
بعد سبع سنوات على رحيلها، عاد اسم الكاتبة والناشطة التركية شُوله يوكسل شينلر إلى صدارة النقاش العام في تركيا، ليس بسبب كتاب جديد أو موقف سياسي، بل عبر مسلسل درامي أعاد إحياء واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ الحركة المحافظة التركية.
فمع عرض مسلسل “شُوله: قصتك” على منصة “تابعي” التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، عاد الجدل حول إرث المرأة التي تحولت منذ ستينيات القرن الماضي إلى رمز لدى قطاعات واسعة من المحافظين، فيما يراها منتقدوها شخصية لعبت دوراً محورياً في الصراع الثقافي والسياسي الذي شهدته تركيا لعقود.
ولدت شُوله يوكسل شينلر عام 1938 في مدينة قيصري وسط تركيا، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى إسطنبول وهي طفلة. نشأت داخل عائلة وصفتها بنفسها بأنها “عصرية” ومندمجة في نمط الحياة الحديث، حيث كانت الحفلات والأنشطة الاجتماعية جزءاً من الحياة اليومية للأسرة.
لكن مسار حياتها تغير تدريجياً مع تأثرها بشقيقها الأكبر المنتمي إلى حركة “النور” الإسلامية المرتبطة بالمفكر سعيد النورسي. ومن خلال حضورها اجتماعات دينية واطلاعها على الأدبيات الإسلامية، بدأت تتجه نحو حياة أكثر تديناً، وهو التحول الذي سيشكل لاحقاً مسيرتها الفكرية والسياسية.
ورغم اضطرارها إلى ترك الدراسة الثانوية بسبب ظروف عائلية، فإن شغفها بالكتابة لم يتوقف. بدأت بنشر القصص والمقالات في الصحف والمجلات، قبل أن تتحول إلى واحدة من أشهر الكاتبات المحافظات في تركيا.
وفي عام 1965 ارتدت الحجاب، لتصبح لاحقاً من أبرز الأصوات المدافعة عنه في فترة كانت فيها هذه القضية من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع التركي. ولم تكتف بالكتابة، بل جابت مدناً تركية عديدة لإلقاء محاضرات جماهيرية استقطبت آلاف النساء.
وخلال تلك الفترة، ابتكرت أسلوباً جديداً في ارتداء غطاء الرأس عرف باسم “شُوله باش”، وانتشر بين النساء المحافظات في أنحاء مختلفة من تركيا، ليصبح أحد رموز الهوية المحافظة في تلك المرحلة.
واكتسبت شهرتها الأكبر مع رواية “شارع السلام” الصادرة عام 1970، والتي حققت مبيعات ضخمة وتحولت لاحقاً إلى فيلم سينمائي ثم مسلسل تلفزيوني. وتناولت الرواية قصة حب بين شاب متدين وفتاة تعيش نمط حياة مختلفاً، عاكسةً الصراع الثقافي بين التيارات المحافظة والعلمانية في تركيا.
لكن نشاطها لم يكن بعيداً عن الجدل. فقد تعرضت للملاحقة القضائية أكثر من مرة بسبب مقالاتها وخطاباتها، كما أمضت أشهراً في السجن بعد اتهامها بالتشهير بالرئيس التركي آنذاك جودت صوناي.
ورغم الجدل الذي رافق مسيرتها، بقي اسم شينلر حاضراً بقوة داخل الأوساط المحافظة، خاصة بعد الحديث المتكرر عن دورها في التعارف بين رجب طيب أردوغان وأمينة غولباران التي أصبحت لاحقاً زوجته.
وبحسب روايات شينلر وأمينة أردوغان، فإن اللقاء الأول بين الزوجين تم خلال نشاطات جمعية نسائية أسستها شينلر في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تلعب دور الوسيط بينهما وصولاً إلى الزواج عام 1978.
ومع صعود أردوغان إلى السلطة لاحقاً، ظلت العلاقة قائمة بين الطرفين. وعندما توفيت شينلر عام 2019، حضر الرئيس التركي مراسم تشييعها ووصفها بأنها “رمز للإصرار والكفاح والإيمان”، فيما قالت أمينة أردوغان إنها تدين لها بالفضل لأنها كانت سبباً في زواجها.
اليوم، يعيد المسلسل الجديد فتح النقاش حول شخصية شينلر وإرثها الفكري. فبينما يعتبرها أنصارها رائدة في الدفاع عن الحجاب وحقوق المرأة المحافظة، يرى منتقدوها أنها كانت جزءاً من مشروع سياسي وثقافي اصطدم بمبادئ الجمهورية والعلمانية.
ومهما اختلفت الآراء حولها، فإن عودة اسم شُوله يوكسل شينلر إلى الواجهة تؤكد أنها ما زالت واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في الذاكرة السياسية والاجتماعية التركية، حتى بعد سنوات من رحيلها.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *