
عثمان ميرغني
أخطأت إيران حين قررت أن توسّع دائرة الحرب. فبدلاً من حصر ردّها في إطار المواجهة المباشرة مع مَن بادرها بالهجوم، اختارت أن تمدّ نيرانها إلى محيطها الإقليمي، مستهدفةً دول الجوار الخليجي والأردن. وبهذا القرار، تحولت من طرف يمتلك أوراق ضغط دبلوماسية وحجة قانونية أمام الهجوم الذي تعرضت له، إلى طرف معتدٍ على الجيران، ومُؤجج للفوضى.
كان بإمكان طهران أن تبني خطابها على منطق الدفاع المشروع عن النفس، وفق ميثاق الأمم المتحدة، وأن تُظهر نفسها كدولة تعرّضت لعدوان من الولايات المتحدة وإسرائيل. كان يمكنها أن تحصر ردّها في إطار عسكري مباشر ضد مَن هاجمها، فتُبقي الصراع ضمن معادلة ثنائية واضحة. لكن حين امتدّت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أراضي دول الجوار الخليجي والعربي، وانتقلت التداعيات إلى لبنان والعراق، تبدّل المشهد.
صحيح أن إيران تشعر بالغضب؛ فهي ترى أنها استُهدفت بينما كانت المفاوضات جارية، وتعتبر نفسها ضحية اغتيال عدد من قيادتها، وفي مقدمتهم مرشدها الأعلى علي خامنئي. هذه قد تكون عوامل تفسّر دوافع الانتقام، لكنها لا تبرّر خطأ الحسابات.
السياسة ليست إدارة للغضب، بل إدارة للنتائج. وتوسيع نطاق المواجهة يحوّل إيران من دولة تقول إنها تدافع عن نفسها، إلى طرف يهدد استقرار الإقليم بأكمله. كما يمنح خصومها فرصة لإعادة تشكيل وتوصيف عملياتهم تحت عنوان الأمن الإقليمي والدولي، وأمن الملاحة والطاقة.
في المفاهيم الاستراتيجية ينبغي أن يخدم الرد أهدافاً واضحة، ويحقق مكاسب. لكن بإقدامها على توسيع ردها بضرب جيرانها، خسرت طهران على مستويات عدة. أولاً، ما الذي يتحقق تحديداً من قصف الجيران الخليجيين؟ إنه لا يُضعف القدرة العسكرية لإسرائيل، ولا يُجبر واشنطن على تغيير الحسابات لصالح طهران. بدلاً من ذلك، فإنه يدعو إلى تدابير مضادة، ويُشدد الخناق الاقتصادي، ويحفّز تحالفاً من الدول كان يمكن (لولا ذلك) أن يسعى إلى خفض التصعيد.
ثانياً، هناك الحسابات والاعتبارات الناجمة عن تضرُّر الاقتصاد الدولي. مصادر الطاقة في الخليج، ومضيق هرمز، لا يمكن فصلهما عن الجهاز العصبي للاقتصاد العالمي. تعطيلهما يُطلق قفزات في أسعار الطاقة وتكاليف التأمين وإعادة توجيه للشحن. الأذى سيطال الجميع، بمن فيهم إيران واقتصادها المثقل أصلاً، ولا يحتمل صدمات تراكمية إضافية. العالم لن يقف متفرجاً، والضغوط سوف تشتد على إيران حتى من حلفاء كالصين.
ثمّة بُعد داخلي لإيران أيضاً. المواجهة المطوّلة تستنزف الموازنات وتُضخِّم الأزمة الاقتصادية. لا يمكن عزل عقيدة الأمن القومي عن رفاه المجتمع إلى ما لا نهاية. تدوم الدول عبر مواءمة القوة مع أهداف سياسية قابلة للتحقيق. من دون هذه المواءمة، تتآكل من الداخل.
ثالثاً، هناك كلفة الفرصة الدبلوماسية. لو لم تبادر إيران بضرب جيرانها، لكان بمقدور دول الخليج أن تتموضع للوساطة من أجل وقف إطلاق النار. هذه الدول لديها علاقات قوية مع واشنطن، وحافظت على خطوط مفتوحة مع طهران، وكان بمقدورها أن تقوم بجهد بين الطرفين. لكن قرار طهران باستهداف دول الجوار قلص أي تعاطف إقليمي محتمل.
رابعاً، منطق التصعيد لا يرحم. تُعلِّمنا نظرية الردع أن الرد يجب أن يكون متناسباً؛ وإلا انزلق إلى عنف يُقوِّض التعاطف الدولي. مهما تكن مظالم طهران إزاء العمليات الأميركية والإسرائيلية، فإن توسيع بنك الأهداف ليشمل دول الجوار يُخفِّف من قوة حجّتها، ويُعيد تأطير النزاع تحت عناوين الفوضى وزعزعة الأمن الإقليمي، وتهديد الاقتصاد العالمي.
المستفيد من كل هذا هو إسرائيل. ففي منطقة تعصف بها الاضطرابات، تتهيأ البيئة الاستراتيجية لإسرائيل الكبرى التي لم تعد مشروعاً مخفياً، بل صار الحديث عنه علنياً، وبجرأة غير مسبوقة نتيجة الظروف السائدة في المنطقة. وبينما تتحرك حكومة نتنياهو لتعزيز علاقاتها حول العالم، وتُطبِّع التعاون الأمني، وتوسّع هامشها الجيوسياسي، تتشرذم المنطقة. لقد أجّجت الخطابات حول «إسرائيل الكبرى» الرأي العام العربي، منذ أن رفع نتنياهو خرائطه المفترضة أمام العالم، وبعدها عندما صرّح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بأن لا بأس من إسرائيل الكبرى من النيل للفرات. وبصرف النظر عن قابلية تنفيذ الخرائط القصوى، فإن الصورة تستدعي الحذر والعمل. لكن إذا كانت دول المنطقة منشغلة بحماية أمنها واقتصادها والعمل لمنع اشتعال المنطقة كلها، فلن تتمكن من التركيز والتنسيق لمواجهة التحديات الاستراتيجية الإسرائيلية.
في ظل هذه الصورة المعقدة أخطأت طهران حساباتها. أخطأت في كيفية الرد؛ فالرد المحسوب كان سيعزز سردية «الضحية المعتدى عليها». أما الرد الواسع على الجيران فقد أعاد تعريفها كقوة إقليمية مستعدة لتوسيع الحرب خارج حدود المواجهة الأصلية، ونشر الفوضى.
وفي لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس النجاح بعدد الصواريخ، بل بقدرة الدولة على كسب المعركة السياسية والقانونية والأخلاقية أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. وهنا تحديداً، خسرت طهران جزءاً مهماً من تلك المعركة.
نقلا عن الشرق الأوسط

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]