
محمد فال معاوية
في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها.
لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا داخل معادلة السوق.
هذا التحول لا يحدث فجأة، بل يتسلل بهدوء، حتى يصبح المال لغة غير معلنة تُقاس بها الكرامة، ويُعاد عبرها تشكيل مفهوم القيمة الإنسانية خارج سياقها الأخلاقي.
في خضم هذا التحول، لم يعد التعثر مرحلة عابرة من الحياة، بل صار يُفسَّر كقصور فردي، حتى لو كانت أسبابه خارج الإرادة. وكأن الحياة مطالبة بالاستقامة الدائمة، بينما هي في جوهرها سلسلة من الانقطاعات والتجارب غير المكتملة.
يكفي أن يتوقف راتب موظف لأسابيع، حتى تتغير نبرة السؤال من “كيف حالك؟” إلى “ماذا حدث؟”. وفي تلك اللحظة لا يتغير الوضع المادي فقط، بل تتغير—بشكل غير معلن—درجة الحضور الاجتماعي في أعين الآخرين. كأن القيمة الإنسانية نفسها أصبحت مرتبطة بإيقاع الدخل لا بثبات الإنسان.
لقد تمدد منطق السوق خارج حدوده الاقتصادية، وتسلل إلى نظرة الناس بعضهم إلى بعض. فأصبح الإنسان يُقاس بوظيفته قبل فكره، وبراتبه قبل قيمه، وبقدرته على الإنتاج قبل حضوره الإنساني. ومع هذا التمدد، تراجع معنى الإنسان لصالح معنى المنفعة.
والأخطر أن هذا التحول لم يغيّر طريقة تقييم النجاح فقط، بل غيّر طريقة فهم الفشل أيضًا. فالفقر لم يعد يُرى كحالة إنسانية مركبة، بل كعلامة موضع شك. والعاطل عن العمل يُطالب بإثبات أنه لم يقصّر. والمحتاج يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن كرامته قبل أن يطلب حقه في العون.
غير أن الإنسان لا يُختزل في نتيجة. خلف كل سيرة بشرية، هناك طبقات لا تُرى: صبر طويل، محاولات متكررة، خسارات صامتة، ومسارات لم تكتمل. لكن حين يعتاد المجتمع النظر إلى النتائج فقط، يفقد القدرة على قراءة الطريق الذي قاد إليها.
وهنا يظهر الفرق بين مجتمع يقرأ الإنسان ومجتمع يحاكمه. الأول يدرك أن الظاهر ليس القصة الكاملة، بينما الثاني يختزل الإنسان في لحظة واحدة ثم يحولها إلى حكم دائم.
وفي التراث الإنساني والديني، تُطرح الفكرة ذاتها بصيغة أوسع، إذ تُعد كرامة الإنسان أصلًا سابقًا على كل اعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾. فهي كرامة لا تُكتسب ولا تُسلب، بل تُفهم كحقيقة وجودية ثابتة.
وقد واجهت الفلسفة الأخلاقية هذا الاختزال منذ زمن بعيد. إذ يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن الإنسان لا يجوز أن يُعامل كوسيلة، بل كغاية في ذاته؛ أي أن قيمته لا تستمد من نفعه، بل من كونه كائنًا حرًا عاقلًا يمتلك كرامة غير قابلة للقياس أو الاختزال.
وحين نقارن هذا التصور بالواقع المعاصر، ندرك أن الأزمة ليست في الفقر ذاته، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف الإنسان عبره. فحين يصبح المال معيارًا وحيدًا للاعتراف، يتراجع الإنسان لصالح الأرقام، وتتحول العلاقات إلى منطق منفعة بارد.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يسلب الإنسان ماله فقط، بل يسلبه شعوره بقيمته. وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها الأزمة الأخلاقية: حين يُقاس الإنسان بما يملك، لا بما هو عليه.
إن المجتمعات لا تُقاس بثرائها، بل بقدرتها على حماية الإنسان حين يضعف. ففي لحظات القوة يسهل الاحترام، لكن في لحظات العجز تتكشف الحقيقة الأخلاقية. هناك فقط يتبين إن كنا نرى الإنسان كقيمة، أم كرقم.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زلنا نرى الإنسان بوصفه قيمة قائمة بذاتها، أم أننا جعلناه، دون أن نشعر، مجرد رقم في ميزان السوق؟

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]

لطفي فؤاد نعمان في شهر يونيو (حزيران) الذي نعدُّه يمنيّاً بامتياز لما احتوى من منعطفات تاريخية متنوعة: حركات وانقلابات واغتيالات لرؤساء وساسة يمنيين شمالاً وجنوباً؛ شهدنا مؤخراً فاجعة رحيل مجموعة أطفال أبرياء بمحافظة الضالع اليمنية جرّاء تفجير ألغام (22 يونيو)، ثم اغتيال مراسل قناة «العربية – الحدث» محمد عيضة في المكلا بحضرموت، بعد يومين من [...]