
قبل أن تتراكم البنادق على رمال دارفور الملطخة بالدماء، بدأت القصة في منتصف عام 2012 مع ثلاثة شبان اكتشفوا جبل عامر، المعروف لاحقًا باسم “جبل الذهب”. هذا الجبل في محلية السريف شمال الفاشر أصبح نقطة جذب للمنقبين، وأطلق العنان لمطالبات ميليشيات الدعم السريع التي استخدمت العنف لفرض سيطرتها، ما حول الذهب إلى مصدر للصراع العسكري.
جبل عامر: ثروة تحولت إلى صراع
جبل عامر ينتج نحو 50 طنًا من الذهب سنويًا، ويحتوي أيضًا على الحديد والألمنيوم والبلاتين. بعد انفصال جنوب السودان في 2011 وفقدان الخرطوم لثلثي عائدات النفط، أصبح التعدين مصدرًا اقتصاديًا أساسيًا، لكنه أدى إلى تصاعد العنف وتعميق عدم الاستقرار. بحلول عام 2017، سيطرت مليشيا الدعم السريع على الجبل، وارتبط الذهب بتمويل أنشطتهم العسكرية والسيطرة على المنطقة.
السودان: عملاق الذهب العربي
يعتبر السودان أكبر منتج للذهب في العالم العربي، حيث يضم أكثر من 40 ألف موقع للتنقيب و60 شركة للتكرير موزعة على 13 ولاية، مع تركيز خاص على مناطق الغرب والنيل الأزرق والشمال والبحر الأحمر.
وقد تحولت الإمارات العربية المتحدة إلى الوجهة الرئيسية لتصدير الذهب السوداني، خصوصًا عبر شركات مرتبطة بمحمد حمدان دقلو (حميدتي) وأقاربه. وتُقدّر قيمة الصادرات السنوية للذهب إلى الإمارات بنحو 16 مليار دولار، نصفها تقريبًا يمر عبر قنوات غير رسمية وغير شرعية.
شبكة التهريب الدولية
ذهب دارفور يُهَرّب عبر تشاد وجنوب السودان وليبيا ومصر، قبل أن يصل إلى دبي. وتعمل مليشيا الدعم السريع على حماية الشحنات باستخدام شركات واجهة، ودراجات نارية، وطرود تجارية، لتصبح شبكة تهريب الذهب جزءًا من اقتصاد الحرب في السودان، وتموّل شراء الأسلحة وزعماء القبائل. مسار الجنينة إلى أدري التشادية، ثم إلى مطار أنجمينا ومنه إلى دبي، يمثل الطريق الأكثر ربحًا وأمانًا للمهربين.
جنوب السودان ودور الحركات المسلحة
في مناطق جنوب كردفان، تحت سيطرة الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، تنشط شبكات التهريب من مناجم صغيرة، مع منافذ تهريب إلى جنوب السودان وكينيا وأوغندا. أما شمال السودان، فتستخدم طرق تهريب صحراوية قديمة للوصول إلى الحدود المصرية، بما فيها شلاتين وأرقين وأسوان.
الإمارات لاعب رئيسي في سوق الذهب العالمي
خلال عقدين، تحولت الإمارات إلى أحد أكبر مستوردي الذهب في العالم، مع أكثر من 4000 شركة مجوهرات و1200 متجر بيع بالتجزئة. في 2024، استوردت 1400 طن من الذهب، نصفها تقريبًا من دول أفريقية مثل السودان، مرتبط بشبكات تمويل الصراعات. ضعف الرقابة التنظيمية جعل من دبي مركزًا لغسل الذهب المهرّب ودمجه في الأسواق العالمية.
الذهب الملطخ بالدم: نتائج وتداعيات
تهريب الذهب أثر على السودان اقتصاديًا وأمنيًا، إذ أدى إلى تمويل الصراعات، وتعميق عدم الاستقرار، وإغراء الجماعات المسلحة بالسيطرة على المناجم. بالرغم من خطط الجمارك السودانية لمراقبة المنافذ، إلا أن طرق التهريب المعقدة والشبكات المحمية بالسلاح جعلت هذه الجهود غير كافية لمنع تدفق الذهب خارج البلاد.
كشف الذهب السوداني المهرّب كيف يمكن للثروات الطبيعية أن تتحول إلى أدوات للصراع وتغذية الحروب، كما أبرز دور الشبكات العابرة للحدود والدول الفاعلة في الاستفادة من الفوضى لتحقيق مكاسب مالية. هذه الإمبراطورية المالية المظلمة تمس كل مناحي الاقتصاد والأمن والسياسة في السودان والمنطقة.
إعداد وتحقيق: إبراهيم مهدي




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *