الرئيسية/التحليلات/طهران تخسر الخليج بصواريخها؟
التحليلات

طهران تخسر الخليج بصواريخها؟

لم تعد أزمة إيران مع محيطها الخليجي مجرّد جولة تصعيد عسكري عابر، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لطبيعة دورها الإقليمي وحدود نفوذها السياسي.

صاروخ إيراني يضرب منشآت نفطية خليجية
📸صاروخ إيراني يضرب منشآت نفطية خليجية
اليوم ميديا

لم تعد أزمة إيران مع محيطها الخليجي مجرّد جولة تصعيد عسكري عابر، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لطبيعة دورها الإقليمي وحدود نفوذها السياسي. ففي لحظة تتعرض فيها طهران لضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل، تختار في الوقت نفسه توسيع دائرة الاشتباك باتجاه دول الخليج، ما يفتح الباب أمام سؤال مركزي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: هل تدافع إيران عن نفسها، أم تُسرّع خسارتها لبيئتها العربية؟

التصعيد وإعادة رسم العلاقات

المفارقة التي تحكم هذا المشهد أن التعاطف الشعبي العربي مع إيران، بوصفها طرفًا يتعرض لضغوط عسكرية خارجية، لا يترجم تلقائيًا إلى قبول بسلوكها الإقليمي. بل على العكس، يتآكل هذا التعاطف كلما اقتربت نيران المواجهة من المدن العربية، وتحولت من صراع جيوسياسي إلى تهديد مباشر لأمن المدنيين ومصالح الدول. وفي هذا التناقض الظاهري تتكشف معادلة أكثر تعقيدًا: يمكن التعاطف مع الضحية، ورفض ممارساتها في الوقت ذاته، حين تتجاوز حدود الدفاع إلى إلحاق الضرر بالآخرين.

الدخان يتصاعد بعد هجوم إيراني في الشارقة بالإمارات – رويترز

في هذا السياق، تبرز التحولات الميدانية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لصدقية الروايات. فحين تُستهدف مدن مثل الرياض، أبوظبي، دبي، الدوحة، البحرين، أو تسقط شظايا الصواريخ على أحياء سكنية، وتُسجَّل إصابات بين مدنيين من جنسيات مختلفة، يتراجع الخطاب القائل إن الضربات تقتصر على أهداف عسكرية. وتتحول الفجوة بين الرواية والواقع إلى أزمة ثقة سياسية وأخلاقية، لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية نفسها.

ولفهم جذور هذا التوتر، لا بد من العودة إلى لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، هي الثورة الإيرانية 1979، التي نقلت إيران من موقع الدولة القومية التقليدية إلى مشروع ذي طابع أيديولوجي عابر للحدود. فقد تبنّى روح الله الخميني رؤية تقوم على تصدير الثورة، ما أعاد تعريف العلاقة مع الجوار العربي، وأدخلها في إطار أوسع من التنافس والنفوذ.

ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه السياسات إلى مصدر قلق دائم لدول الخليج، التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الداخلي، ما دفعها إلى تعزيز شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وإعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية لمواجهة هذا النوع من التحديات غير التقليدية.

مضيق هرمز والاقتصاد العالمي

وتبلغ هذه التعقيدات ذروتها عند مضيق هرمز، الذي يشكّل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم للطاقة. فالملاحة عبر هذا الممر لا ترتبط فقط بأمن الإقليم، بل تمس مباشرة استقرار الأسواق العالمية، حيث تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز يوميًا، ما يجعل أي اضطراب فيه عامل ضغط مباشر على الاقتصاد الدولي.

أشخاص يتجمعون بينما يتصاعد الدخان في المنطقة الصناعية بالدوحة في قطر – ريورتز

وفي هذا الإطار، تجد دول كبرى مثل الصين والهند واليابان نفسها في موقع حساس، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج. وبالتالي، فإن أي تصعيد في هذا الممر لا يبقى محصورًا في الجغرافيا الإقليمية، بل يتحول إلى أزمة عالمية تتطلب تنسيقًا دوليًا واسعًا لضمان استقرار الإمدادات.

هذا الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي يعزز من أهمية المضيق كأداة ضغط استراتيجية، لكنه في الوقت ذاته يضاعف من مخاطر أي مواجهة مفتوحة، نظرًا لتشابك مصالح أطراف دولية متعددة فيه، ما يجعل تداعياته تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على التحكم بها.

الردع وخيارات المرحلة

في المقابل، لا تقف دول الخليج عند حدود رد الفعل، بل تعمل على إعادة تموضع استراتيجي يأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات المتغيرة. فإلى جانب تعزيز قدراتها الدفاعية، تسعى إلى تنويع تحالفاتها، وتوسيع أدواتها الدبلوماسية، بما يتيح لها التعامل مع التحديات من زوايا متعددة، وليس فقط من خلال المقاربة العسكرية.

ويعكس هذا التحول انتقالًا تدريجيًا من منطق الاحتواء إلى منطق المبادرة، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على امتصاص الضربات، بل على بناء منظومة ردع شاملة تشمل الأبعاد الاقتصادية والإعلامية والقانونية، إلى جانب البعد الأمني. هذا التنوع في الأدوات يمنح هذه الدول مساحة أوسع للمناورة، ويقلل من اعتمادها على خيار واحد في إدارة الأزمات.

في المقابل، تبدو حسابات طهران أكثر تعقيدًا، إذ تراهن على قدرة التصعيد المحدود على تحقيق مكاسب سياسية، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا الرهان يظل محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل تغير مواقف الأطراف الإقليمية والدولية، وتزايد حساسية البيئة المحيطة لأي اضطراب أمني.

صورة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر جهود السيطرة على حريق مع تصاعد الدخان في مصفاة رأس تنورة لتكرير النفط في السعودية بعد هجوم بطائرة مسيرة – رويترز

أما على المستوى الدولي، فإن أزمة مضيق هرمز تفرض نفسها كاختبار حقيقي لقدرة النظام العالمي على حماية الممرات الحيوية. فاستقرار الملاحة لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، ما يستدعي مقاربات جماعية أكثر تنسيقًا بين القوى الكبرى.

في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال المشهد في معادلة انتصار أو هزيمة مباشرة. فالصراع بين إيران وجوارها الخليجي يتخذ طابعًا تراكميًا، تتداخل فيه العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية. ومع كل تصعيد جديد، تتسع الفجوة في الثقة، ما يعيد تشكيل ملامح العلاقة بين الطرفين بشكل تدريجي.

ويبقى التحدي الأكبر في قدرة الأطراف على إدارة هذا التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الذي يمنع انهيار البيئة الإقليمية. فخسارة النفوذ لا تحدث دفعة واحدة، بل تتشكل عبر سلسلة من التحولات الصغيرة التي تعيد رسم خريطة التأثير في المنطقة بمرور الوقت.

دبي – محمد فال معاوية

"
“لم تعد أزمة إيران مع محيطها الخليجي مجرّد جولة تصعيد عسكري عابر، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لطبيعة دورها الإقليمي وحدود نفوذها السياسي. ففي لحظة تتعرض فيها طهران لضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل، تختار في الوقت نفسه توسيع دائرة الاشتباك باتجاه دول الخليج، ما يفتح الباب أمام سؤال مركزي يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: هل تدافع”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

دخلت الحرب اليمنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اتساع العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، في وقت انتقلت فيه المواجهة من جبهات الساحل الغربي وباب المندب إلى استهداف مواقع في صنعاء وصعدة. وأعلنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر بدء ما وصفته بـ«هجوم استراتيجي» باتجاه

لندن - موسى مهدي
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

لم يكن اجتماع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية، الأحد، لقاءً عابرًا في توقيت عادي. فقد جاء بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات: قتال متجدد في تيغراي، قطيعة دبلوماسية مع إريتريا، توتر متصاعد مع مصر، وخلافات مستمرة حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر. لكن السؤال الأهم

لندن - موسى مهدي
الاثنين، ٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

تتجه العلاقات بين الهند والولايات المتحدة إلى توسيع شراكتها الاستراتيجية، مدفوعة بتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وفي مقدمتها تنامي نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا التقارب لا يعني أن نيودلهي تستعد للانضمام إلى تحالف تقوده واشنطن؛ فالهند تسعى إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها الدولية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها وتجنب الارتهان لأي قوة

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة