
مصطفى الفقي
علمتنى ممارسة التعامل مع الكبار والغوص فى دهاليز الحياة السياسية أن هناك أمورًا ترتبط بالشعور الوطنى ويكون التأثير فيها أقوى من غيرها، وما أكثر أسباب الضعف وعوامل التراجع إذا أحجم المرء عن اتخاذ القرار الصحيح فى الوقت المناسب، وأتذكر ذات مرة صبيحة تشكيل وزارى جديد فى مطلع تسعينيات القرن الماضى أن همس فى أذنى شخص أعرفه جيدًا ولا أشكك فى سوء نواياه قائلاً لى: (أرجو أن تبلغ رئيس البلاد ولى الأمر أن المرشح لمنصب رئيس محكمة استئناف القاهرة هو المستشار ألفونس رياض، ولذلك الموقع حساسية خاصة لأنه هو الذى يأمر بتشكيل دوائر التحقيق مع المتطرفين الإسلاميين، وقد يكون من المستحسن العزوف عن هذا الاختيار فى هذا التوقيت تحديدًا، وأضاف أننا لا نجد سوابق لذلك يمكننا أن نستند إليها) فقلت له إننى سأنقل ما قاله إلى ولى الأمر وهو فى النهاية صاحب القرار. علمًا بأننى غير مقتنع بهذا التفسير.
فالقاضى المصرى يحتل مكانًا رفيعًا يجعله فوق الملاحظات حتى لو كانت النوايا طيبة، لأن من يملك حق المدح يملك أيضًا حق الذم، وما إن أبلغت الرئيس السابق مبارك بذلك حتى غضب بشدة وقال (ابحث لى فى شأن هذا المرشح إلى أى دولة ينتمى؟ هل هو يونانى أم مكسيكى أم يابانى أم ماذا؟) فقلت له إنه قاضٍ مصرى تدرج فى سلك القضاء منذ تخرجه ونحن نعتز أن يكون من أقباط مصر، فقال الرئيس (إننى لا أتفهم تلك الملاحظة التى نقلتها لى ولا أفهم مغزاها، فاسأل لى عن موعد أداء اليمين أمامى الذى يؤديه المستشار ألفونس رياض بغض النظر عن أى ملاحظات أخرى) وبالفعل أدى المستشار ألفونس رياض اليمين الدستورية فى موعده رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة باعتبارها أهم المحاكم القائمة.
ولم يحدث أبدًا ما يعكر الصفو أو يجافى الحقيقة، فتولى الرجل مهمته وأداها باقتدار وسقطت المخاوف التقليدية من تعيين كبار القضاة من الأقباط فى المواقع العليا فى سلك العدالة، حتى وصل الأمر بنا حاليًا أن رئيس المحكمة الدستورية العليا هو قبطى مصرى رفيع الشأن وأعنى به المستشار بولس فهمى، وأتذكر أيضًا أن جاءنى ذات يوم دبلوماسى شاب أعتبره من أقرب تلاميذى إلى وقال لى إنه يريد أن يلتحق بالعمل بإدارة السلك الدبلوماسى ولكنه لاحظ أنه لم يعمل بها دبلوماسيون أقباط من قبل، فسألت الوزير أحمد ماهر، وزير الخارجية وقتها: هل هناك ما يمنع أن يعمل دبلوماسى مسيحى مصرى فى إدارة السلك الدبلوماسى؟، فأجابنى أنه لم يسمع عن نصٍ بذلك، ولكن يبدو أنه عرف متوارث لا مبرر له.
وقام وقتها بتعيين ذلك الدبلوماسى الشاب فى تلك الإدارة المهمة والتى ترقى فيها حتى أصبح اليوم نائب وزير والكل سعيد به وبإسقاط تلك المخاوف غير المبررة المتعلقة بتولى الأقباط فى بعض الوظائف العامة إذ إن دماء المسلمين والمسيحيين تختلط معًا فى ساحات الحروب دفاعًا عن مصر الغالية، ولقد استقرت تلك التقاليد الجديدة فى وزارة الخارجية حتى أن إحدى الدبلوماسيات التى خدمت بعد ذلك فى نفس الإدارة التى لم تكن متاحة لها ولنظيراتها من قبل إلى منصب الوزارة، فكانت وزيرة ناجحة فى وقتها. إننى بذلك أريد أن أقول إن هناك قرارات يصنعها الخيال ويغذيها الوهم حتى إذا أطلت أشعة الاستنارة كان لنا أن نتخلص من بعضها فى أقرب وقت، حمى الله الوطن الذى استقرت لديه تقاليد المواطنة الواحدة فى كل الظروف.
*نقلاً عن “المصري اليوم”.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]