الرئيسية/التحليلات/من المظلة الأميركية إلى الأمن المتعدد.. كيف يعيد الخليج بناء معادلة الردع؟
التحليلات

من المظلة الأميركية إلى الأمن المتعدد.. كيف يعيد الخليج بناء معادلة الردع؟

الخليج يعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي
📸الخليج يعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي
اليوم ميديا

لأكثر من أربعة عقود، ارتبط أمن الخليج بصورة وثيقة بالحضور الأميركي. قواعد عسكرية، وقدرات استخباراتية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي وبحري، وشبكات قيادة وسيطرة، جعلت واشنطن الركيزة الأبرز في معادلة الأمن الإقليمي.

لكن المنطقة لم تعد كما كانت.

فالحروب والتوترات المتلاحقة، من حرب غزة إلى المواجهة الأميركية الإيرانية، أظهرت لدول الخليج أن المخاطر يمكن أن تنتقل سريعاً إلى أجوائها وأراضيها ومياهها، وأن الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة والطاقة تجعل الحدود الجغرافية أقل أهمية في الحسابات الأمنية.

من هنا بدأ يتبلور سؤال جديد في الخليج: هل تبقى واشنطن المظلة الرئيسية للأمن، أم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شبكة أوسع من الشراكات والقدرات والضمانات؟

المؤشرات الأخيرة لا توحي بأن دول الخليج تبحث عن بديل كامل للولايات المتحدة، بقدر ما تشير إلى رغبة متزايدة في تنويع مصادر الردع وتقليل الاعتماد الأحادي على قوة واحدة.

واشنطن باقية.. لكن المعادلة تتغير

لا تزال الولايات المتحدة الطرف العسكري الأكثر حضوراً في الخليج، ولا تبدو دول المنطقة في وارد التخلي عن الشراكة معها.

فالتكنولوجيا العسكرية الأميركية، وشبكات الدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات، والانتشار العسكري، كلها تجعل واشنطن جزءاً رئيسياً من أي ترتيبات أمنية إقليمية.

لكن الفارق أن هذه العلاقة لم تعد تعني بالضرورة الاعتماد عليها وحدها.

والصيغة الجديدة تبدو أقرب إلى إضافة طبقات أخرى إلى المنظومة الأمنية، بحيث تتوزع الأدوار بين قوى إقليمية ودولية مختلفة.

وهذا التحول لا يعني نهاية المظلة الأميركية، بل إعادة تعريف موقعها داخل منظومة أمن أكثر تعدداً.

اتفاق مكة.. من الشراكة إلى الدفاع المشترك

كان التطور الأوضح في هذا الاتجاه توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس/آب 2026.

وينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز أوجه التعاون الدفاعي والأمني بينها.

لكن أهمية الاتفاق لا تكمن في نصه وحده.

فالسعودية تمثل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً وجغرافياً في الخليج، وتركيا تمتلك قوة عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية متقدمة، بينما تضيف باكستان وزناً عسكرياً واستراتيجياً خاصاً بحكم قدراتها الدفاعية وموقعها.

وهذا الخليط يفتح الباب أمام صيغة جديدة من التعاون والردع الإقليمي، وإن كان من المبكر الحكم بأنه أصبح منظومة عسكرية متكاملة.

والأهم أن الاتفاق بدأ ينتقل من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى بناء آليات تنفيذية. ففي 31 أغسطس/آب، عقدت الدول الثلاث أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول، وبحثت تطوير التعاون الدفاعي والقدرات المشتركة والتنسيق بين المؤسسات المعنية. كما أعلنت الأطراف عن إنشاء أمانة للاتفاق في الرياض.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل يتحول الاتفاق إلى قدرة فعلية على الردع والعمل المشترك، أم يبقى إطاراً سياسياً لتعزيز التنسيق؟

تركيا وباكستان.. إضافة لا استبدال

من المهم قراءة اتفاق مكة بعيداً عن فكرة أن الخليج يبحث عن بديل جاهز للولايات المتحدة.

فالمواقف الرسمية التركية والباكستانية شددت على الطبيعة الدفاعية للاتفاق، فيما أكدت الأطراف أنه لا يستهدف دولة بعينها، ولا يلغي ترتيباتها وتحالفاتها الدفاعية القائمة.

وهذا يعني أن الاتجاه الأبرز قد لا يكون إنشاء محور جديد بقدر ما هو توسيع شبكة الخيارات الأمنية.

فكلما زادت قنوات التعاون الدفاعي، أصبحت الدول الخليجية أكثر قدرة على توزيع المخاطر، والحصول على مجالات مختلفة من الدعم العسكري والتقني والسياسي، من دون قطع صلاتها بالشركاء التقليديين.

أوروبا.. طبقة أخرى من الأمن

إلى جانب تركيا وباكستان، ترتبط دول الخليج بعلاقات دفاعية وأمنية عميقة مع عدد من الدول الأوروبية.

وتوفر هذه العلاقات مجالات للتعاون في الأمن البحري، والتدريب، والدفاع، وحماية الممرات الاستراتيجية، فضلاً عن الوجود العسكري لبعض الدول الأوروبية في المنطقة.

لكن الدور الأوروبي لا يوازي الدور الأميركي من حيث الحجم والانتشار والقدرات، ولذلك يصعب النظر إليه باعتباره بديلاً عن واشنطن.

الأدق هو أنه طبقة مكملة ضمن شبكة أمنية آخذة في الاتساع.

وهنا تظهر إحدى سمات التحول الخليجي: ليس المطلوب مظلة واحدة جديدة، وإنما توزيع الوظائف الأمنية على أكثر من شريك.

الصين.. نفوذ سياسي واقتصادي أكثر من كونه عسكرياً

الصين تدخل إلى المعادلة من زاوية مختلفة.

فبكين لا تمتلك الانتشار العسكري الأميركي في الخليج، لكنها تتمتع بعلاقات اقتصادية واسعة مع دول المنطقة، ونفوذ تجاري وتكنولوجي متزايد، وعلاقات مع مختلف القوى الإقليمية.

وهذه المكانة يمكن أن تمنح الصين دوراً في الوساطة وخفض التصعيد وإدارة الأزمات، أكثر من كونها قوة ردع عسكري مباشر.

وفي منطقة تتشابك فيها مصالح الطاقة والتجارة والأمن، يصبح الاستقرار الاقتصادي نفسه جزءاً من معادلة الأمن.

الهند.. عندما يصبح أمن الطاقة جزءاً من الأمن الخليجي

الهند بدورها تدخل إلى المشهد عبر الطاقة والتجارة والموانئ والمحيط الهندي.

فالعلاقات المتنامية بين الهند ودول الخليج لا تقتصر على التجارة، بل تشمل التكنولوجيا والاستثمار واللوجستيات، بما يجعل استقرار الخليج مصلحة استراتيجية لنيودلهي.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تصبح الهند جزءاً من مفهوم أوسع للأمن الإقليمي، لا يعتمد فقط على القوات والسلاح، بل أيضاً على استمرار التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

هرمز والموانئ والكابلات.. أين تبدأ الحدود الأمنية؟

الحروب الأخيرة وسعت تعريف الخطر بالنسبة إلى دول الخليج.

فاستهداف منشأة داخل الدولة يمثل تهديداً مباشراً، لكن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن تكون له آثار اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.

والأمر نفسه ينطبق على الموانئ ومنشآت الطاقة والكابلات البحرية وشبكات الإمداد.

ولهذا بات الأمن القومي الخليجي يبدأ خارج الحدود بقدر ما يبدأ داخلها.

الممر البحري، والميناء، وخط الطاقة، والكابل البحري، باتت جميعها أجزاء من منظومة الأمن، لا مجرد بنية اقتصادية.

من «حماية الدولة» إلى «حماية البيئة الأمنية»

هذا التحول يقود إلى مفهوم أوسع للأمن الخليجي.

فبدلاً من التركيز فقط على حماية المجال الجوي والحدود، تتجه الدول إلى بناء علاقات وقدرات يمكن أن تتعامل مع مصادر الخطر قبل وصولها إلى أراضيها.

قد يكون ذلك عبر تعاون استخباري مع دولة، أو شراكة دفاعية مع أخرى، أو علاقة اقتصادية مع قوة آسيوية، أو قناة سياسية تسمح بالوساطة واحتواء التصعيد.

وهكذا يتحول الأمن من علاقة رأسية بين دولة وحليف واحد إلى شبكة أفقية من الشراكات المتداخلة.

لكن تعدد المظلات لا يعني تلقائياً مزيداً من الأمن

مع ذلك، لا يعني تنويع الشركاء أن بناء منظومة أكثر تعدداً سيكون أمراً سهلاً.

فكلما زاد عدد الأطراف، زادت الحاجة إلى تنسيق الأولويات، وتبادل المعلومات، وتحديد قواعد العمل، وضمان اتخاذ قرار سريع في لحظات الخطر.

وهذا هو التحدي الذي يواجه اتفاق مكة وغيره من ترتيبات التعاون المقبلة.

فامتلاك قدرات عسكرية كبيرة شيء، والقدرة على دمجها في منظومة واحدة تعمل بكفاءة تحت الضغط شيء آخر.

ولهذا ستتوقف قيمة الاتفاق الثلاثي على مدى نجاحه في الانتقال من البيان السياسي إلى القدرة العملياتية.

الخليج يعيد توزيع المخاطر

المشهد الحالي لا يشير إلى أن دول الخليج تستعد لطي صفحة الشراكة الأميركية.

الأقرب هو أنها تعيد توزيع المخاطر.

فالولايات المتحدة تظل لاعباً رئيسياً في الردع الاستراتيجي، بينما تضيف تركيا وباكستان طبقة جديدة من التعاون الدفاعي، وتوفر أوروبا قدرات مكملة، ويمكن للصين والهند أن تلعبا أدواراً سياسية واقتصادية ولوجستية مختلفة.

وهكذا يصبح الهدف ليس استبدال شريك بآخر، وإنما تقليل هشاشة الاعتماد على مركز واحد.

وقد يكون هذا هو التغيير الأكثر أهمية في بنية الأمن الخليجي: الانتقال من منطق المظلة الواحدة إلى منطق الشبكة الأمنية متعددة الطبقات.

هل تتراجع المظلة الأميركية؟

ربما يكون السؤال الأدق ليس ما إذا كانت المظلة الأميركية قد انتهت، بل ما إذا كانت قد فقدت موقعها الحصري.

فالولايات المتحدة ما زالت حاضرة، ودول الخليج ما زالت تعتمد على قدراتها وعلاقاتها الدفاعية.

لكنها في الوقت نفسه تبني مساحات أوسع للحركة، وتنسج علاقات أمنية وسياسية واقتصادية مع قوى إقليمية ودولية متعددة.

وهذا يعني أن الخليج لا يستبدل واشنطن بأنقرة أو إسلام آباد أو بكين، ولا يغلق الباب أمام أوروبا أو الهند.

إنه يفعل شيئاً أكثر تعقيداً: يعيد بناء منظومة أمنه بحيث لا ترتبط قدرتها على الصمود بقرار طرف واحد فقط.

وإذا استمر هذا المسار، فقد يكون العقد المقبل شاهداً على إعادة تعريف عميقة للأمن الخليجي؛ منظومة تظل فيها الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً، لكن داخل شبكة أوسع من الشراكات والقدرات، حيث يصبح تنويع الردع جزءاً من الردع نفسه.

"
لأكثر من أربعة عقود، ارتبط أمن الخليج بصورة وثيقة بالحضور الأميركي. قواعد عسكرية، وقدرات استخباراتية متقدمة، ومنظومات دفاع جوي وبحري، وشبكات قيادة وسيطرة، جعلت واشنطن الركيزة الأبرز في معادلة الأمن الإقليمي. لكن المنطقة لم تعد كما كانت. فالحروب والتوترات المتلاحقة، من حرب غزة إلى المواجهة الأميركية الإيرانية، أظهرت لدول الخليج أن المخاطر يمكن أن تنتقل
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة