
قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟
خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند باب المندب، كما سيطروا على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، ما عزز موقعهم على امتداد الساحل الغربي لليمن ومحيط أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن أهمية هذه التحولات لا تكمن في عدد الجزر أو المدن التي تغيرت السيطرة عليها فقط. المسألة الأعمق هي أن الجغرافيا نفسها أصبحت جزءًا من ميزان القوة.
فباب المندب ليس مجرد مضيق بين اليمن والقرن الأفريقي. إنه حلقة تصل البحر الأحمر بخليج عدن، ومنها إلى المحيط الهندي، فيما يرتبط شمالًا بقناة السويس. وأي اضطراب طويل في هذه السلسلة لا يبقى مشكلة يمنية؛ بل يمتد إلى التجارة والطاقة والتأمين والنقل بين آسيا وأوروبا. وتشير «تشاتام هاوس» إلى أن التقدم الحوثي على الساحل الغربي عزز قدرة الجماعة على التأثير في الملاحة عبر باب المندب، وغيّر في الوقت نفسه حسابات دول القرن الأفريقي والقوى الدولية المعنية بالمنطقة.
وهذا تحديدًا ما يجعل ما يحدث الآن مختلفًا. فقد أصبح الحوثيون قادرين على التأثير في حسابات دول لا علاقة مباشرة لها بالحرب اليمنية. وهنا يتغير السؤال. لم يعد السؤال فقط: كيف يمكن ردع الحوثيين؟ بل: كيف سيُدار البحر الأحمر إذا بقيت نتائج الحرب على الأرض بعد توقف القتال؟
هناك إشارة مهمة جاءت من أوروبا في 18 سبتمبر. فوزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو دعا إلى تعزيز مهمة «أسبيدس» الأوروبية بسفن إضافية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، فيما أشارت روما إلى استعدادها لإرسال فرقاطة ثانية، في وقت رافقت فيه فرقاطة إيطالية سفينة تجارية خلال عبورها باب المندب. وتشارك إيطاليا أصلًا في مهمة «أسبيدس» التابعة للاتحاد الأوروبي.
هذه الخطوة لا تعني بالضرورة أن أوروبا قررت إقامة وجود عسكري دائم في البحر الأحمر. لكنها تكشف شيئًا أهم: أمن البحر الأحمر بدأ يتحول من مهمة طارئة إلى قضية استراتيجية أوروبية بحد ذاتها.
والسبب واضح. إذا أصبح باب المندب أكثر اضطرابًا، فإن الأزمة لا تضرب اليمن والسعودية فقط، بل تضرب الطريق البحري الذي تعتمد عليه التجارة الأوروبية مع آسيا. وتؤكد دراسة حديثة للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية «SWP» أن أمن باب المندب يظل مرتبطًا مباشرة بأمن قناة السويس وبالمصالح التجارية الأوروبية والأفريقية، فيما تتزايد الأهمية الاستراتيجية للدول الأفريقية المطلة على البحر الأحمر. وهنا قد يبدأ التحول الحقيقي.
المشكلة أن أي نظام أمني جديد لن يُبنى فوق فراغ. وعلى الضفة الأفريقية من البحر الأحمر وخليج عدن توجد دول مثل جيبوتي وإريتريا والسودان والصومال، فيما ترتبط المنطقة بشبكة واسعة من المصالح والقواعد والتحالفات الدولية.
جيبوتي تحديدًا تقع على مقربة شديدة من باب المندب، وتستضيف وجودًا عسكريًا لعدد من القوى الدولية، بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا وإيطاليا واليابان. كما أن تركيا والإمارات تمتلكان مصالح أمنية وتجارية مهمة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ولهذا فإن أي تغير في أمن باب المندب سيعيد ترتيب حسابات هذه الدول أيضًا. وهنا تبرز فكرة قد تكون أهم من السؤال عن السيطرة على المضيق نفسه:
من سيضع قواعد اللعبة؟ هل تضعها القوى الدولية التي تملك السفن والقواعد؟ أم الدول المطلة على البحر الأحمر؟ أم يتحول الأمن البحري إلى تفاهمات متعددة، لكل دولة فيها ترتيباتها الخاصة؟
ويرى المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية «SWP» أن الصراعات المتداخلة على البحر الأحمر تدفع المنطقة نحو نظام أمني متغير، وتزيد القيمة الاستراتيجية للدول الأفريقية المطلة عليه، فيما تفرض على أوروبا إعادة التفكير في طبيعة دورها الإقليمي.
وهنا تكمن المفارقة. كلما ازداد عدد القوى التي تريد حماية البحر الأحمر، ازداد خطر تحوله إلى ساحة تنافس بينها.
لذلك قد لا يكون الحل في زيادة عدد السفن الحربية فقط. فالسفن تستطيع مرافقة السفن التجارية، ومراقبة الممرات، واعتراض بعض التهديدات الجوية أو البحرية.
لكنها لا تستطيع وحدها حل السؤال السياسي الذي سيبقى بعد انتهاء العمليات العسكرية: من يضمن ألا يعود البحر الأحمر إلى نقطة الصفر بعد أشهر أو سنوات؟ هنا تحتاج المنطقة إلى التفكير في نظام أوسع للأمن البحري.
نظام يركز على أربعة ملفات واضحة: حرية الملاحة، حماية الموانئ، أمن البنية التحتية، ومنع استهداف السفن المدنية.
والأهم أن يكون للدول المطلة على البحر الأحمر دور أساسي فيه، مع دعم دولي، بدل أن يصبح البحر مجرد مساحة تنتشر فيها القوى الخارجية كلما اندلعت أزمة جديدة. هذا لا يعني إنشاء تحالف عسكري عربي جديد، ولا يعني إقصاء القوى الدولية.
بل يعني شيئًا أبسط: أن تكون قواعد الأمن البحري نتيجة تفاهم إقليمي، لا مجرد رد فعل على كل جولة حرب.
هنا تصبح للدول العربية المطلة على البحر الأحمر مصلحة مباشرة في صياغة المرحلة المقبلة.
مصر تطل على البحر الأحمر وتدير قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالمتوسط، والسعودية تملك ساحلًا طويلًا وموانئ رئيسية عليه، بينما يملك اليمن الموقع الأكثر حساسية عند باب المندب.
لكن التعامل مع اليمن باعتباره مجرد ساحة حرب لن يكون كافيًا. فالموقع الذي أصبح جزءًا من الصراع هو نفسه الذي يجعل اليمن عنصرًا في أمن التجارة العالمية.
ولهذا فإن أي تسوية يمنية مستقبلية ستحتاج، إلى جانب أسئلة السلطة والحدود والموارد، إلى سؤال آخر:
كيف يُحمى باب المندب؟
وهذا السؤال لا يمكن أن تجيب عنه صنعاء أو الرياض أو طهران وحدها.
لأن السفينة التي تمر من باب المندب قد تكون مرتبطة بشركة آسيوية، ومؤمَّنة في أوروبا، وتحمل شحنة إلى مصر أو السعودية، وتعبر قناة السويس في طريقها إلى موانئ أوروبية. أي أن أمن باب المندب أصبح أمنًا عابرًا للحدود بطبيعته.
هذه هي النقطة التي تستحق الانتباه. الحرب الحالية أظهرت أن اضطراب مضيق واحد يمكن أن يعيد رسم طرق الطاقة والتجارة.
ومع الضغوط المتزامنة حول هرمز وباب المندب، أصبح البحر الأحمر جزءًا من معادلة أمنية أوسع من اليمن نفسه. وتشير «تشاتام هاوس» إلى أن التقدم الحوثي قرب باب المندب، بالتزامن مع اضطرابات مضيق هرمز، عزز أهمية الممرين في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولية.
لذلك فإن السؤال بعد الحرب لن يكون فقط: هل يستطيع الحوثيون الاحتفاظ بالمواقع التي سيطروا عليها؟
بل: هل تستطيع المنطقة تحويل هذه الجغرافيا الجديدة إلى نظام أمني مستقر، بدل أن تتحول إلى سبب دائم لحرب جديدة؟
إذا نجحت الدول المطلة والقوى الدولية في بناء قواعد واضحة للملاحة والأمن، فقد يصبح البحر الأحمر مساحة تعاون رغم الخلافات السياسية.
أما إذا تركت كل قوة لنفسها مهمة حماية مصالحها، فقد يتحول البحر إلى ساحة تنافس دائم: سفن حربية أكثر، قواعد أكثر، ترتيبات أمنية منفصلة، وأزمات تتجدد كلما تغير ميزان القوى.
وهنا تصبح العبارة الأهم:
الحرب على الصواريخ قد تتوقف، لكن المعركة على قواعد البحر قد تبدأ بعدها.
ومن يشارك في وضع هذه القواعد مبكرًا، لن يملك بالضرورة «السيطرة» على البحر الأحمر، لكنه سيمتلك قدرة أكبر على التأثير في شكل أمنه خلال السنوات المقبلة.
وهذه، ربما، هي المعركة التي لم تبدأ بعد.

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن [...]

لم يكن لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش قمة بريكس في نيودلهي، مجرد صورة دبلوماسية عابرة، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي وحده للقول إن الإمارات وإيران دخلتا مرحلة مصالحة كاملة. اللقاء، الذي عُقد السبت 12 سبتمبر، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، [...]

زعمت صحيفة «إسرائيل هيوم» أن السعودية طلبت بصورة غير مباشرة دعمًا إسرائيليًا لمواجهة التهديد الحوثي المتصاعد عند باب المندب، مشيرة إلى أن التواصل جرى عبر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، وأن الطلب تضمن مساعدة استخباراتية لمواجهة الخطر المتزايد على الملاحة. ولم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي سعودي أو إسرائيلي لهذه الرواية، ما يجعلها في إطار المعلومات [...]

لم يعد التقدم العسكري للحوثيين في اليمن مجرد تطور جديد في مسار الحرب اليمنية، بل بدأ يتحول إلى اختبار مباشر لقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على حماية أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب إدارة حربها مع إيران من دون فتح جبهة عسكرية جديدة. ووصول الحوثيين إلى جزيرة [...]

لم تعد أزمة طرق الطاقة في الخليج مرتبطة بمضيق هرمز وحده. فبينما لا تزال حركة النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم تواجه اضطرابات متواصلة، وجدت السعودية نفسها أمام تهديد جديد طال أحد أهم البدائل البرية للمضيق، بالتزامن مع تقدم جماعة الحوثيين نحو باب المندب وسيطرتها على جزيرة ميون الاستراتيجية. وفي غضون أيام، اجتمعت [...]

لم تعد المسألة بالنسبة إلى السعودية مجرد تقدم عسكري للحوثيين في اليمن، ولا مجرد انتكاسة للقوات المدعومة منها على الساحل الغربي. ما يحدث عند باب المندب يفتح سؤالاً أكبر بكثير: ماذا يحدث عندما تصل الحرب إلى الجغرافيا التي تعتمد عليها المملكة لحماية تجارتها وتدفقات الطاقة ودعم مشروعها الاقتصادي الجديد؟ فالتطورات الأخيرة لم تعد محصورة في [...]