
د. عبد الغني الكندي
في العلوم السياسية، يُستخدم نموذج الأصيل-الوكيل، وما يشار إليه بالإنجليزية (Principal–Agent) لفهم العلاقة بين طرف يملك الدعم والموارد (الأصيل)، وطرف يعتمد على هذا الدعم لتنفيذ مشروع سياسي (الوكيل). ويقوم هذا النموذج، في أبسط صوره، على افتراض أن الأصيل يسعى للتأثير، في حين يُقيّم الوكيل خياراته وفق ما يراه أقل تكلفة وأكثر فائدة له. غير أن هذا المنطق لا يعمل دائماً بالطريقة نفسها، خصوصاً عندما لا يكون الوكيل مجرد منفّذ إداري، بل فاعل سياسي يرى نفسه ممثلاً لقضية جماهيرية ومشروع هويّاتي، ترتبط قراراته بالشرعية والرمزية بقدر ارتباطها بالحسابات المادية.
هنا يمكن فهم قرار عيدروس الزبيدي بعدم الحضور إلى الرياض، فمن زاوية النموذج يُعد الزبيدي هو الوكيل، في حين تُمثل القوى الداعمة الإقليمية موقع الأصيل. التفسير المتسرع قد يقول إن الأصيل ضغط، أو إن الوكيل امتثل. ومن خلال متابعتي مسارات الحركات الهوياتية في المنطقة، أرى أن هذا التفسير يبقى قاصراً عن فهم طبيعة العلاقة الفعلية بين الطرفين. فالعلاقة بين الأصيل والوكيل، في مثل هذه الحالات، أكثر تعقيداً من منطق الأمر والتنفيذ. فالزبيدي يعتقد أنه لا يستمد ثقله السياسي من الدعم الخارجي فحسب، بل من شرعيته أمام جمهور جنوبي يؤمن بمشروع انفصال الجنوب. ومن هذا المنظور الخاطئ، كان يرى الزبيدي أن حضوره إلى الرياض – رغم فوائده السياسية المحتملة – ينطوي على مخاطرة رمزية حقيقية، تتمثل في إمكانية تفسيره شعبياً بوصفه تنازلاً أو خضوعاً أو تراجعاً عن خطاب «القرار الجنوبي المستقل». ووفق هذه الحسابات الخاطئة، اعتقد الزبيدي أن تكلفة الحضور الرمزية أعلى من تكلفة تفويت بعض الاستحقاقات المادية، أي أن الوكيل اختار ما يراه أقل خسارة في ميزان الشرعية، لا في ميزان المال أو المناصب.
وهنا يتضح دور الحكومة الداعمة ضمن هذا النموذج، لا بوصفها أصيلاً يفرض قراره بصورة مباشرة وحسب، بل فاعل واعٍ بحدود الضغط الممكن. فحتى بافتراض وجود نصح أو توجيه، لم يكن ذلك في صيغة أوامر صريحة من قبيل «اذهب» أو «لا تذهب»، بل في إطار أوسع يضبط السياق العام، ويتيح للوكيل اتخاذ قرار يراه منسجماً مع صورته أمام جمهوره. وبعبارة أدق، لم تسعَ حكومة الأصيل إلى تغيير القرار بالقوة، بل حرصت على الإبقاء على السردية التي تُعزّز قناعة الوكيل بأنه يُمثّل الشرعية الرمزية للقضية الجنوبية بوصفها قضية مستقلة عن المجلس الرئاسي. وبهذا المعنى، كان نجاحها نابعاً من احترامها هذه الشرعية، وعدم المساس بالأساس الذي يستند إليه موقع الوكيل.
وهذا الفهم ليس خاصاً بالحالة الجنوبية فقط، بل يمكن رؤية المنطق نفسه في علاقة إيران بـ«حزب الله». فإيران تمثل أصيلاً قوياً من حيث الدعمين العسكري والمالي. ومع ذلك يستمد الحزب -بوصفه وكيلاً- شرعيته من سردية «المقاومة اللبنانية». ومن ثَمّ، فإنَّ أي ضغط علني يُفهم بوصفه إملاءً إيرانياً يضر بهذه السردية سيضعف الحزب بدلاً من أن يقويه. لذلك تعمل إيران غالباً على ترك مساحة للحزب ليبرر قراراته لجمهوره بلغته الخاصة، حتى لو كانت هذه القرارات غير منسجمة مع مصالحها.
وبالعودة إلى اليمن، يواجه المجلس الرئاسي اليمني تحدياً مختلفاً متمثلاً في بناء سردية وطنية جنوبية بديلة تحمل المضمون نفسه -التمثيل والدفاع عن مصالح الجنوب- لكن داخل إطار أوسع وأكثر قبولاً. أي أن المنافسة لا تكون على الشخص، بل على السردية الناجحة. وعندما تنجح هذه السردية في كسب ثقة الجمهور، فإنها تُضعف الشرعية الرمزية للزبيدي تلقائياً، من دون صدام أو ضغط فج. والضغط المباشر على فاعل يمتلك شرعية مستقلة قد يُحقق استجابة قصيرة المدى، لكنه يراكم خسائر طويلة الأمد. أمَّا الضغط الذكي فهو الذي يحترم السردية المحلية الجماهيرية، ويترك للوكيل مساحة ليقول لجمهوره: «هذا قراري، وليس قرار غيري».
الخلاصة أن نموذج الأصيل-الوكيل، حين يُقرأ في العلوم السياسية لا يشرح فقط مَن يضغط ومَن يمتثل، بل يشرح أيضاً متى ينجح ويفشل الضغط، ويُبين النموذج بأن السياسة ليست دائماً صراع قرارات، بل صراع سرديات. وفي قضايا الانفصال والوحدة تحديداً، من ينجح في تقديم القصة الأكثر إقناعاً والأوسع قبولاً، هو مَن يربح الشرعية، والشرعية هنا أهم بكثير من أي مكسب سياسي سريع. وفي حالة الزبيدي، كان ضغط الأصيل عليه مرتبطاً بتجنّب خسارة الشرعية التي يعد فيها مشروعه السياسي للانفصال رأس ماله الحقيقي. فالمكاسب السياسية يمكن تأجيلها والتفاوض بشأنها، لكن الشرعية ودلالاتها الرمزية إذا ضاعت، يصعب تعويضها.

محمد فال معاوية في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى من البيانات الرسمية، بل من لحظات الحروب حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. ولهذا، لم يكن تصريح السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بأن إسرائيل أرسلت بطاريات “القبة الحديدية” وطاقمًا عسكريًا إلى الإمارات للمساعدة في التصدي للهجمات الإيرانية، مجرد تفصيل عسكري عابر، بل إشارة سياسية واستراتيجية [...]

د. فادي الخطيب – كاتب وباحث في السياسات الاقتصادية والجغرافيا السياسية تقف اقتصادات الخليج أمام لحظة دقيقة تتقاطع فيها مكاسب ارتفاع أسعار الطاقة مع مخاطر تصاعد التوترات الإقليمية، في وقت يعيد فيه الصراع مع إيران تشكيل بيئة النمو والاستثمار في المنطقة. تشهد اقتصادات الخليج مرحلة حساسة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع التطورات الجيوسياسية بشكل متسارع. [...]

د. سامي الحاج – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية هدنة غير مستقرة في جنوب لبنان تعيد طرح سؤال أعمق حول طبيعة التهدئة في المنطقة: هل هي بداية مسار احتواء للصراع، أم مجرد توقف مؤقت يسبق انفجارًا أوسع في الإقليم؟ تشكل الهدنات في الشرق الأوسط عادةً لحظات ملتبسة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها [...]

د. نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد. لطالما شكّل مضيق هرمز إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، لكن التطورات الأخيرة أعادته إلى واجهة الأحداث [...]

د. سامر الكيلاني – كاتب وباحث في العلاقات الدولية تصاعد متسارع في وتيرة المواجهة بين إيران وإسرائيل يضع المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يتآكل الردع التقليدي وتتزايد احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع يعيد تشكيل موازين القوى. لم يعد التصعيد بين إيران وإسرائيل مجرد جولات متقطعة من الرسائل العسكرية المحسوبة، بل بات أقرب إلى مسار [...]

محمد فال معاوية في توقيت بالغ الحساسية، جاءت إقالة وزير البحرية الأميركي لتفتح باباً واسعاً من التساؤلات التي تتجاوز شخص الوزير إلى بنية القرار داخل المؤسسة العسكرية في واشنطن. فمثل هذه الخطوة، في ظل حرب مستمرة وتوترات دولية متصاعدة، لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً إدارياً عابراً، بل كمؤشر على تحولات أعمق في طريقة إدارة القوة [...]