
لم تعد حرائق الغابات وموجات الحر أزمة بيئية منفصلة عن صحة المدن والمجتمعات، إذ باتت تؤثر بصورة مباشرة في جودة الهواء، في وقت يحذر فيه تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن تغير المناخ يجعل تحقيق الأهداف الدولية الخاصة بالهواء النظيف أكثر صعوبة.
وقالت المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها السنوي عن جودة الهواء والمناخ، إن تلوث الهواء وتغير المناخ مرتبطان بصورة وثيقة، ما يتطلب سياسات تعالجهما معًا بدل التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر، بحسب رويترز.
الحرائق.. مصدر متزايد للتلوث
تشير المنظمة إلى أن حرائق الغابات أصبحت مصدرًا متناميًا لتلوث الهواء، حتى في الدول التي نجحت في خفض الانبعاثات الناتجة عن الصناعة والنقل.
وقال لورنزو لابرادور، المسؤول العلمي في المنظمة، إن تحسن جودة الهواء في مدينة أو منطقة قد لا يكون كافيًا لحمايتها من التلوث إذا تسببت حرائق الغابات في إطلاق كميات كبيرة من الملوثات.
ويبرز من بين هذه الملوثات الجسيمات الدقيقة «PM2.5» والأوزون على مستوى سطح الأرض، وهما من أبرز ملوثات الهواء المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.
موجات الحر تزيد الضغط
شهد عام 2026 موجات حر وحرائق غابات واسعة في مناطق أوروبية عدة، بينها إسبانيا وفرنسا واليونان، فيما تقول المنظمة إن ارتفاع حرارة الكوكب يجعل موجات الحر الشديدة أكثر تواترًا وقوة.
وأظهر التقرير أن متوسط تركيز جسيمات «PM2.5» خلال عام 2025 تجاوز المستويات طويلة الأجل في شمال كندا ومناطق من روسيا وغرب ووسط أفريقيا، مع ارتباط ذلك بزيادة نشاط الحرائق.
كما برز شمال غرب إسبانيا كبؤرة لتلوث شديد بعد حرائق استثنائية شهدتها المنطقة في أواخر الصيف.
الدخان لا يتوقف عند حدود الحريق
المشكلة لا تقتصر على المناطق القريبة من الحرائق. فالدخان والهباء الجوي يمكن أن ينتقلا لمسافات بعيدة، ما يجعل تأثير الحرائق قضية تتجاوز حدود المناطق التي اندلعت فيها.
وتشير دراسة استشهدت بها المنظمة إلى أن نوبات الدخان الشديد الناتج عن الحرائق تضاعفت ثلاث مرات عالميًا منذ تسعينيات القرن الماضي، وربما ارتبطت بنحو 100 ألف وفاة إضافية سنويًا خلال الفترة بين 2010 و2018.
كما تدعو المنظمة إلى تحسين مراقبة الملوثات والهباء الجوي، بما في ذلك الكربون الأسود والجسيمات البلاستيكية الدقيقة، التي تقول إنها لا تخضع حتى الآن لمستوى كافٍ من الرصد رغم انتشارها في الغلاف الجوي.
ما وراء الخبر
المفارقة أن الجهود الرامية إلى تنظيف الهواء من مصادر التلوث التقليدية قد لا تكون كافية إذا استمر تغير المناخ في زيادة الظروف التي تساعد على اندلاع الحرائق وموجات الحر.
وهذا يعني أن معركة جودة الهواء تتجه تدريجيًا من كونها ملفًا بيئيًا محليًا إلى قضية صحية ومناخية عابرة للحدود. فكلما ارتفعت حرارة الكوكب، قد تصبح حماية المدن من تلوث الهواء أكثر ارتباطًا بالقدرة على الحد من مخاطر الحرائق والظواهر الجوية المتطرفة.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحتاج سياسات جودة الهواء إلى إعادة تصميمها لتأخذ تغير المناخ وحرائق الغابات في الحسبان باعتبارهما عاملين رئيسيين في تلوث الهواء؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *