الرئيسية/اقتصاد/الصناديق الخليجية تتوسع في التكنولوجيا الغربية.. أين ينتهي السباق؟
اقتصاد

الصناديق الخليجية تتوسع في التكنولوجيا الغربية.. أين ينتهي السباق؟

مشروع للذكاء الاصطناعي في فرنسا ضمن استثمارات MGX الإماراتية.
📸مشروع للذكاء الاصطناعي في فرنسا ضمن استثمارات MGX الإماراتية.
اليوم ميديا

يتسارع حضور صناديق الثروة السيادية الخليجية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى الحوسبة المتقدمة، في وقت تحاول فيه أوروبا توسيع قاعدة التمويل المتاح لشركاتها التقنية ومنافسة الولايات المتحدة في تحويل الابتكار إلى شركات عالمية.

ولا يتعلق هذا التحول بشراء حصص في شركات التكنولوجيا فقط، بل يمتد increasingly إلى تمويل البنية التحتية التي تحتاجها هذه الصناعة للنمو، ما يفتح سؤالًا اقتصاديًا أوسع: كيف سيتغير ميزان رأس المال والتكنولوجيا عندما يصبح المستثمر السيادي شريكًا في الشركات والمنصات ومراكز البيانات التي تشكل الاقتصاد الرقمي؟

فجوة التمويل الأوروبية

تواجه أوروبا منذ سنوات فجوة في تمويل شركات التكنولوجيا، خصوصًا عندما تنتقل من مرحلة الشركة الناشئة إلى مراحل التوسع التي تتطلب جولات استثمارية ضخمة.

ويقدر البنك المركزي الأوروبي أن إجمالي حجم صناديق رأس المال المغامر الموجودة في الولايات المتحدة يبلغ نحو 930 مليار يورو، مقابل نحو 150 مليار يورو في الاتحاد الأوروبي، أي أن السوق الأمريكية أكبر بنحو ست مرات. ويشير البنك إلى أن الفجوة تتسع في مراحل النمو المتقدمة، حيث تحتاج الشركات إلى مبالغ أكبر للانتقال إلى نطاق عالمي.

وفي الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أظهرت دراسة للمفوضية الأوروبية أن الولايات المتحدة خصصت بين 2020 و2025 نحو 34% من إجمالي تمويل رأس المال المغامر، البالغ 1.33 تريليون يورو، للذكاء الاصطناعي، مقابل 18% من أصل 252 مليار يورو في أوروبا.

وتكشف الدراسة أيضًا عن تراجع مشاركة المستثمرين الأوروبيين في صفقات الذكاء الاصطناعي الكبيرة؛ إذ لا تتجاوز مشاركتهم 26% في الصفقات التي تزيد قيمتها على 25 مليون يورو، بينما يأتي الجزء الأكبر من رأس المال المتأخر من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وترى المفوضية أن هذا الوضع يثير تساؤلات حول قدرة أوروبا على الاحتفاظ بالقيمة الاقتصادية والسيطرة على أصول الذكاء الاصطناعي الأكثر أهمية.

رأس المال الخليجي يدخل مرحلة جديدة

في المقابل، تمتلك صناديق الخليج قدرة كبيرة على الاستثمار طويل الأجل، وتوسعت خلال السنوات الأخيرة في قطاعات ترتبط بالتحول الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة.

وتشير رويترز، استنادًا إلى تقرير صادر عن Global SWF، إلى أن المستثمرين المملوكين للدول ضخوا نحو 132 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال 2025، وكانت البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات من أبرز محركات هذه الاستثمارات. وكانت صناديق خليجية كبرى، بينها صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومبادلة، من بين المستثمرين الحكوميين النشطين في السوق الأمريكية.

وهذا التفصيل مهم: النمو في الاستثمارات الخليجية التكنولوجية لا يتركز في أوروبا وحدها، فالولايات المتحدة تظل سوقًا رئيسية لهذه التدفقات، فيما تمثل أوروبا جبهة مهمة أخرى في السباق.

الإمارات تراهن على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

في أوروبا، تظهر الاستراتيجية الإماراتية بصورة واضحة من خلال MGX. وفي يونيو 2026، أعلنت MGX، بالشراكة مع بنك الاستثمار الفرنسي Bpifrance وشركة Mistral AI وNVIDIA، توسيع مشروع Campus AI في فرنسا بهدف تطوير شبكة من مصانع الذكاء الاصطناعي تصل قدرتها الحاسوبية إلى 3 غيغاواط.

ويضم المشروع بنية تحتية للحوسبة ودعمًا للبحث والتطوير والشركات الناشئة وسلسلة القيمة الصناعية الفرنسية، ما يجعل الاستثمار مرتبطًا بالطبقة الأساسية التي تحتاجها صناعة الذكاء الاصطناعي، وليس فقط بامتلاك حصص في شركات برمجيات.

وهنا تظهر نقطة أساسية في طبيعة الاستثمار الجديد: من يملك البنية التحتية للحوسبة يملك جزءًا من القدرة على توسيع التكنولوجيا نفسها.

السعودية توسع دور صندوق الاستثمارات العامة

في السعودية، تجاوزت أصول صندوق الاستثمارات العامة 900 مليار دولار بنهاية 2025، وفق التقرير السنوي للصندوق.

وقال الصندوق في تقريره إنه يواصل الاستثمار طويل الأجل في قطاعات استراتيجية، وإنه يعمل على توسيع الشراكات الدولية والاستثمار في الاتجاهات العالمية ذات المدى الطويل، إلى جانب تسريع تحوله إلى مؤسسة استثمارية رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن حجم أصول الصندوق لا يعني أن هذه الأموال مخصصة للتكنولوجيا وحدها؛ فـPIF يدير محفظة متنوعة تشمل قطاعات متعددة. وتكمن أهمية التكنولوجيا في أنها أصبحت واحدة من الاتجاهات الاستثمارية الاستراتيجية ضمن محفظة أوسع.

قطر تدخل أعمق في سلسلة الذكاء الاصطناعي

جهاز قطر للاستثمار يوسع بدوره حضوره في الذكاء الاصطناعي. وفي مايو 2026، أعلن الجهاز زيادة استثماره في شركة Anthropic عبر المشاركة في جولة تمويل بقيمة 65 مليار دولار، في ثالث مشاركة له في تمويل الشركة. وقال الجهاز إن استراتيجيته تشمل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والحوسبة المتقدمة والبنية التحتية الرقمية.

كما أعلنت قطر في ديسمبر 2025 شراكة بقيمة 20 مليار دولار بين «Qai»، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، و«Brookfield» للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في قطر وأسواق دولية مختارة.

ويعزز ذلك اتجاهًا واضحًا: الاستثمار الخليجي لا يقتصر على تمويل الشركات التقنية، وإنما يتحرك أيضًا نحو الحوسبة ومراكز البيانات والبنية التحتية التي ستدعم الطلب على الذكاء الاصطناعي.

أوروبا بين جذب الاستثمار وحماية التكنولوجيا

المعادلة الأوروبية أكثر تعقيدًا. فالمدن والشركات الأوروبية تحتاج إلى رأس المال الخارجي لتسريع النمو، لكن الحكومات تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي الاستثمار الأجنبي إلى فقدان السيطرة على التكنولوجيا والبنية التحتية التي تعتبرها استراتيجية.

وفي يونيو 2026، عزز الاتحاد الأوروبي إطار فحص الاستثمارات الأجنبية، بهدف تحسين قدرته على تحديد ومعالجة المخاطر المرتبطة بالاستثمارات الأجنبية مع الإبقاء على الانفتاح العام على الاستثمار.

ويشمل الإطار قطاعات حساسة مثل التقنيات الحرجة والمواد الخام الاستراتيجية والطاقة والنقل والخدمات المالية والبنية التحتية ذات الأهمية الأمنية، كما وسع نطاق الفحص ليشمل بعض الاستثمارات غير المباشرة والمستثمرين الأوروبيين الذين تكون السيطرة النهائية عليهم خارج الاتحاد.

وتوضح المفوضية أن الهدف ليس إغلاق السوق أمام رأس المال الأجنبي، وإنما حماية الأمن والنظام العام مع الحفاظ على جاذبية الاتحاد للاستثمار.

ما الذي تغيّر في طبيعة السباق؟

التحول الأهم هو انتقال الاستثمار من امتلاك أصل مالي إلى بناء منظومة. في النموذج التقليدي، يمكن لصندوق سيادي أن يستثمر في شركة ويحتفظ بحصة مالية فيها. أما في النموذج الجديد، فإن الاستثمار قد يمتد إلى الشركة، ومراكز البيانات، والحوسبة، والطاقة، وسلاسل توريد الرقائق والبرمجيات التي تجعل التكنولوجيا قابلة للتوسع.

ولهذا أصبحت مشاريع مثل Campus AI في فرنسا، واستثمارات قطر في Anthropic والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أمثلة على اتجاه أوسع لا يقتصر على شراء أسهم شركات التكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، فإن أوروبا ليست الطرف الوحيد الذي يحتاج إلى هذا التمويل؛ فالولايات المتحدة تستقطب مبالغ ضخمة من رأس المال السيادي أيضًا، فيما تحاول دول الخليج بناء محافظ عالمية في القطاعات التي تتوقع أن تقود الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.

أين ينتهي السباق؟

يصعب اختزال هذا التحول في عبارة «استحواذ الخليج على التكنولوجيا الغربية»، لأن الاستثمار لا يساوي بالضرورة السيطرة.

فالملكية والحوكمة وحقوق التصويت ومراكز البحث والتطوير واللوائح الوطنية كلها عوامل تحدد مقدار النفوذ الذي يحصل عليه المستثمر، بينما يمكن للدول والحكومات فرض قيود على الصفقات التي تمس تقنيات أو بنى تحتية حساسة.

لكن الأرقام والمشروعات الجديدة تشير إلى أن رأس المال الخليجي أصبح طرفًا مهمًا في تمويل الاقتصاد التكنولوجي العالمي.

وتبدو أوروبا في موقف مزدوج: تحتاج إلى تمويل أكبر حتى تنجح شركاتها في التوسع، لكنها في الوقت نفسه تريد الاحتفاظ بالقيمة والمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار في القطاعات التي تعتبرها استراتيجية. وقد يدفع ذلك نحو المزيد من الشراكات والمشروعات المشتركة بدل الاستحواذات المباشرة.

وفي المقابل، يبدو أن الصناديق الخليجية تتحرك باتجاه استثمارات أطول أمدًا في الذكاء الاصطناعي والحوسبة ومراكز البيانات والبنية الرقمية، وهي قطاعات قد تحدد ليس فقط شكل الاقتصاد العالمي، وإنما مواقع القوة الاقتصادية خلال العقد المقبل.

السؤال الحقيقي لم يعد من يملك المال ومن يملك التكنولوجيا، بل: من يملك البنية التي تجعل التكنولوجيا قابلة للتوسع، ومن يحتفظ بالقرار عندما تصبح هذه البنية جزءًا من الأمن الاقتصادي؟

"
“يتسارع حضور صناديق الثروة السيادية الخليجية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى الحوسبة المتقدمة، في وقت تحاول فيه أوروبا توسيع قاعدة التمويل المتاح لشركاتها التقنية ومنافسة الولايات المتحدة في تحويل الابتكار إلى شركات عالمية. ولا يتعلق هذا التحول بشراء حصص في شركات التكنولوجيا فقط، بل يمتد increasingly إلى تمويل البنية التحتية”
— اليوم ميديا / اقتصاد

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في اقتصاد ←
الصين وأميركا تتفقان على تفاهم جمركي بـ30 مليار دولار

الصين وأميركا تتفقان على تفاهم جمركي بـ30 مليار دولار

توصلت الصين والولايات المتحدة إلى تفاهم بشأن معاملة جمركية أكثر تفضيلًا لسلع بقيمة 30 مليار دولار في كل اتجاه، بالتزامن مع الاتفاق على إطلاق حوار جديد حول الذكاء الاصطناعي، في ختام زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن. وأعلنت وزارة الخارجية الصينية أن التفاهم جاء ضمن ثماني نقاط اتفق عليها الجانبان خلال القمة، التي

محرر اليوم ميديا
السبت، ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
النفط يتراجع.. هل تقترب هدنة واشنطن وطهران؟

النفط يتراجع.. هل تقترب هدنة واشنطن وطهران؟

تراجعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية الجمعة، مع ترقب الأسواق لاحتمال التوصل إلى هدنة بين الولايات المتحدة وإيران، لكن المخاوف من استمرار الهجمات على السعودية واضطراب حركة الملاحة في المنطقة أبقت الأسعار قرب مستويات مرتفعة. وانخفض خام برنت بنحو 0.7% إلى 105.85 دولار للبرميل في أحدث التعاملات، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 0.9%

محرر اليوم ميديا
الجمعة، ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الصين تغيّر خريطة النفط.. لماذا لم تعد تشتري من الأسواق نفسها؟

الصين تغيّر خريطة النفط.. لماذا لم تعد تشتري من الأسواق نفسها؟

قد تبدو عودة الصين إلى شراء النفط مؤشرًا على انتعاش الطلب العالمي، لكن الصورة داخل السوق أكثر تعقيدًا. فبكين لا تعود ببساطة إلى نمط الشراء الذي سبق اضطرابات الشرق الأوسط، بل تعيد توزيع مصادر الخام وفقًا لتكلفة الوصول والمخاطر ومسارات الشحن، في تحول قد يترك أثرًا على أسعار النفط وتدفقات التجارة العالمية. وفي مقال نشرته

محرر اليوم ميديا
الخميس، ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
حرب هرمز.. لماذا ترتفع كلفة الوصول إلى الخليج؟

حرب هرمز.. لماذا ترتفع كلفة الوصول إلى الخليج؟

قد تكون أخطر نتائج الحرب الجارية في الخليج أقل ظهورًا من ارتفاع سعر النفط، وأعمق من عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز. إنها ببساطة ارتفاع كلفة الوصول؛ فالسلعة قد تكون موجودة، والميناء مفتوحًا، والسفينة متاحة، لكن الطريق إليها أصبح أطول وأكثر مخاطرة وكلفة. وعندما يحدث ذلك، تتغير قيمة الموقع الجغرافي نفسه: ما كان ميزة تجارية

محرر اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة