
إبراهيم عبد الهادي
في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد.
من هذا المنظور، لم يكن غياب مجتبى خامنئي عن مراسم تشييع والده حدثًا بروتوكوليًا يمكن تجاوزه، بل تحول إلى لحظة سياسية استدعت أسئلة تتجاوز شخصه، لتطال طبيعة السلطة في إيران، وآليات إدارتها للانتقال في أكثر المراحل حساسية.
في الأنظمة التي تتداخل فيها الشرعية الدينية مع السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، لا يُقرأ الغياب بوصفه تفصيلًا شخصيًا، وإنما باعتباره رسالة تحتمل أكثر من معنى. ولذلك، لم يكن حضور كبار المسؤولين، من رئيس الجمهورية إلى قادة الحرس الثوري وكبار رجال الدولة، كافيًا لإغلاق باب التأويل، لأن الأنظار بقيت معلقة بما لم يظهر في الصورة أكثر مما انشغلت بما ظهر فيها.
فالسياسة، في مثل هذه الأنظمة، ليست مجرد إدارة للمؤسسات، بل إدارة للرموز أيضًا. ومن هنا، يصبح توزيع الحضور والغياب جزءًا من الخطاب السياسي نفسه، إذ تتحول الصورة إلى نص موازٍ، يقرأه المتابعون كما يقرأون البيانات الرسمية، وربما أكثر.
ولا يمكن فهم هذه اللحظة بمعزل عن طبيعة النظام الإيراني، الذي تتوزع فيه مراكز النفوذ بين مكتب القيادة، والحرس الثوري، والمؤسسة الدينية في قم، إلى جانب مؤسسات الدولة التنفيذية. وفي مثل هذه البنى المعقدة، لا يُقاس النفوذ بما يظهر أمام الكاميرات وحدها، بل بما يجري خلفها أيضًا، حيث تُدار التوازنات بهدوء، وتُعاد صياغة موازين القوة بعيدًا عن الأضواء.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا غاب مجتبى خامنئي؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تبقى رهينة معطيات لا تتوافر للرأي العام. أما السؤال الأهم فهو: ماذا يقول هذا الغياب في سياق سياسي بالغ الحساسية؟ وكيف يُقرأ داخل منظومة اعتادت أن تمنح للرمز مكانة لا تقل أهمية عن القرار نفسه؟
التاريخ السياسي يعلمنا أن لحظات الانتقال الكبرى لا تُقاس فقط بما يقال خلالها، بل أيضًا بما يُخفى فيها. ففي كثير من الدول، كانت الجنازات الرسمية أكثر من مراسم وداع؛ كانت لحظات لإعادة إنتاج الشرعية، وإظهار تماسك الدولة، وطمأنة الداخل، وإرسال رسائل محسوبة إلى الخارج. ولهذا، فإن قراءة هذه المناسبات بوصفها طقوسًا دينية أو بروتوكولية فحسب، تُفوّت جانبًا مهمًا من معناها السياسي.
ومن هنا، يصبح الحضور الجماهيري الكثيف عنصرًا في تثبيت الرواية الرسمية، بقدر ما يكون تعبيرًا عن الحزن. كما تتحول مراسم التشييع إلى مساحة تلتقي فيها الرمزية الدينية مع الحسابات السياسية، في مشهد تسعى الدولة من خلاله إلى تأكيد استمرارية المؤسسات، حتى في أكثر اللحظات هشاشة.
وفي المقابل، يضيف الخطاب الخارجي، ولا سيما الأمريكي والإسرائيلي، طبقة أخرى من التعقيد. فالأحداث الداخلية في إيران لا تُقرأ بمعزل عن الصراع الإقليمي والدولي، بل تتحول سريعًا إلى جزء من معركة السرديات، حيث يحاول كل طرف توظيف الحدث لخدمة روايته السياسية، وإعادة رسم صورة ميزان القوى في المنطقة.
لكن ما يستحق التأمل حقًا هو أن الأنظمة الراسخة لا تُختبر في لحظات الاستقرار، بل في كيفية إدارتها للحظات الغياب. ففي هذه اللحظات تظهر قدرة المؤسسات على المحافظة على تماسكها، أو تكشف، على العكس، عن تصدعاتها الداخلية. ولذلك، فإن قيمة المشهد لا تكمن في تفاصيله الظاهرة وحدها، بل في الأسئلة التي يثيرها حول طبيعة السلطة وآليات استمرارها.
وربما لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى غياب شخصية بعينها باعتباره نهاية قصة أو بداية أخرى، بل باعتباره نافذة لفهم منطق الدولة نفسها. فالدول لا تُقرأ فقط من خلال الأشخاص، بل من خلال الطريقة التي تُدير بها حضورهم وغيابهم، وتحوّل الرموز إلى أدوات لإعادة إنتاج الشرعية وترتيب موازين القوة.
في النهاية، قد لا يكون الغياب جوابًا، لكنه يظل، في السياسة، أحد أكثر الأسئلة بلاغة. وحين تعجز البيانات عن كشف ما يجري، تبدأ الصور في الكلام، ويصبح الصمت، أحيانًا، أفصح من الخطب، وأكثر قدرة على كشف ما يدور خلف الستار.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]

لطفي فؤاد نعمان في شهر يونيو (حزيران) الذي نعدُّه يمنيّاً بامتياز لما احتوى من منعطفات تاريخية متنوعة: حركات وانقلابات واغتيالات لرؤساء وساسة يمنيين شمالاً وجنوباً؛ شهدنا مؤخراً فاجعة رحيل مجموعة أطفال أبرياء بمحافظة الضالع اليمنية جرّاء تفجير ألغام (22 يونيو)، ثم اغتيال مراسل قناة «العربية – الحدث» محمد عيضة في المكلا بحضرموت، بعد يومين من [...]