الرئيسية/التحليلات/ترامب يغيّر قواعد اللعبة: سمح بضرب «بارس» ثم تعهّد بوقفه.. ما القصة؟
التحليلات

ترامب يغيّر قواعد اللعبة: سمح بضرب «بارس» ثم تعهّد بوقفه.. ما القصة؟

في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموقف بدا للوهلة الأولى متناقضًا: السماح بضربة إسرائيلية استهدفت حقل «بارس الجنوبي» الإيراني، قبل أن يتعهد بعدم تكرارها، بحسب رويترز.

ترامب وسط أزمة حقل بارس: تصريح وتعهد
📸ترامب وسط أزمة حقل بارس: تصريح وتعهد
اليوم ميديا

في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموقف بدا للوهلة الأولى متناقضًا: السماح بضربة إسرائيلية استهدفت حقل «بارس الجنوبي» الإيراني، قبل أن يتعهد بعدم تكرارها، بحسب رويترز.

لكن خلف هذا التناقض الظاهري، تتكشف ملامح استراتيجية أكثر تعقيدًا، تعكس محاولة أمريكية لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها غير محسوبة.

لماذا «بارس الجنوبي» تحديدًا؟

لا يُعد حقل «بارس الجنوبي» مجرد منشأة طاقة عادية، بل هو أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، تتقاسمه إيران مع قطر، ويمثل أحد الأعمدة الرئيسية لإمدادات الغاز العالمية.

استهداف هذا الحقل لم يكن ضربة عسكرية تقليدية، بل رسالة استراتيجية من العيار الثقيل، مفادها أن البنية التحتية الحيوية لإيران باتت ضمن بنك الأهداف، وأن الصراع لم يعد محصورًا في الجبهات العسكرية، بل امتد إلى قلب الاقتصاد.

هذه الخطوة حملت أيضًا بعدًا نفسيًا، إذ نقلت المعركة إلى مستوى جديد من الردع، يهدف إلى الضغط على طهران من خلال تهديد أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية.

لماذا سمحت واشنطن بالضربة؟

رغم نفي الإدارة الأمريكية وجود تنسيق مسبق، فإن قراءة المشهد السياسي والعسكري توحي بأن واشنطن لم تكن بعيدة عن قرار الهجوم. فالسلوك الأمريكي في تلك اللحظة بدا وكأنه يتحرك ضمن حسابات دقيقة، هدفها إعادة ضبط ميزان الردع بعد سلسلة من الضربات التي طالت مصالح أمريكية وخليجية، وفي الوقت نفسه اختبار حدود الرد الإيراني ومدى استعداده للذهاب نحو تصعيد أوسع.

وبين هذين البعدين، حملت الضربة رسالة مزدوجة واضحة: دعم غير مباشر لإسرائيل من جهة، وتحذير صريح لطهران من جهة أخرى. وبذلك، يمكن فهم ما جرى على أنه سماح بضربة محسوبة بعناية، لا تستهدف إشعال حرب شاملة، بل تهدف إلى إعادة رسم الخطوط الحمراء وتحديد قواعد الاشتباك في مرحلة شديدة الحساسية.

لماذا تراجع ترامب سريعًا؟

بعد الضربة، جاء التحول اللافت في موقف دونالد ترامب، الذي تعهد بوقف أي هجمات جديدة على الحقل، ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا التراجع.

الإجابة تكمن في عاملين أساسيين:

1. الخوف من حرب طاقة شاملة

الرد الإيراني لم يتأخر، حيث استهدفت طهران منشآت غاز في قطر، وأطلقت صواريخ باتجاه السعودية، ما كشف أن استهداف «بارس» قد يفتح الباب أمام حرب تستهدف قطاع الطاقة بالكامل.

2.تهديد الملاحة في مضيق هرمز

أي تصعيد إضافي قد يدفع إيران إلى خطوات أكثر خطورة، مثل تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية.

هل نحن أمام تناقض أم استراتيجية؟

ما يبدو للوهلة الأولى تناقضًا في موقف دونالد ترامب يمكن فهمه بشكل أعمق إذا ما وُضع في سياق ما يُعرف باستراتيجية «التصعيد المحسوب». فهذه المقاربة لا تقوم على ردود فعل عشوائية، بل على تحريك مدروس لمستويات القوة، يبدأ بضربة قوية تهدف إلى إعادة فرض معادلة الردع وإيصال رسالة حاسمة للخصم، ثم يتبعها انتقال سريع نحو احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة يصعب السيطرة عليها.

وفي هذا الإطار، لا يبدو القرار الأمريكي تراجعًا بقدر ما يعكس إدارة دقيقة لمراحل الصراع، حيث يجري الانتقال من لحظة الهجوم إلى مرحلة التحكم في التداعيات السياسية والعسكرية والاقتصادية. والهدف في النهاية هو الحفاظ على الضغط الاستراتيجي وإبقاء زمام المبادرة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز حسابات الربح والخسارة.

تصاعد أعمدة الدخان والنيران عقب الهجوم الإسرائيلي على منشآت الغاز في حقل بارس الجنوبي بإيران، ضمن التصعيد الأخير في الشرق الأوسط – رويترز

انعكاسات القرار على الخليج والعالم

لم تعد التطورات الأخيرة محصورة في إطار المواجهة بين إيران وإسرائيل، بل سرعان ما امتدت لتطال دول الخليج التي وجدت نفسها في قلب التصعيد. فقد تعرضت منشآت الغاز في قطر لأضرار كبيرة نتيجة الهجمات، فيما تمكنت الدفاعات السعودية من اعتراض صواريخ كانت تستهدف أراضيها، في وقت شهدت فيه موانئ ومنشآت الطاقة في الإمارات حالة من الاضطراب والتعطيل الجزئي. هذا التوسع في رقعة الاستهداف يعكس انتقال الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب تضرب البنية التحتية الحيوية في المنطقة.

وعلى المستوى العالمي، لم تتأخر التداعيات في الظهور، إذ قفزت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، وسط تنامي المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تضرب اقتصادات كبرى، بينما بدأت سلاسل الإمداد العالمية تشهد اضطرابات متزايدة، ما ينذر بتأثيرات أوسع قد تتجاوز حدود المنطقة لتطال الاقتصاد الدولي بأسره.

ماذا بعد؟

السؤال الأهم في هذه المرحلة لم يعد يتركز على ما حدث بالفعل، بل على ما يمكن أن تحمله الساعات والأيام المقبلة من تطورات. فالمشهد يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، تبدأ من مدى التزام إسرائيل بوقف الهجمات، مرورًا بإمكانية استمرار إيران في الرد عبر استهداف منشآت الطاقة الحيوية، وصولًا إلى قدرة الولايات المتحدة على احتواء هذا التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.

ورغم كثافة التحركات الدبلوماسية والعسكرية، فإن المؤشرات الراهنة لا توحي بقرب التهدئة، بل على العكس، تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة جديدة وأكثر تعقيدًا من الصراع، تتجاوز الطابع التقليدي للمواجهات العسكرية، لتأخذ شكل «حرب طاقة» مفتوحة، قد تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم لتؤثر على الاقتصاد العالمي واستقرار أسواقه.

الخلاصة

ما جرى في «بارس الجنوبي» لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل لحظة مفصلية في صراع يتجاوز الحدود التقليدية.

بين ضوء أخضر أمريكي وتصريحات تهدئة لاحقة، يبدو أن واشنطن تحاول اللعب على حافة الهاوية: فرض الردع دون إشعال حرب شاملة.

لكن في منطقة شديدة التعقيد، قد يكون التحكم في مسار التصعيد أصعب بكثير مما يبدو.

"
“في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموقف بدا للوهلة الأولى متناقضًا: السماح بضربة إسرائيلية استهدفت حقل «بارس الجنوبي» الإيراني، قبل أن يتعهد بعدم تكرارها، بحسب رويترز. لكن خلف هذا التناقض الظاهري، تتكشف ملامح استراتيجية أكثر تعقيدًا، تعكس محاولة أمريكية لإعادة رسم قواعد الاشتباك في”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

دخلت الحرب اليمنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اتساع العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، في وقت انتقلت فيه المواجهة من جبهات الساحل الغربي وباب المندب إلى استهداف مواقع في صنعاء وصعدة. وأعلنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر بدء ما وصفته بـ«هجوم استراتيجي» باتجاه

لندن - موسى مهدي
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

لم يكن اجتماع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية، الأحد، لقاءً عابرًا في توقيت عادي. فقد جاء بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات: قتال متجدد في تيغراي، قطيعة دبلوماسية مع إريتريا، توتر متصاعد مع مصر، وخلافات مستمرة حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر. لكن السؤال الأهم

لندن - موسى مهدي
الاثنين، ٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

تتجه العلاقات بين الهند والولايات المتحدة إلى توسيع شراكتها الاستراتيجية، مدفوعة بتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وفي مقدمتها تنامي نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا التقارب لا يعني أن نيودلهي تستعد للانضمام إلى تحالف تقوده واشنطن؛ فالهند تسعى إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها الدولية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها وتجنب الارتهان لأي قوة

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة