
يعتقد كثيرون أن شرب الماء أثناء تناول الطعام قد يربك عملية الهضم أو يخفف من تركيز أحماض المعدة والإنزيمات المسؤولة عن تفكيك الطعام. ومع تكرار هذه الفكرة، أصبح الامتناع عن الماء خلال الوجبات عادة لدى البعض، لكن هل تستند هذه المخاوف إلى حقيقة علمية؟
الإجابة أبسط مما تبدو: بالنسبة لمعظم الأشخاص الأصحاء، لا توجد مشكلة في شرب الماء أثناء تناول الطعام، بل قد يكون ذلك مفيداً في بعض الحالات.
ماذا يحدث للطعام داخل الجهاز الهضمي؟
تبدأ عملية الهضم منذ اللحظة الأولى لمضغ الطعام. فالمضغ يحفز إفراز اللعاب الذي يحتوي على إنزيمات تساعد في بدء تفكيك الطعام قبل وصوله إلى المعدة.
وبمجرد وصول الطعام إلى المعدة، يبدأ بالاختلاط بالعصارة المعدية التي تحتوي على الحمض والإنزيمات الهاضمة، ليتحول تدريجياً إلى مادة شبه سائلة تعرف باسم «الكيموس».
بعد ذلك ينتقل الكيموس إلى الأمعاء الدقيقة، حيث يستكمل هضمه بمساعدة إنزيمات يفرزها البنكرياس والعصارة الصفراوية القادمة من الكبد. وهناك يتم امتصاص الجزء الأكبر من العناصر الغذائية ونقلها إلى مجرى الدم، قبل أن تصل البقايا إلى القولون لاستكمال مراحل التخلص منها.
هذه العملية ليست لحظية؛ إذ قد يستغرق مرور الطعام وهضمه عبر الجهاز الهضمي ما يقارب يوماً إلى ثلاثة أيام، بحسب نوع الطعام وعوامل أخرى مرتبطة بالجسم.
هل الماء يخفف أحماض المعدة ويعطل الهضم؟
هذه واحدة من أكثر الأفكار شيوعاً، لكنها لا تعكس طريقة عمل الجهاز الهضمي.
المعدة لا تحتوي على كمية ثابتة من الحمض تنتظر الطعام ثم تتأثر بمجرد شرب الماء. بل يتكيف الجهاز الهضمي باستمرار مع الطعام والسوائل التي تدخل إليه، وتعمل المعدة على تنظيم إفرازاتها بما يتناسب مع عملية الهضم.
لذلك، فإن شرب كوب من الماء أثناء الوجبة لا يعني أن أحماض المعدة والإنزيمات ستصبح ضعيفة إلى درجة تعيق هضم الطعام.
بل قد يساعد الماء على تناول الطعام بطريقة أفضل
الماء والسوائل يمكن أن تساعد على ترطيب الطعام وتسهيل انتقاله عبر المريء إلى المعدة. كما أن تناول الماء خلال الوجبة قد يجبر الشخص على التوقف بين اللقم، وهو أمر قد يكون مفيداً لمن يميلون إلى تناول الطعام بسرعة.
وهناك فائدة أخرى محتملة: الماء قد يساعد على تعزيز الشعور بالامتلاء، ما قد يساهم في تقليل كمية الطعام التي يتناولها الشخص، خصوصاً عندما يكون الخيار هو الماء بدلاً من المشروبات المحلاة عالية السعرات.
وتشير بعض الأبحاث إلى أن تناول الماء قبل الوجبات يمكن أن يرتبط بفقدان قدر إضافي من الوزن لدى بعض الأشخاص، إلا أن تأثير الماء في معدل الأيض يظل محدوداً، ولا ينبغي اعتباره وسيلة مستقلة لإنقاص الوزن.
المشكلة ليست في الماء.. بل في نوع المشروب
إذا كان كوب الماء أثناء الطعام لا يمثل مشكلة لمعظم الناس، فإن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بالمشروبات المحلاة أو الغنية بالسعرات الحرارية.
المشروبات السكرية والعصائر وبعض أنواع الحليب قد تضيف كمية كبيرة من السعرات إلى الوجبة، من دون أن تمنح بالضرورة الإحساس نفسه بالشبع الذي يوفره الطعام الصلب.
ولهذا، يبقى الماء الخيار الأبسط والأفضل لمرافقة الوجبات بالنسبة لمعظم الأشخاص.
وماذا عن الارتجاع والحموضة؟
هناك استثناء مهم. بعض الأشخاص الذين يعانون من الارتجاع المعدي المريئي قد يلاحظون أن تناول كميات كبيرة من السوائل مع الطعام يزيد الأعراض لديهم.
والسبب المحتمل أن زيادة السوائل ترفع حجم محتويات المعدة، وهو ما قد يزيد الضغط داخلها لدى بعض الأشخاص، وبالتالي قد يسهم في عودة الحمض إلى المريء.
لذلك، إذا لاحظت أن شرب الماء أثناء الوجبة يسبب لك حرقة أو انتفاخاً أو شعوراً بعدم الراحة، فمن الأفضل تجربة شربه قبل الطعام أو بين الوجبات بدلاً من إجبار نفسك على تناوله أثناء الأكل.
الخلاصة: لا داعي للخوف من كوب الماء
لا توجد قاعدة عامة تقول إن شرب الماء أثناء تناول الطعام يفسد الهضم أو يخفف أحماض المعدة بطريقة تمنع الجسم من الاستفادة من الطعام.
إذا كان الماء لا يسبب لك أعراضاً مزعجة، فلا حاجة إلى تجنبه أثناء الوجبات. وقد يكون مفيداً خصوصاً لمن يأكلون بسرعة أو يحتاجون إلى تحسين ترطيب الجسم.
أما إذا كان تناول السوائل مع الطعام يفاقم الحموضة أو الانتفاخ أو الانزعاج الهضمي، فمن الأفضل تعديل توقيت شرب الماء بما يناسب جسمك.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بقاعدة صارمة تنطبق على الجميع، بل بكيفية استجابة جسمك وما يناسب نمطك الغذائي.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *