
لندن – ماهر محمد علي
لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة اختناق جيوسياسية في قلب الخليج، بل تحول إلى عامل اقتصادي عالمي يضغط على أسعار الطاقة والشحن والتأمين والأسواق، مع استمرار اضطراب حركة الملاحة وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
وبحلول الخميس، واصل خام برنت التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، مرتفعًا إلى نحو 102.15 دولار، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 97.50 دولار، وفق بيانات أوردتها رويترز. وارتفع برنت بنحو 30% من أدنى مستوياته في أوائل أغسطس، في ظل المخاوف من استمرار اضطراب إمدادات النفط عبر المنطقة.
وتكتسب هذه الزيادة أهميتها من أن الأزمة لم تعد مرتبطة بسعر النفط وحده، وإنما باتت تمس تكلفة نقل الطاقة وتأمينها، ثم تنتقل آثارها تدريجيًا إلى الشركات والمستهلكين والأسواق العالمية.
من يدفع فاتورة النفط؟
في الظاهر، يدفع المستهلك ثمن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة. لكن الفاتورة الاقتصادية أوسع بكثير.
ارتفاع النفط يعني زيادة تكاليف النقل، من الشاحنات والطائرات إلى السفن، كما يرفع كلفة تشغيل المصانع وإنتاج السلع ونقلها. ومع مرور الوقت، يمكن أن تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات.
أما الشركات، فتواجه ضغوطًا مزدوجة: ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن من جهة، وصعوبة تمرير كامل الزيادة إلى المستهلك من جهة أخرى، خوفًا من تراجع الطلب.
وتتحمل الحكومات جزءًا من التكلفة أيضًا، خصوصًا في الدول التي تستخدم الدعم لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الوقود على الأسر والقطاعات الاقتصادية.
المشكلة ليست في البرميل وحده
ما يجعل أزمة هرمز مختلفة هو أن تكلفة النفط لم تعد تُقاس بسعر البرميل فقط.
فوفق رويترز، ارتفعت تكاليف نقل ناقلات النفط عبر المضيق بشكل كبير نتيجة ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، إذ يمكن أن تصل تكلفة التأمين على الشحنة إلى نحو 6% من قيمتها، فيما ارتفعت أقساط مخاطر الحرب إلى ما يصل إلى 10%، لتتراوح تكلفة العبور الإجمالية في بعض الحالات بين 10 و20 مليون دولار.
وهذا يعني أن حتى النفط الذي يخرج من مناطق الإنتاج لا يصل بالضرورة إلى الأسواق بالتكلفة المعتادة.
فالناقل يحتاج إلى تأمين، والسفينة تحتاج إلى مسار آمن، والمشتري يحتاج إلى ضمان وصول الشحنة في موعدها. وكلما ارتفعت المخاطر، ارتفعت معها الكلفة التي تدخل في النهاية ضمن السعر الذي يدفعه السوق.
هرمز يضغط على التجارة العالمية
تظهر صعوبة الوضع بوضوح في حركة السفن نفسها. وأظهرت بيانات تتبع أولية نقلتها رويترز أن سبع سفن فقط عبرت مضيق هرمز يوم الأربعاء، مقارنة بـ12 سفينة في اليوم السابق ومتوسط يبلغ 14 سفينة خلال عشرة أيام. ولم تغادر أي ناقلة للغاز الطبيعي المسال المضيق في ذلك اليوم، فيما خرجت ناقلة نفط عملاقة تحمل قرابة مليوني برميل من الخام.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة ليست إغلاق المضيق بالضرورة، وإنما انخفاض القدرة على استخدامه بصورة طبيعية ومنتظمة.
وهنا تبدأ المشكلة الاقتصادية الحقيقية: الأسواق لا تحتاج إلى إغلاق كامل للممر لكي ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تصبح حركة النقل أكثر خطورة وأبطأ وأكثر تكلفة.
لماذا يخشى العالم التضخم؟
ارتفاع النفط يحمل تأثيرًا متسلسلًا. فإذا ارتفعت تكلفة الوقود، ارتفعت تكلفة النقل. وإذا ارتفعت تكلفة النقل، ارتفعت تكلفة الإنتاج والتوزيع. ومع استمرار الزيادة، يمكن أن تتسع الضغوط على أسعار السلع والخدمات.
وهذا يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة: كيف تخفض التضخم في وقت ترتفع فيه أسعار الطاقة بسبب صدمة جيوسياسية لا يمكن للسياسة النقدية معالجتها مباشرة؟
لذلك، فإن استمرار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة قد يعني أن معركة التضخم تصبح أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا انتقلت صدمة الطاقة من الأسواق المالية إلى الاقتصاد الحقيقي.
الأسواق تدفع الثمن أيضًا
لم تتوقف تداعيات أزمة هرمز عند سوق النفط. فارتفاع الطاقة يزيد مخاوف المستثمرين من التضخم، ويرفع احتمالات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، ما يضغط على أسواق الأسهم والسندات ويزيد تكلفة التمويل بالنسبة للشركات والحكومات.
وهكذا يتحول الخطر الجيوسياسي في الخليج إلى مسألة مالية عالمية: النفط يرتفع، تكاليف النقل والتأمين ترتفع، توقعات التضخم تتغير، والأسواق تعيد تسعير المخاطر.
ما وراء الخبر
المشكلة الأساسية ليست أن النفط تجاوز 100 دولار فحسب، بل أن السوق فقد جزءًا من قدرته على التنبؤ.
قبل الأزمة، كان تسعير النفط يعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج والطلب والمخزونات. أما الآن، فأصبح عامل المخاطر الأمنية حاضرًا بقوة في كل برميل يتم شحنه عبر المنطقة.
وهذا ما يجعل الأزمة أكثر تكلفة من مجرد نقص مؤقت في الإمدادات. فحتى عندما يكون النفط متوافرًا في مناطق الإنتاج، فإن صعوبة نقله وتأمينه وارتفاع مخاطر وصوله إلى المشتري تخلق ما يشبه علاوة جيوسياسية تضاف إلى السعر. وبذلك يصبح الخوف نفسه جزءًا من سعر النفط.
من يدفع الفاتورة في النهاية؟
يدفعها الجميع، ولكن بدرجات مختلفة.
- المستهلك يدفع عبر أسعار الوقود والنقل والسلع.
- الشركات تدفع عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والتأمين.
- الحكومات تدفع عبر الدعم أو ارتفاع تكاليف الإنفاق العام.
- الأسواق تدفع عبر ارتفاع علاوة المخاطر وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول الأكثر تعرضًا للصدمات.
أما الدول المستوردة للطاقة، فتواجه ضغطًا إضافيًا على ميزانها التجاري وحساباتها الخارجية إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة لفترة طويلة.
ماذا بعد؟
المسار المقبل لأسعار النفط لن تحدده التصريحات السياسية وحدها.
العامل الحاسم سيكون حركة السفن عبر هرمز، وحجم الإمدادات الفعلية التي تصل إلى الأسواق، ومدى اتساع الهجمات على البنية التحتية للطاقة، وإمكانية احتواء التصعيد العسكري.
كما ستلعب الصين دورًا مهمًا في تحديد اتجاه السوق، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام عالميًا. وتشير رويترز إلى أن زيادة مشترياتها خلال الأسابيع الأخيرة دعمت السوق الفعلية للخام، فيما قد يؤدي استمرار الطلب الصيني إلى زيادة تأثير أي نقص في الإمدادات.
وفي المقابل، فإن أي عودة ملموسة لحركة الملاحة عبر هرمز أو تراجع الطلب العالمي قد تخفف من الضغوط السعرية.
لكن طالما بقي المضيق يعمل دون عودة إلى حركة طبيعية، ستظل الأسواق تتعامل مع كل شحنة نفط باعتبارها تحمل معها تكلفة ومخاطرة إضافيتين.
الخلاصة: أزمة هرمز لم تعد أزمة نفط خليجية فقط؛ إنها اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمة طاقة جديدة، فيما تبقى الفاتورة موزعة بين المستهلك والشركات والحكومات والأسواق.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *