قد يكون من الغريب -إن لم يكن تزييفًا للوعي- العودة إلى القرن الخامس قبل الميلاد لمعرفة تاريخ العرب ومكانتهم بين الأمم، مع أنّ أمتنا شَقَّت طريقها في رحلة التاريخ حين تغلبت الأيديولوجيا (ثقافة العقيدة) على تضاريس الجغرافيا من جهة، وعلى البطش وأدواته، منذ أن كان« الزَّهْو القَبَلي» قائما على سجود الجبابرة لمن يبلغ الفطام، من جهة ثانية.
راودتني هذه الفكرة بما يقربها زلفى من التساؤلات والإشكاليات ذات الصلة بحالتنا الراهنة، أين يتواصل اشتعال نار الحرب، ونيران الفتن، ويُدفع ثمنها وقودا من البشر والمال والقيم، وحتى بالمعروف من الحياة بالضرورة، ومن الثابت من الدين بالإيمان.
تأتي الفكرة هذه صريحة ـ إذا اعتبرت موضوعا للنقاش وليس الجدل ـ ضمن محاولة لفهم؛ ولو قلتاريخ العربيلا، من البلاء المبين الذي نعيشه هذه الأيام، وهو لا يتعلق بـ«نَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ»ـ كما لدى البعض ـ فحسب، وإنما يشمل أيضا ممن غرّتهم الدنيا، وظنوا ـ وَهْمًا وإثْمًا ـ أنهم قادرون عليها، ففقدوا بذلك الأمان، وابتعدوا عن المطلوب من «قريش بعد الإشباع من جوع، والأمان من خوف».
سند الفكرة السّابقة هنا ـ حتى لو نظر إليها من زاوية الملاحظة العابرة ـ هو ما ذكره «هيرودوت»(أبو التّاريخ) عن العرب منذ 27 قرنًا خلت، وقد استأنستُ به من ناحية تأمل الأصول والصفات الملازمة للعرب، ولم يكن هذا لأجل التأكيد على أننا كنا ـ ولا نزال وسنبقى ـ جزءًا من التاريخ الإنساني فحسب، وإنما أيضا لأن لنا إسهامنا المُسجَّل لجهة صناعته، أي أننا في كل مرحلة من التاريخ نُعدُّ معاصرين وشركاء، حتى في مراحل ضعفنا كما في حالنا الراهنة.
لنعد معا إلى كتاب «تاريخ هيرودوت»، ترجمة «عبد الإله الملاح»، ومراجعة «د. أحمد السقاف»، و«د. حمد بن صراي» (صدر عن المجمع الثقافي في أبوظبي عام 2001م) لنَرْوي شهادة هيرودوت عن العرب؛ أصلا وأفعالا، لدرجة تجعلنا اليوم ملزمين بالعودة إلى تلك الشهادة، خاصة إذا نظرنا إلى صراعنا مع الآخر من زاوية مرجعية الصراع بين الأمم، ممثلًا في اليونانيين والفرس، باعتباره بداية الصراع بين الغرب والشرق، كما رآه هيرودوت، وهو كما ذكر حمد بن صراي: «بدأ بتسجيل أحداث الصدام بين بلاد اليونان والشرق، وانتهى بوصف شامل للحرب الكبيرة والبارزة بين اليونانيين وجيوش الفرس».
وفي سياق مختلف، يذكر المترجم «عبد الإله الملاح» في مقدمة الترجمة العربية الآتي: «إن القارئ العربي مدين لهيرودوت، إذ اهتمَّ بتوثيق تاريخ العرب، وبيّن أن أصل الفينيقيين من منطقة الخليج العربي، وأنهم انتقلوا إلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، والذي يصفه في تاريخه بأنه يشكل الحد البحري لبلاد العرب، كما وصف أعمالهم ومهاراتهم ومعابدهم، وبيَّن بأوضح عبارة أنهم قد علمّوا الإغريق الأبجدية».
ولم يكتف هيرودوت بذلك، بل وصف بلاد العرب وجغرافيتها وحدودها بين الخليج العربي والبحر الأحمر الحالي الذي كان يسمى على أيامه «خليج العرب»، كما تحدث عن مُلك العرب، وأبدى اعجابه الشديد بهم وبأخلاقهم، وينوه بأن «التاريخ لم يعرف أمة تقدس العهود والمواثيق مثل العرب».
وإذا أردنا النظر لذلك عكس المنهج الاستدلالي، بحيث نقيس «الشاهد عن الغائب» من ناحية رفض العرب اليوم ـ كما كانوا في الماضي ـ لسيطرة الفرس عنهم؛ والمقصود هنا الدولة وليس الأفراد، فإن هيرودوت يرى «أن العرب هم الأمة الوحيدة التي لم ترضخ للفرس، بل عقدت معهم التحالفات على قدم المساواة»، وربما يعود ذلك إلى ما جاء في إعجابه بهم وببلادهم إلى درجة صرح فيها: «بأن بلاد العرب كانت تفوح بعطر سماوي».. فهل هي اليوم تفوح بذلك العطر رغم شلالات الدماء؟.. نتمنى ذلك، لكن «مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ» كما يقول المتنبي.
نقلا عن المصري اليوم
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *