
في لحظة دولية تتسم باضطراب التوازنات الاقتصادية وتزايد الشكوك حول مستقبل النظام المالي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، أعاد الرئيس الصيني شي جين بينغ طرح سؤال قديم-متجدد بصيغة أكثر جرأة: لماذا لا يتحول اليوان إلى عملة احتياط عالمية؟ لم يعد الطرح مجرد طموح نظري داخل دوائر الحزب الشيوعي، بل بات جزءًا من رؤية استراتيجية متكاملة تسعى بكين من خلالها إلى إعادة تشكيل بنية القوة المالية عالميًا، مستفيدة من لحظة تراها تاريخية تتراجع فيها الثقة المطلقة بالدولار دون أن ينهار.
الدعوة جاءت عبر مجلة تشيوشي، المنصة الفكرية الأهم التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، حيث شدّد شي على ضرورة بناء «عملة قوية قادرة على اكتساب استخدام واسع النطاق في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق الصرف، والحصول على وضع عملة احتياط». لم يكن التعبير إنشائيًا أو دعائيًا، بل حمل ملامح خطة ثلاثية الأبعاد تقوم على إعادة هندسة الداخل المالي الصيني أولًا، قبل خوض معركة النفوذ النقدي خارجيًا.
تقوم هذه الرؤية على ثلاثة أعمدة رئيسية: بنك مركزي يمتلك قدرة عالية على إدارة المعروض النقدي والتحكم في دورات السيولة، ومؤسسات مالية قادرة على المنافسة عالميًا وليس محليًا فحسب، ثم مراكز مالية دولية جاذبة لرأس المال ومؤثرة في آليات التسعير العالمي. بهذه العناصر، تحاول بكين بناء ما يمكن وصفه بـ«البنية التحتية للهيمنة النقدية»، أي الشروط التي سبقت صعود الدولار نفسه خلال القرن العشرين.
صحيفة فاينانشال تايمز رأت أن القيادة الصينية سعت منذ سنوات إلى تدويل اليوان، لكن تصريحات شي الأخيرة تُعد الأكثر وضوحًا في تعريف معنى «العملة القوية» والمرتكزات المؤسسية التي يجب أن تحملها. فالصين لم تعد تكتفي بتوسيع استخدام عملتها في التسويات التجارية الثنائية، بل تتحرك لبناء نظام مالي موازٍ يخفف اعتماد العالم على الدولار، دون إعلان قطيعة كاملة مع النظام القائم.
وجاء هذا الطرح في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الأسواق العالمية مستويات مرتفعة من عدم اليقين، مدفوعة بتقلبات العملة الأمريكية، واحتمالات التغيير في قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتصاعد الصراعات الجيوسياسية والتجارية التي تدفع العديد من البنوك المركزية إلى إعادة تقييم درجة تعرضها للأصول المقومة بالدولار. هذه اللحظة تحديدًا تمنح الصين ما تعتبره «نافذة انتقالية» يمكن من خلالها اختبار حدود النظام المالي الحالي.
الخبير الاقتصادي كيفن لام من مؤسسة بانثيون ماكروإيكونوميكس لخّص هذا المزاج بقوله إن الصين تشعر بأن تغيير النظام العالمي «أصبح حقيقة ملموسة أكثر من أي وقت مضى»، مشيرًا إلى أن تركيز شي المتزايد على اليوان يعكس تصدعات آخذة في الاتساع داخل البنية المالية الدولية، لا سيما مع استخدام العقوبات المالية كسلاح جيوسياسي، وهو ما دفع قوى كبرى إلى البحث عن بدائل تقلل من قابلية تعرضها للضغط.
ومع ذلك، تكشف الأرقام أن الطريق أمام بكين لا يزال طويلًا ومعقدًا. فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، لم تتجاوز حصة اليوان في الاحتياطيات العالمية خلال الربع الثالث من العام الماضي 1.93%، ليحتل المرتبة السادسة بين العملات الدولية. في المقابل، ما يزال الدولار يحتفظ بنحو 57% من الاحتياطيات العالمية، رغم تراجعه من مستوى 71% المسجل عام 2000، بينما يحل اليورو ثانيًا بحصة تقارب 20%. هذه الفجوة الهائلة تعني أن التحدي الصيني ليس نقديًا فحسب، بل مؤسسي وثقافي أيضًا، لأن الثقة بالعملات تُبنى عبر عقود من الاستقرار والشفافية وسيادة القانون المالي.
المعضلة التي تواجه الصين لا تتعلق بقوة اقتصادها — وهو ثاني أكبر اقتصاد في العالم — بل بطبيعة نظامها المالي ذاته. فالعالم لا يستخدم عملة ما لأنها مدعومة بالنمو فقط، بل لأنه يثق بحرية تحويلها، وعمق أسواقها، واستقلالية مؤسساتها النقدية. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة: الصين تسعى إلى تدويل عملتها، لكنها لا تزال حذرة من فتح نظامها المالي بالكامل خشية فقدان السيطرة الداخلية، وهي السيطرة التي تُعد جزءًا أساسيًا من نموذجها السياسي والاقتصادي.
لهذا، تبدو استراتيجية بكين أقرب إلى «تدويل مُدار» لا إلى تحرير كامل، أي توسيع استخدام اليوان تدريجيًا عبر التجارة والطاقة ومبادرات البنية التحتية العابرة للحدود، مع الحفاظ على جدار رقابي يمنع الصدمات المفاجئة. إنها محاولة لإعادة صياغة العولمة المالية بطريقة تسمح للصين بالمشاركة في قيادتها دون أن تتخلى عن خصوصية نموذجها.
في المحصلة، لا تسعى بكين إلى إسقاط الدولار بقدر ما تعمل على تقليص احتكاره، ولا إلى استبدال نظام بآخر دفعة واحدة، بل إلى خلق تعددية نقدية تعكس تعددية القوة في القرن الحادي والعشرين. وإذا كان صعود الدولار قد ارتبط بصعود الولايات المتحدة كقوة صناعية وعسكرية ومؤسساتية، فإن اختبار اليوان اليوم يرتبط بقدرة الصين على تحويل وزنها الاقتصادي إلى ثقة مالية عالمية — وهي معادلة أصعب بكثير من تحقيق الفوائض التجارية أو معدلات النمو المرتفعة.
هكذا، لا يبدو العالم متجهًا نحو نهاية هيمنة الدولار بقدر ما يقترب من مرحلة «التوازن النقدي القلق»، حيث تتعدد مراكز الثقل دون أن يختفي المركز القديم. وفي هذه المساحة الرمادية تحديدًا، تدور المعركة الحقيقية التي يخوضها اليوان: معركة بناء الثقة قبل بناء النفوذ.

سيارات فارهة، فلل فخمة، حياة مترفة، وحكايات كفاح شخصية مرتبطة بنمط حياة “ملتزم دينيًا”؛ هذه هي الواجهات التي يستخدمها المحتالون في سوق الفوركس والعملات الرقمية لاستدراج عملاء عرب، ومن بينهم السوريون. هؤلاء الشباب غالبًا ما يفتقرون للمعرفة بالأسواق المالية، ويطمحون إلى تحقيق ثروة سريعة، ليقعوا في فخود الوسطاء الوهميين ويخسروا أموالهم. لا تقتصر هذه الأدوات [...]

بعد عشرين عاماً من العمل في عالم السينما والتلفزيون كخبيرة تجميل، تجد نويل جاكوبوني نفسها أمام مأزق لم تكن تتوقعه: تكلفة المعيشة الباهظة في نيويورك جعلت الاستمرار شبه مستحيل. لكنها ليست الوحيدة، فالفنانون والمبدعون من جميع المجالات يواجهون اليوم ضغطاً اقتصادياً غير مسبوق في إحدى أبرز عواصم الثقافة في العالم. يشير تقرير أصدره "المركز من [...]

في كل عام، تكشف منظمة الشفافية الدولية عن واقع جديد حول مستوى الفساد في العالم، و2025 لم يكن استثناءً. نشر الثلاثاء، مؤشر مدركات الفساد (CPI) للعام الحالي أظهر صورة مثيرة للقلق: تراجع ملحوظ في عدد الدول التي حققت درجات عالية على سلم النزاهة، حيث تقلص عددها من 12 دولة قبل عقد من الزمن إلى خمس [...]

في صباحٍ هادئ على رصيف ميناء حلق الوادي، لم تكن السفن القادمة كغيرها. فمع وصول أول شحنة من حافلات “غولدن دراغون” الصينية، بدأت تتشكّل ملامح تحوّل استراتيجي في قطاع النقل العمومي التونسي، تحوّل لا يقتصر على أرقام الصفقة فقط، بل يمتد إلى إعادة رسم خريطة الشراكات الاقتصادية لتونس في شمال إفريقيا. فما قصة هذه الصفقة؟ [...]

في قلب واشنطن، يطمح الرئيس دونالد ترامب لجعل الولايات المتحدة رائدة عالمية في مجال العملات الرقمية والبنية التحتية المالية الرقمية. لكن وراء هذا الطموح الكبير تكمن مخاطر غير متوقعة، تمتد من الجرائم المالية المنظمة إلى نقص المواهب المؤهلة لمواجهة تحديات عالم الكريبتو المتسارع. لم يكن الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في عام 2025 مجرد إشارة [...]

في عالم يترقب باستمرار قوة الدولار الأمريكي واستقرار الاقتصاد العالمي، أثار تقرير نشرته مجلة نيويوركر الأميركية موجة من القلق بين الاقتصاديين والمستثمرين على حد سواء، محذرًا من أن السياسات الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب قد تؤدي إلى هزيمة الدولار أو تراجع قيمته بشكل كبير. تفاقم الدين الأمريكي إلى مستويات قياسية، تجاوزت 38 تريليون دولار، فيما سجل [...]