
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، شهد اليمن تحوّلاً نوعياً في ساحات المواجهة، إذ لم تعد الحرب مقتصرة على الصراعات المسلحة المباشرة بل توسعت لتشمل حروباً رقمية واستخباراتية مركّزة تستهدف قلب النظام في صنعاء.
اختراق النسيج اليمني: حرب إلكترونية تحت الظل
بعد انضمام القوات اليمنية المدعومة من أنصار الله إلى القتال في دعم المقاومة الفلسطينية منذ أكتوبر 2023، تحولت اليمن إلى ساحة معركة سرية جديدة، تتجاوز الطائرات بدون طيار والصواريخ، نحو حرب تجسس واختراق نفسي رقمية. هذه الحرب تستهدف تفكيك التماسك الداخلي لحكومة صنعاء عبر التسلل الإلكتروني والتلاعب النفسي.
رسائل رقمية مجهولة المصدر، تحمل هوية “إسرائيل”، وجدت طريقها إلى صحفيين ونشطاء يمنيين، تعرضت لمحاولات تجنيد واستقطاب رقمي، بأساليب نفسية دقيقة تستغل الثقة الشخصية والمهنية. أمثلة على ذلك رسالة وصلت إلى الصحفي محمود، تمحورت حول إغراءات للانضمام إلى فريق عمل إسرائيلي، وآخر لسامي عبر حساب فيسبوك يدعي أنه طبيب فلسطيني، ما كشف عن شبكة معقدة من التجسس الإلكتروني.
تركيز استخباراتي إسرائيلي متصاعد بعد 7 أكتوبر 2023
تشير المصادر إلى أن جهود الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية تزايدت بشكل ملحوظ بعد انخراط اليمن عسكرياً في الصراع الفلسطيني، ما دفع تل أبيب وواشنطن إلى تصنيف صنعاء هدفاً استخباراتياً ذا أولوية قصوى. مع تراجع قدرة إسرائيل على استخدام أدواتها البرية في اليمن، تحولت إلى استراتيجيات اختراق رقمي وتجنيد جواسيس محليين.
تصريحات مسؤولين إسرائيليين كشفت عن فجوات استخباراتية ضخمة في اليمن، حيث اعترف خبراء أمنيون بأن فهم تل أبيب للحالة اليمنية والاستراتيجية المحلية كان ناقصاً، الأمر الذي استدعى تعويض هذا النقص بعمليات متزايدة للتسلل والتجسس.
استراتيجيات التجنيد والاستخدام الأمني للعملاء المحليين
تلجأ إسرائيل والمخابرات الأميركية إلى استقطاب يهود يمنيين ذوي اللهجات المحلية، لاستخدامهم كعملاء داخل البلاد، لجمع معلومات حساسة عن القوات والمواقع العسكرية. إلى جانب ذلك، تستغل الإعلانات المموّلة عبر الإنترنت التي تعد بمكافآت مالية ضخمة لجذب عملاء محتملين، وتجمع معلومات مرتبطة بالقوة العسكرية اليمنية، خصوصاً على الجبهة البحرية.
عمليات تجسس متطورة وتخريب ميداني
أشارت المصادر الأمنية إلى أن بعض الجواسيس اليمنيين تلقوا تدريبات متقدمة في أوروبا، وعادوا إلى البلاد تحت غطاء مؤسسات دولية وإعلامية، ما أتاح لهم حرية تحرك واسعة وجمع معلومات استخباراتية دقيقة، إضافة إلى تنفيذ عمليات تخريب واغتيال، ونقل إحداثيات لتسهيل الضربات الجوية الإسرائيلية.
شبكة تجسس متعددة الأوجه تحت ستار التنمية والتعاون
تعمل هذه الشبكات الاستخباراتية تحت أغطية متعددة تشمل منظمات دبلوماسية، إنسانية، اقتصادية وأكاديمية، لخدمة أجندات الموساد والـCIA. وتشير تقارير إلى نشاط مكثف في قطاع الإعلام، حيث تستخدم منظمات غير حكومية وورش عمل ومؤتمرات كواجهات لاستقطاب النشطاء والباحثين، وتوجيه أسئلة بحثية واستطلاعية تمهد لجمع المعلومات الحساسة.
الإعلام اليمني هدف رئيسي
يقوم الجواسيس بإرسال رسائل وهمية للصحفيين والناشطين تحمل عروض عمل مزيفة في مؤسسات إعلامية دولية، وتنتحل أسماء محلية وشخصيات أكاديمية لإضفاء مصداقية، بهدف استدراج الضحايا لكشف معلومات حول قادة المجتمع ومواقع حساسة.
خلاصة
الحرب في اليمن تجاوزت الأطر التقليدية، وتحولت إلى صراع استخباراتي رقمي معقد، تقوده إسرائيل والولايات المتحدة في محاولة لكسر بنية صنعاء الداخلية وتوجيه ضربات مؤثرة بعيدة عن جبهات القتال المألوفة. هذه الحملة تجسّد تحوّلاً نوعياً في الحروب الحديثة، حيث تُستخدم التكنولوجيا والتجسس النفسي كأدوات رئيسية لشن حرب سرية تستهدف النسيج الاجتماعي والسياسي اليمني.
لندن – اليوم ميديا




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *