السؤال الذي تطرحه التطورات الأخيرة على الرياض ليس فقط: كيف ترد على الحوثيين؟
السؤال الأعمق هو: كيف تحمي مشروعها الاقتصادي من جغرافيا إقليمية يمكن أن تعيد إنتاج المخاطر حتى بعد انتهاء المعارك الكبرى؟
هنا يظهر عامل الردع. السعودية تحتاج إلى إظهار أن تهديد طرق الملاحة والطاقة لن يتحول إلى وسيلة منخفضة الكلفة للضغط عليها. لكن بناء الردع لا يعني بالضرورة العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن.
وهذه هي المعضلة الأصعب أمام محمد بن سلمان. فالرد العسكري المحدود قد يكون ضرورياً لمنع تغيير قواعد اللعبة، لكن التصعيد الواسع قد يعيد المملكة إلى مسار استنزاف عسكري حاولت تجاوزه خلال السنوات الأخيرة.
وبين الخيارين تضيق مساحة المناورة. فالرياض تريد حماية مصالحها، لكنها لا تريد بالضرورة أن تتحول التطورات الجديدة إلى حرب يمنية واسعة أخرى.
أصبح هذا الجانب أكثر وضوحاً مع التطورات الأخيرة. فبحسب رويترز، طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساعدة عسكرية في مواجهة الحوثيين، وأجرى الزعيمان مكالمتين على الأقل يوم الخميس لمناقشة التهديد المتصاعد.
لكن واشنطن أبلغت الرياض بأنها لا تعتزم تنفيذ عمل عسكري مباشر ضد الحوثيين في الوقت الراهن، مع عرض تقديم الدعم في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية ودعم الاستهداف. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية إن واشنطن تركز على حماية مصالحها الأساسية، ومنها حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع دفع شركائها الإقليميين إلى تولي زمام إدارة التحديات الأمنية في المنطقة.
وهنا تظهر نقطة استراتيجية مهمة. السعودية لا تستطيع أن تفترض أن الولايات المتحدة ستتولى تلقائياً إدارة كل خطر أمني يهدد مصالحها، حتى عندما تكون هذه المخاطر ذات تأثير مباشر على الطاقة والتجارة العالمية.
ما يزيد الضغط أن باب المندب لا يتحرك في فراغ. فمضيق هرمز نفسه يشهد اضطراباً شديداً؛ إذ أظهرت بيانات تتبع الملاحة أن عدد السفن التي عبرته في 9 سبتمبر تراجع إلى سبع سفن فقط، مقارنة بمتوسط بلغ 14 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وبذلك تواجه السعودية معادلة شديدة الحساسية: ممر شرقي مضطرب، وممر غربي تزداد المخاطر حوله.
وهذا يفسر أهمية ميناء ينبع وخط أنابيب شرق-غرب بالنسبة إلى المملكة، باعتبارهما جزءاً من قدرتها على نقل النفط بعيداً عن هرمز.
لكن الاعتماد المتزايد على المسارات البديلة لا يلغي المخاطر، بل ينقل مركز الثقل إليها.
وإذا أصبحت الطرق البديلة نفسها معرضة للتهديد، فإن قدرة السعودية على المناورة تتقلص.
لا يعني الوصول إلى بريم وذوباب أن الحوثيين أصبحوا قادرين تلقائياً على إغلاق باب المندب أو التحكم الكامل في حركة الملاحة.
لكن التطور يمنحهم موقعاً أكثر حساسية على خريطة المضيق، ويزيد قدرتهم المحتملة على التأثير في حركة السفن.
وهنا تكمن قيمة الورقة التي يملكونها. فالقوة لا تُقاس دائماً بالسيطرة الكاملة على الممر؛ أحياناً يكفي أن يصبح استخدامه أكثر خطورة حتى تبدأ الأسواق وشركات التأمين والنقل في احتساب الخطر.
وقد أظهرت تجربة البحر الأحمر خلال السنوات الماضية كيف يمكن للهجمات على السفن أن تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، بما يرفع زمن الرحلات وتكاليف النقل.
التحدي الحقيقي أمام محمد بن سلمان ليس فقط عسكرياً. إنه اختبار لمدى قدرة السعودية على فصل مشروعها الاقتصادي عن تقلبات البيئة الأمنية المحيطة بها.
فالمملكة تريد أن تقدم نفسها مركزاً للاستثمار والسياحة والخدمات اللوجستية والتجارة العالمية، لكن هذه الصورة تحتاج إلى ممرات آمنة تصل السعودية بالأسواق.
ومن هنا تصبح حماية البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من حماية الاقتصاد، لا مجرد ملف أمني منفصل.
والأخطر أن الأزمة الحالية قد تدفع الرياض إلى إنفاق المزيد على الأمن والدفاع وتأمين البنية التحتية والممرات البحرية، في وقت تريد فيه توجيه مواردها واهتمامها نحو التحول الاقتصادي.
أمام السعودية ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول، التصعيد العسكري لمنع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم الجديدة، وهو خيار قد يعيد فتح باب الحرب المباشرة.
الثاني، الاحتواء والردع غير المباشر عبر بناء ترتيبات أمنية بحرية وإقليمية أوسع، مع الاعتماد على الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي من دون مطالبة واشنطن بحرب مباشرة.
والثالث، توسيع الإطار الدولي لحماية الملاحة، بحيث تصبح حماية باب المندب والبحر الأحمر مسؤولية مرتبطة بالتجارة العالمية، وليس عبئاً سعودياً منفرداً.
ولا يوجد خيار بلا تكلفة. فإذا اختارت السعودية التصعيد، فعليها حساب ثمن العودة إلى حرب طويلة. وإذا اختارت ضبط النفس، فعليها حساب ثمن منح الحوثيين مساحة أكبر لتغيير معادلة الردع. وإذا اعتمدت على الدعم الأميركي، فعليها أن تتعامل مع حدود هذا الدعم وتبدل أولويات واشنطن.
لكن المعيار الأهم يبقى واحداً: هل تستطيع السعودية حماية مشروعها الاقتصادي من المخاطر التي تفرضها الجغرافيا؟
لقد أراد محمد بن سلمان أن ينقل المملكة من زمن الحرب إلى زمن الاقتصاد، بينما تدفعه التطورات الأخيرة إلى الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: هل يمكن بناء اقتصاد عالمي إذا ظلت الممرات التي تحمله إلى العالم رهينة للصراع؟
ربما لا يريد الحوثيون مواجهة المشروع السعودي بأكمله، لكنهم يملكون القدرة على الاقتراب من إحدى نقاطه الحساسة: الجغرافيا الاستراتيجية.
وهنا تكمن خطورة ما يجري في باب المندب. فالمعركة ليست فقط على جزيرة أو مدينة يمنية، ولا على موقع عسكري يمكن أن يتغير غداً. إنها معركة على مستوى المخاطر المحيطة بالطريق الذي تريد السعودية أن تعبر منه إلى الاقتصاد العالمي.
الحوثيون لا يقتربون من السعودية فقط؛ إنهم يقتربون من الطريق الذي تريد السعودية أن تعبر منه إلى العالم.
ولهذا فإن مستقبل المواجهة لن يُقاس فقط بمن يسيطر على المزيد من الأراضي في اليمن، بل بمن يستطيع فرض قواعد الردع، وتقليل المخاطر، وحماية الممرات التي أصبحت جزءاً من معادلة الاقتصاد العالمي.
وفي النهاية، قد يكون التحدي الحقيقي أمام محمد بن سلمان ليس كيف يربح جولة عسكرية جديدة، وإنما كيف يمنع الجغرافيا المضطربة من إعادة فرض نفسها على مشروع أراد أن يجعل الاقتصاد عنوان السعودية في العقد المقبل.

اليمن – أنس محمد العريقي لم تعد اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط محصورة في مضيق واحد. ففي وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، تصاعدت المخاطر على الساحل الغربي لليمن بعد سيطرة جماعة الحوثيين على مدينة وميناء المخا، قرب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن. وتضع [...]

الجزائر – أنس بن عيسى لم تأتِ القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات في 10 سبتمبر 2026 من فراغ، كما أنها، وفق ما أعلنته الجزائر، لم تأتِ ردًا على حادثة واحدة جرى تحديدها علنًا باعتبارها السبب المباشر. فقد جاءت في نهاية مسار طويل من التباعد السياسي، اتسعت خلاله مساحة الاختلاف حول عدد من الملفات الإقليمية، قبل [...]

لندن – ماهر محمد علي لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق جيوسياسية في قلب الخليج، بل تحول إلى عامل اقتصادي عالمي يضغط على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والأسواق، مع استمرار اضطراب حركة الملاحة وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. وبحلول الخميس، واصل خام برنت التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، مرتفعًا إلى نحو 102.15 [...]

لندن – موسى مهدي لم يعد الحديث عن استعادة صنعاء مجرد شعار سياسي ترفعه الحكومة اليمنية، بعدما أعلن مساعد وزير الدفاع للتعاون الدولي اللواء الركن سمير الصبري أن قرار تحرير العاصمة اتُّخذ، وأن القوات الحكومية رفعت جاهزيتها للحسم. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار قد اتُّخذ، بل ما إذا كانت القوات التي أظهرت [...]

أبوظبي – محمد فال معاوية في السياسة الدولية، لا تُقرأ الزيارات الرسمية من خلال جدول اللقاءات المعلن فقط، بل من خلال اللحظة التي تأتي فيها، والمصالح التي تتقاطع حولها، وما يمكن أن تتركه من أثر في العلاقة بين الدول. زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا في سبتمبر 2026 تأتي [...]

لأكثر من أربعة عقود، ارتبط أمن الخليج بصورة وثيقة بالحضور الأميركي. قواعد عسكرية، وقدرات استخباراتية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي وبحري، وشبكات قيادة وسيطرة، جعلت واشنطن الركيزة الأبرز في معادلة الأمن الإقليمي. لكن المنطقة لم تعد كما كانت. فالحروب والتوترات المتلاحقة، من حرب غزة إلى المواجهة الأميركية الإيرانية، أظهرت لدول الخليج أن المخاطر يمكن أن تنتقل [...]