الرئيسية/ثقافة ومجتمع/هانز كونغ والأديان الإبراهيمية الثلاثة.. الحوار مع الإسلام
ثقافة ومجتمع

هانز كونغ والأديان الإبراهيمية الثلاثة.. الحوار مع الإسلام

لقطة الشاشة 2025-04-09 في 10.43.13 م
📸لقطة الشاشة 2025-04-09 في 10.43.13 م
اليوم ميديا

اليوم ميديا

كان العالم اللاهوتي الكاثوليكي السويسري هانز كونغ (1928-2021) متحمساً جداً للحوار مع الإسلام. والكثيرون يعدونه أكبر عالم دين مسيحي في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين أو من أكبرهم على الأقل. وهو ليس فقط رجل دين وإنما أحد كبار فلاسفة الدين في التاريخ. لقد جمع في شخصه بين الانفتاح الديني الواسع والتعمق الفلسفي الرائع. وهذا شيء نادر أن نراه لدى رجل دين. ولا يوازيه في الجهة العربية أو الإسلامية إلا شخصية فلسفية كبرى كمحمد أركون. لقد كان هذا العالم المسيحي منفتحاً على الإسلام انفتاحاً كبيراً وطيباً. وقد عبر عن ذلك في العديد من كتبه ومقالاته وحواراته. سوف نتوقف لحظة عند بعض الأفكار التي بلورها والآفاق التي دشنها. وقد ورد ذلك في كتابه الضخم في نحو الألف صفحة بعنوان: «الإسلام الماضي، والحاضر، والمستقبل». وهو يفتتح الكتاب بهذا العنوان اللافت: «نحن ضد صدام الثقافات والحضارات»، وفق ما نشرته صحيفة الشرق الأوسط.

يقول لنا المؤلف منذ البداية ما فحواه:

كتابي هذا عن الإسلام ليس إلا استمرارية متواصلة لكتابي عن اليهودية الصادر عام 1992، ثم كتابي الآخر الصادر عن المسيحية عام 1994. وهكذا أكون قد شملت الأديان الإبراهيمية الثلاثة بأبحاثي المطولة العويصة التي استغرقت مني عشرات السنين. وكل كتاب لا يقل عن الألف صفحة بل بعضها يزيد.

(بين قوسين ويا ليتها تترجم إلى العربية. ولكن من يتجرأ على ترجمتها؟ حتى الترجمة ممنوعة! ولو ترجمت لفهمنا معنى الديانات الإبراهيمية الثلاثة عن جد ولفهمنا أيضا ماهية القواسم الكبرى المشتركة فيما بينها وكذلك أوجه الاختلاف والخصوصية الفريدة لكل واحد منها). جميع هذه الكتب تشكل شرحاً مفصلاً للبرنامج الديني – الفلسفي الذي بلوره المؤلف بغية إحداث طفرة عقلية كبرى في الوعي الجمعي أو الجماعي الدولي والعالمي. وهي طفرة معرفية أصبحت ضرورية لكي تتعايش البشرية فيما بينها بكل سلام ووئام على الرغم من اختلاف أديانها وعقائدها ومذاهبها. وهذا البرنامج الكبير يتمثل في الشعارات التالية التي طرحها المؤلف:

أولاً: لا سلام في العالم دون سلام بين الأديان.

ولا سلام بين الأديان دون حوار صريح بين الأديان.

ثانياً: ولا حوار بين الأديان دون نقد راديكالي للتطرف الديني والتعصب الأعمى. وهذا ما سيؤدي إلى تحقيق الأخوة الإنسانية بين مختلف الأقوام والشعوب (بين قوسين هذا البرنامج هو ما حققته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مؤخراً).

ثالثاً وأخيراً: لا مستقبل للفكر البشري دون تحقيق المصالحة التاريخية بين العلم والإيمان أو بين الدين والفلسفة العقلانية التنويرية. ولا مستقبل دون تجاوز المفهوم الطائفي والإقصائي والتكفيري للدين

ماذا يقصد المؤلف بالطفرة المعرفية الكبرى التي ينبغي أن تحققها البشرية؟ ماذا يقصد بهذه الطفرة الفلسفية التي تنقلنا من حال إلى حال؟ إنه يقصد ضرورة الانتقال من باراديغم القرون الوسطى إلى باراديغم الحداثة: أي من الفقه القديم الطائفي التكفيري إلى الفقه الجديد المتسامح التنويري. وهو يعني بالباراديغم هنا النموذج المعرفي الأعلى الذي يهيمن على ثقافة ما في فترة معينة من فترات التاريخ البشري. فمن الواضح أن المعيار الفكري الأعلى أو لنقل السقف الفكري الأعلى الذي كان يهيمن على العصور الوسطى غير المعيار الفكري الأعلى أو السقف الفكري الأعلى الذي يهيمن على العصور الحديثة. الأول منغلق كلياً على نفسه والثاني منفتح على كلية العالم. ومشكلتنا في العالم العربي هي أننا لا نزال واقعين تحت هيمنة السقف الأول لا الثاني فيما يخص الحركات الأصولية المتشددة على الأقل. وحدها النخب المتعلمة أو المثقفة خرجت من براثن هذا التطرف الأعمى والباراديغم الظلامي القروسطي القديم. ولكن هل يمكن الخلاص من الكابوس الأصولي السابق الذي خيم علينا طوال ألف سنة متواصلة بين عشية وضحاها؟ هل يمكن التحرر من براثن الفتاوى التكفيرية التي لا تزال تحظى بالقداسة والمعصومية حتى اللحظة؟ مستحيل. هذه العملية استغرقت من أوروبا 300 سنة. فهل يمكن أن يحققها العالم العربي في ظرف 30 سنة فقط؟ هذا هو السؤال. هذه قصة أجيال. هذه معركة العرب الكبرى: أكاد أقول هذه معركة المعارك، أم المعارك. ولكننا سائرون على الطريق بإذن الله. وأكبر دليل على ذلك وثيقة الأخوة الإنسانية الموقعة في أبو ظبي من قبل شيخ الأزهر وبابا روما بتاريخ 4 فبراير (شباط) 2019. وهي وثيقة متكاملة ومفصلة تدعو إلى تحقيق السلام العالمي والعيش المشترك بين جميع الأديان والشعوب والثقافات. وهذا مطابق حرفياً لما نص عليه القرآن الكريم: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). (الحجرات، 13). الشيء نفسه يمكن أن يقال عن وثيقة مكة المكرمة الموقعة بتاريخ 30 مايو (أيار) 2019، التي هي أيضاً وثيقة كبرى تهدف إلى تحقيق السلام بين الأمم، واتباع الوسطية والاعتدال في فهم الدين، والابتعاد عن التطرف والغلو.

كل هذا يمشي في الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ. كل هذا يقذف بأمتنا العربية الإسلامية خطوات كبيرة إلى الأمام. كل هذا يصالحنا مع أنفسنا ومع عصرنا ومع الجماعة الدولية بأسرها. وكل هذا يشفينا من مرض التطرف الأعمى الذي لا يؤدي إلا إلى خراب الشعوب والأوطان وتفكيك الوحدة الوطنية. فمتى سيفهم المتطرفون الدمويون ذلك؟ متى سيدركون أن مشروع الإسلام السياسي بكلا شقيه الإخواني والخميني قد وصل إلى الجدار المسدود وفشل فشلاً ذريعاً؟ وذلك لأنه خاضع كلياً لباراديغم القرون الوسطى المظلمة ومضاد لحركة التاريخ، بل ومضاد لجوهر القرآن الكريم ذاته. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فنلاحظ أن هانز كونغ من أنصار مشروع حوار الحضارات المضاد لمشروع صدام الحضارات على طريقة صموئيل هانتنغتون. ولكنه يرى أن هانتنغتون الذي ابتدأ تنظيراته عام 1993 بمقالة واحدة كان حذراً جداً في البداية، ثم أصبح متشدداً في النهاية.

ثم يردف هانز كونغ قائلاً: من الواضح أن مستشار البنتاغون لم يلحظ الديناميكية الداخلية للثقافات البشرية. ولم ينتبه بالأخص إلى مدى حيوية الثقافة العربية الإسلامية وعظمتها التاريخية. مشكلته أنه لم يلحظ مدى تنوعها وانقسامها إلى تيارات خصبة، بل وحتى متصارعة فيما بينها. أَنَظَر إلى الصراع بين العقلانيين الوسطيين من جهة، والأصوليين المتطرفين من جهة أخرى في كل بلد عربي أو إسلامي؟ وبالتالي فخطيئة هانتنغتون تكمن في أنه نظر إلى الحضارة الإسلامية ككتلة واحدة صماء، بكماء، عمياء، ليس لها هدف سوى ضرب الغرب أو تفجيره. أطروحة صموئيل هانتنغتون صحيحة بلا شك ولكنها لا تنطبق إلا على المتطرفين فقط في العالم العربي. إنها لا تنطبق إلا على الحركات الظلامية المتعصبة داخل الثقافة العربية الإسلامية. نظرية صموئيل هانتنغتون لا تنطبق إطلاقاً على تيار نجيب محفوظ أو طه حسين أو محمد أركون أو بقية النهضويين والتنويريين العرب والمسلمين. محال. وإنما تنطبق فقط على تيار المتطرفين من أمثال حسن البنا وسيد قطب والخميني وخامنئي، إلخ. هنا يمكن القول إن موقفه مبرر تماماً، بل واستبق ضربة 11 سبتمبر (كانون الأول) الإجرامية الكبرى. وهذا مدهش فعلاً ودليل على أنه مفكر استشرافي نبوئي واسع المدى ويرى أبعد من أنفه. ولهذا السبب نال كتابه شهرة دولية وترجم إلى مختلف لغات العالم. لقد استبق حركة التاريخ وتنبأ بها قبل أن تحصل. وهذا شيء نادر عند المثقفين بل ولا يقدر عليه إلا فلاسفة التاريخ الكبار من أمثال هيغل أو جان جاك روسو أو كانط. فمقالته التي تحولت لاحقاً إلى كتاب سبقت ضربة 11 سبتمبر بسبع سنوات فقط. لقد أتت قبلها مباشرة تقريباً. لقد أرهصت بها واستبقتها. كل هذا صحيح. ولكن ماذا نفعل بالتيارات الليبرالية التحديثية داخل العالم العربي والإسلامي يا سيد هانتنغتون؟ هل نشملها أيضاً بنظرية صدام الحضارات كالمتطرفين؟ غير معقول. بل ماذا نفعل بالتيارات العقلانية الوسطية المعتدلة داخل الحركة الإسلامية ذاتها. ألم يقل القرآن الكريم: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)؟ لم يقل قط: وكذلك جعلناكم أمة متطرفة!

أخيراً يرى هانز كونغ أن الإسلام شكل واحدة من أعظم الحضارات على وجه الأرض في الماضي. فلماذا لا يستطيع تشكيلها في الحاضر أو المستقبل؟ لقد أشرق هذا الدين القيّم على العالم يوماً ما إبان العصر الذهبي وكان أستاذاً للبشرية كلها علماً وفلسفة وأخلاقاً. لقد شكل حضارة كبرى قائمة على ركنين أساسيين: العقل والنقل، العلم والإيمان، الدين والفلسفة. وعندما انهار أحد هذين الركنين (أي الفلسفة العقلانية) انهارت حضارتنا وهيمنت علينا الأصولية العمياء طوال عصور الانحطاط ولا تزال!

"
اليوم ميديا كان العالم اللاهوتي الكاثوليكي السويسري هانز كونغ (1928-2021) متحمساً جداً للحوار مع الإسلام. والكثيرون يعدونه أكبر عالم دين مسيحي في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين أو من أكبرهم على الأقل. وهو ليس فقط رجل دين وإنما أحد كبار فلاسفة الدين في التاريخ. لقد جمع في شخصه بين الانفتاح الديني الواسع والتعمق الفلسفي
— اليوم ميديا / ثقافة ومجتمع

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الشيخ سلطان القاسمي مع طفل إماراتي.. مشهد يلخص رؤية الشارقة في بناء الإنسان والثقافة.

الشارقة.. كيف تحولت الثقافة إلى قوة ناعمة؟

الشارقة – محمد فال معاوية على مدى أكثر من أربعة عقود، لم تتعامل الشارقة مع الثقافة باعتبارها نشاطًا موسميًا أو واجهة احتفالية، بل بنت حولها مؤسسات وفعاليات ومشروعات امتدت من الكتاب والمسرح إلى المتاحف والفنون والتراث، قبل أن تتوسع إلى فضاء عربي ودولي أوسع. ومن هنا يمكن قراءة التجربة من زاوية مختلفة: كيف يمكن لمشروع

لندن - اليوم ميديا
الأربعاء، ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
راسل كرو.. من هوليوود إلى الموسيقى

راسل كرو.. لماذا لا يستطيع الابتعاد عن الموسيقى؟

خلف صورة راسل كرو التي رسخها فيلم «غلادياتور» وأدواره السينمائية الكبرى، تختبئ علاقة طويلة بالموسيقى لم تكن بالنسبة إلى النجم النيوزيلندي مجرد هواية جانبية. وفي مهرجان فينيسيا السينمائي هذا العام، عاد كرو إلى هذه العلاقة من خلال فيلمه الوثائقي الجديد «What Love Builds»، الذي يروي جانبًا من حياته الموسيقية الممتدة على مدى عقود. وعُرض الفيلم

لندن - اليوم ميديا
السبت، ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
سقارة.. سجل مفتوح لتاريخ مصر القديمة

مقبرة من الأسرة الخامسة تكشف أسرار سقارة

كشفت بعثة أثرية مصرية إسبانية مشتركة عن مقبرة تعود إلى أواخر الأسرة الخامسة في منطقة سقارة، في اكتشاف جديد يضيف معلومات إلى تاريخ الدولة المصرية القديمة، ويفتح المجال أمام دراسة جوانب من العمارة الجنائزية والفنون والنظم الإدارية في تلك المرحلة. وأعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية أن المقبرة تقع في جبانة مارييت شمال سقارة، وترجع إلى

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٨ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الممثلة والمنتجة المصرية بشرى لدى وصولها إلى السجادة الحمراء قبل حفل توزيع جوائز "جوي" في الرياض

ظفار تفتح شاشتها للعالم.. انطلاق مهرجانها السينمائي الدولي

فتحت مدينة صلالة في محافظة ظفار العُمانية شاشتها أمام السينما العربية والدولية، مع انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار السينمائي الدولي، بمشاركة 32 فيلمًا من 16 دولة، في حدث يسعى إلى تعزيز حضور عُمان على خارطة صناعة السينما ودعم المواهب والتجارب الجديدة. وانطلقت فعاليات المهرجان الأحد في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة، وتستمر

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة