
لم يكن الباحثون يتوقعون أن تقودهم دراسة للعناكب البحرية في مياه كندا إلى كائن بعيون حمراء وأرجل تغطيها أشواك طويلة تشبه الشعر، وفم مثلثي بثلاث شفاه. أما النوع الثاني فكان أكثر غرابة، إذ عثر الباحثون فوق جسمه على طفيليات مجهرية تعيش بدورها في عالم بحري بالغ الصغر.
اكتشف فريق بقيادة جامعة كولومبيا البريطانية نوعين جديدين من العناكب البحرية في بحر سالش قبالة الساحل الغربي لكندا، وهما أول نوعين جديدين توصف خصائصهما علميًا في المنطقة منذ نحو قرن. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Organisms Diversity & Evolution، بعد الجمع بين التصوير التفصيلي والتحليل الجيني.
لكن القصة لا تتعلق فقط بإضافة نوعين جديدين إلى سجل الحياة البحرية؛ فـ«العناكب البحرية» ليست عناكب حقيقية، وإنما مفصليات أرجل بحرية تطورت منذ نحو 500 مليون سنة. وتشبه في بعض خصائصها العناكب والعقارب، لكنها تنتمي إلى مجموعة مختلفة، ويمكن لبعض أنواعها امتلاك ما يصل إلى 12 ساقًا.
أطلق الباحثون على النوع الأول اسم Callipallene pilosuspedes، في إشارة إلى الأشواك الطويلة والمنحنية التي تغطي الجزء السفلي من أرجله. وللكائن عيون حمراء وخرطوم قصير مزود بمخالب تساعده على الإمساك بالغذاء، إضافة إلى فم مثلثي بثلاث شفاه تحيط به زوائد حسية دقيقة.
والأغرب أن هذا الكائن يمتلك زوائد متخصصة يستخدمها لتنظيف أرجله. وتحت المجهر، لاحظ الباحثون أنه يلف تلك الزوائد حول أطرافه ويستخدم الأشواك المرتبطة بها بطريقة تشبه الأمشاط لإزالة الأوساخ. وحتى الآن، لم يعثر الفريق سوى على عينة واحدة من هذا النوع.
أما النوع الثاني، Tanystylum kiixin، فقد حصل على اسمه نسبة إلى موقع قرية قديمة للسكان الأصليين قرب المكان الذي جُمعت فيه العينات الأولى.
وتتميز أطرافه الحاملة للبيض بأنها أصغر وأقل مرونة، ما يجعله أقل قدرة على تنظيف جسمه. وعندما فحص الباحثون العينات، وجدوا على جسمه أوساخًا وحطامًا، إضافة إلى طفيليات مجهرية.
ووصف الباحث الرئيسي كورماك تولر-سكوت المشهد بأنه «نظام بيئي داخل نظام بيئي داخل نظام بيئي»، في إشارة إلى وجود كائنات تعيش فوق جسم كائن بحري صغير، بينما يعيش الجميع داخل النظام البيئي الأكبر لبحر سالش.
وجُمعت العينات بين سبتمبر 2023 وأغسطس 2024 خلال عمليات غوص في موائل بحرية مختلفة، شملت مناطق قرب جزيرة كوادرا وفانكوفر وبامفيلد وفيكتوريا، ووصلت بعض عمليات الغوص إلى عمق 18 مترًا. أي أن الاكتشاف لم يأتِ من أعماق مجهولة في المحيط، بل من بيئات ساحلية قريبة نسبيًا من مناطق مأهولة.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها لا تضيف نوعين جديدين إلى سجل الحياة البحرية فحسب؛ إذ أنتج الباحثون أيضًا بيانات جينية لعدة أنواع لم تكن قد خضعت للتسلسل الجيني من قبل، ووضعوا دليلًا يساعد على التعرف إلى العناكب البحرية الموجودة في المنطقة.
ويقول الباحثون إن معرفة الأنواع الموجودة في البيئة البحرية تمثل خطوة أساسية لفهم تأثير تغير المناخ والاضطرابات البشرية في النظم البيئية الساحلية، خصوصًا أن كثيرًا من مفصليات الأرجل البحرية لا تزال غير مدروسة بالشكل الكافي.
واللافت أن الباحث الرئيسي يقول إن موسمًا ميدانيًا واحدًا فقط كان كافيًا لإظهار وجود تنوع أكبر لم يُوثق بعد في المنطقة، ما يعني أن النوعين الجديدين قد لا يكونان آخر المفاجآت التي تخبئها هذه المياه.
ما وراء الخبر
قد تبدو القصة للوهلة الأولى مجرد اكتشاف لكائن بحري غريب، لكن دلالتها أوسع من ذلك.فالعلماء لم يذهبوا إلى منطقة مجهولة في أعماق المحيط بحثًا عن مخلوقات نادرة؛ بل وجدوا نوعين جديدين في بيئة ساحلية معروفة وتخضع للدراسة.
وهنا تكمن المفارقة: لا يزال جزء من التنوع الحيوي مجهولًا حتى في المناطق القريبة من المدن والمجتمعات الساحلية.
بالنسبة للباحثين، فإن معرفة ما يعيش في هذه البيئات ليست مجرد إضافة أسماء جديدة إلى الكتب العلمية، بل خطوة ضرورية لفهم كيفية تغير النظم البيئية البحرية مع تغير المناخ وتزايد الضغوط البشرية.
المفاجأة ليست أن البحر ما زال يخفي كائنات غريبة، بل أن بعضها يعيش قريبًا منا، فيما لا نملك حتى الآن سجلًا كاملًا لما يوجد فيه.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *