
وَإِنِّي لأَرْجُو اللَّهَ حَتَّى كَأَنَّنِي أَرَى بِجَمِيْلِ الظَّنِّ مَا اللَّهُ صَانِعُ
هذا بيتٌ من الشّعرِ يكادُ يُلامِسُ عَنَانَ السَّمَاءِ بِجَمَالِ ألفَاظِه، وَرِقَّةِ مَعانِيه. يُنسَبُ البيتُ غَالباً إلى مُحمد بنُ وُهيبٍ الحِمْيَرِيّ، البَصرِيّ، وهوَ شَاعِرٌ عَبَّاسِيٌّ مَطْبوُعٌ، عَاشَ بِبغدادَ، ومَدَحَ المأمونَ والمُعتصمَ، وعُهِد إليهِ تأديبُ أبنَاءِ الوُزراءِ، وكَانتْ وَفَاتُه نَحوَ عامِ 225هـ (840م). والبيتُ لَا يُعبّرُ فَقَط عن حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ، بلْ يُصَوّرُ حَالَةً مِن الإيمَانِ العَمِيقِ عندَ الشَّاعِرِ، الّذِي يَصِلُ إلى دَرجَةِ اليَقينِ بِاللَّهِ، حَتَّى إنَّ قَائلَهُ مِن يقينِه يَتَخَيَّلُ كَيفَ سَيَكُونُ صَنيعُ اللهِ واستجَابتُهُ لِمَنْ يَرجُوهُ وَيدعُوهُ سُبْحَانَهُ. كَأَنَّ كَلِمَاتِ الشَّاعِرِ انْعكَاسٌ جَلِيٌّ لِتَوجِيهِ النَّبِيّ ﷺ القَائِل: «ادعوا اللهَ وأنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَة».
لَيسَ الرَّجاءُ هُنَا أُمنِيَّةً بَعيدةَ المَنَال، بل يَقينٌ يَستَقِرُّ فِي قَلْبِ صَاحِبِه، وبِه يَرَى الشَّاعِرُ الإجَابَةَ قبلَ وُقُوعِهَا، وَكَأَنَّ الثّقَةَ بِاللَّهِ تَصْنَعُ صُورَةً حَيَّةً، تَجْعَلُ الانتِظَارَ يَحْمِلُ طَعْمَ اليَقِينِ، الّذِي يَمْلَأ الكِيَانَ بِالطُّمَأنِينَة. وَأَكَّدَ الشَّاعِرُ فِي صَدْرِ البَيْتِ أنَّه يرجُو اللهَ، تأدُّباً معَ اللهِ، ومِنْ قُوَّةِ الرَّجَاءِ، بَلَغَ يَقِيناً أوْصَلَهُ إلَى ظَنّهِ بِرَبّهِ ظَنّاً جَمِيلًا، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَأَكَّدُ مِن الاستجابَةِ، لَكنَّهُ يَتَرَقَّبُ مُشَاهَدَةَ شَكْلِ تَلبِيةِ اللهِ نِداءَ عَبدِه، وصورةَ استجابتِهِ لِهذهِ الدَّعوَةِ، الصَّادِرةِ عَمَّن يَثِقُ بِرَبّهِ، ويَجزمُ بِعَظِيمِ كَرَمِهِ سُبْحَانَهُ. تَعدَّدتْ نِسبَةُ هذَا البَيتِ في كُتبِ التُّراثِ، مِمَّا يَدُلُّ علَى مَكَانتِهِ الأدَبيَّة. فَقدْ ذَكرَهُ ابنُ عَبدِ رَبِّهِ في «العِقْدِ الفريد» دونَ أنْ ينسُبَه لِقَائِلٍ مُحَدَّدٍ، لَكِنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَحسَنِ مَا قِيلَ فِي الرَّجَاءِ. أمَّا المُبَرِّدُ فَقدْ نسبَهُ في «الكامل» إلَى مُحَمَد بنِ وُهَيب. هَذهِ الحَيْرَةُ فِي نِسبَةِ البَيْتِ تُضيفُ إليهِ سِحْراً خَاصّاً، وَكَأنَّهُ مِنْ تِلكِ الحِكَمِ الّتِي تَفِيضُ مِن القُلُوبِ، فَتَنتقِلُ عَبْرَ الأَجْيَالِ دونَ أنْ تُنسَبَ لِصَاحِبٍ بِعينِهِ. وَجَدتُ مَنْ نَسَبَ البَيتَ مرةً إلَى مِسكِينٍ الدَّارِمِيّ، ومرةً قيلَ إنَّه فِي شِعرِ مُحمَّدِ بنِ حَازِمٍ البَاهِلِيّ، ومَرَّاتٍ عِدَّةً، يُنْسَبُ البَيْتُ بِكُلِّ اعْتِدَادٍ وثِقةٍ إلَى مُحَمَّدٍ بنِ وُهَيْب، مِمَّا يَجْعَلُنِي أَجْزِمُ بِأنَّ البَيْتَ مِنْ شِعْرِه، لَا مِنْ شِعْرِ غَيْرِه، فَالخِلَافُ فِي نِسْبةِ البَيْتِ لَا يَرْتَقِي لِلشَّكِ فِي أنَّ البَيْتَ لابنِ وُهَيْب. هَذَا البَيتُ ليسَ مُجَرَّدَ نَصٍّ شِعْرِيّ اعتيَادِيّ، بل هوَ دَعوةٌ للتَّأمُّلِ فِي عَلاقَةِ الإنْسَانِ بِرَبِّه. كيفَ يُمكنُ لِحُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ أنْ يَرفَعَ الإنسَانَ فوقَ مَخَاوفِهِ وَأعْبَائِهِ، وَكَيفَ أنَّ الدُّعَاءَ، حِينَ يَصْحبُه الإيمَانُ، يُصبِحُ قُوةً رُوحِيَّةً تُلينُ أصْعَبَ الظُّرُوفِ.
فَي كُلّ مَرَّةٍ يُقرأ فيهَا هذَا البَيتُ، يُصبِحُ رِسَالَةً مُتَجَدّدَةً، تُذَكِّرُ بِدرجَاتٍ رَفِيعَةٍ فِي العَلَاقَةِ بَينَ العَبْدِ ورَبِّه، فِيهَا مِنْ حُسْنِ الظَّنِ بِاللَّهِ، وَقُوَّةِ اليَقِينِ بِالخَالِق، مَا يَجعَلُ المَخلُوقَ فِي رَاحَةٍ وَطُمَأنِينَةٍ وَبُحبُوحَةٍ بِمَا يَرجُوهُ مِنْ أَكْرَمِ الأكْرَمِينَ.
كَانَ ابْنُ عَائِشَةَ الْقُرَشِيُّ يَقُولُ:
«لَأَنَا بِوِجدَانِ الْكَلَامِ أسَرُّ مِنّي بوجدَانِ ضَالَّةِ النِّعَم، فَإِذا قِيلَ لَهُ: مثلُ مَاذَا؟
قَالَ: مثلُ قَولِ ابْنِ وُهَيْبٍ الْحِمْيَرِيّ:
وَإِنِّي لَأرجُو اللهَ حَتَّى كأنَّنِي أرَى بِجَمِيلِ الظَّنِ مَا اللهُ صَانعُ».
فَمَا أجْمَلَ هذَا البَيْتَ الّذِي يعيدُ إلينَا، وَسطَ تَعقِيدَاتِ الحَيَاةِ، فِكرةً بَسِيطةً وَعَمِيقَةً فِي الوَقْتِ نَفْسِه؛ فَأبْوَابُ السَّمَاءِ مُشْرَعَةٌ لِمَن يَطرُقُهَا بِثِقةٍ، وَحُسْنُ الظَّنِ بِاللَّهِ أعْظَمُ مَفَاتِيحِ أبْوَابِ السَّمَاءِ.
نقلا عن الشرق الأوسط

عبد الرحمن الراشد إيرانُ الجديدةُ تعنِي إيرانَ مختلفةً عمَّا عهدناه عليهَا لأربعةِ عقود. ربَّما يصل نظامٌ حديثٌ مدني، أو النّظامُ الحالي نفسُه إنَّما بسياسةٍ مختلفة، تتَّجه نحو الانفتاح، بما فيه مع الغرب، وتنتهي من «دولة حرب» وتنخرطُ في التَّنافسِ السياسيّ والاقتصاديّ والتحالفاتِ الإقليميةِ الجديدة. هل هذا مدعاةٌ للقلق؟ ولماذا؟ بعض المؤمنينَ بهذه النظريةِ يعتقدونَ أنَّ [...]

محمد فال معاوية في الخليج، لا تُختصر السلطة في لقب.. فكم من شيخٍ لا يحكم، وكم من أميرٍ لا يملك وحده القرار. قد يبدو الحديث عن الفرق بين الشيخ والأمير مسألة لغوية أو بروتوكولية، لكنه في عمق المشهد السياسي يتصل مباشرة بـ الحكم في الخليج وبفهم السلطة في دول الخليج، ومن يملك النفوذ الحقيقي داخل [...]

د. الهادي عبدالله ابوضفائر لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً مجرد كيان يمارس السياسة ضمن محيطه العربي، بل كانت، في لحظات التحولات الكبرى، محوراً يُعاد عنده رسم موازين القوى، وتُختبر فيه قدرة السياسة على أن تتحول إلى أخلاقٍ متجلية في القرار. ففي تاريخها الحديث، لم يُفصل الفعل السياسي عن البعد الإنساني، بل اندمجا في معادلة [...]

الدكتور عادل عثمان في حلقة جديدة من مسلسل الرعب الذي يطارد السودانيين في مصر، قُتلت اللاجئة السودانية الحامل زينب حسن (29 عامًا) مع جنينها في القاهرة، بعدما اقتحمت قوة من الشرطة المصرية الشقة التي تقيم فيها أسرة سودانية وسط إطلاق كثيف للنار، ما أثار حالة من الذعر داخل المبنى. وفي محاولة يائسة للفرار من الرعب، [...]

حازم صاغية لم تشكّل حرب «طوفان الأقصى» و«حرب الإسناد» وسقوط النظام السوريّ أحداثاً حربيّة ضخمةً فحسب، بل كانت أيضاً حدثاً آيديولوجيّاً جبّاراً مفاده انهيار السرديّات النضاليّة التي سيطرت لعقود على المنطقة. فالإخوانيّة السنّيّة ممثّلة بـ«حماس» أصيبت بضربة قاتلة شاركتها مأساتَها المسألةُ الفلسطينيّة في قراءتها الإسلاوميّة. والتداعي نفسه أصاب، بإصابته «حزب الله»، الشيعيّةَ الراديكاليّة، ومعها تصوّر [...]

إبراهيم أبو عواد تتجدد بين الحين والآخر التكهنات حول احتمال مواجهة مباشرة بين إيران وأمريكا، في ظل توترات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وشبكة التحالفات الإقليمية المتشابكة. ودراسة أدوات القوة العسكرية لكلٍ منهما تكشف اختلافًا عميقًا في العقيدة القتالية وطبيعة الاستعداد للحرب. في سلاح الجو، تمتلك واشنطن مقاتلات شبحية متقدمة، إضافة [...]